ليش الأفلام السعودية تستاهل نراهن عليها؟
قراءة في الأرقام والنجاحات والمساحات التي لم تختبرها السينما السعودية بعد


ليش الأفلام السعودية تستاهل نراهن عليها؟
عهود أبو خيرة
منذ عودة السينما إلى السعودية، عُرضت عشرات الأفلام المحلية على الشاشة الكبيرة. تابعتُ معظمها من قرب، ومع ذلك حين أحاول استعادتها اليوم، لا يحضر في ذاكرتي سوى قليل منها. بعضها مرّ سريعًا من الصالات، وبعضها لم يجد جمهوره، وقلة فقط استطاعت أن تحقق نجاحًا يلفت الانتباه ويبقى في الذاكرة.
ليست هذه الصورة الأكثر إغراءً لمستثمر يفكر في وضع أمواله في فِلم سعودي، ولا حتى لمشاهد يقرر إن كان يستحق ثمن تذكرته. ومن هذه الزاوية، قد يبدو الرهان على الأفلام السعودية مخاطرة لا تستحق المجازفة.
أعرف أن هذه ليست البداية الأكثر طمأنة لمقال يحاول إقناعك بأن الأفلام السعودية تستحق الاستثمار فيها، لكن هذا بالضبط ما سأحاول فعله.
السوق موجودة بالفعل!
قبل أن تفكر في بيع أي منتج أو الاستثمار فيه، من البديهي أن تسأل أولًا: هل هناك من يريد شراءه؟ المعادلة في أبسط صورها واضحة؛ منتج عليه طلب مرتفع يعني فرصًا أكبر للبيع. وإذا طبقنا هذه القاعدة على السينما، فهذه أول نقطة مطمئنة في الرهان: السوق موجودة بالفعل، والجمهور يشتري.
بحسب تقرير هيئة الأفلام، نما الإقبال على دور السينما بوتيرة لافتة، منذ عودتها إلى السعودية عام 2018. ففي عام 2025 وحده، بيع 18.8 مليون تذكرة سينما، بإيرادات بلغت 920.8 مليون ريال، أي أن السؤال عن وجود جمهور للسينما في السعودية حُسم إلى حد بعيد.
والأهم أن هذه الأرقام لم تأتِ من سوق وصلت أصلًا إلى كامل انتشارها الجغرافي. ففي 2025، كان في السعودية اثنتان وستون دار عرض تضم 603 شاشات، موزعة على عشر مناطق فقط من أصل ثلاث عشرة منطقة إدارية. ويظهر أثر تفاوت انتشار دور العرض بوضوح في توزيع الجمهور، إذ تركزت معظم مبيعات التذاكر في المناطق التي تضم العدد الأكبر من دور العرض. فقد باعت الرياض وحدها نحو ثمانية ملايين تذكرة، ومكة المكرمة 5.1 ملايين، والمنطقة الشرقية 3.2 ملايين، لتستحوذ المناطق الثلاث مجتمعة على نحو 87% من إجمالي التذاكر المبيعة.
وهذا ما يجعل الأرقام أكثر إثارة للاهتمام؛ فنحن لا نتحدث عن سوق وصلت إلى أقصى اتساعها ثم باعت 18.8 مليون تذكرة، بل عن سوق حققت هذا الرقم بينما لا تزال مدن ومناطق كاملة لم تحصل على نصيب مماثل من دور العرض. أي أن حجم السوق الحالية لا يخبرنا فقط بما وصلنا إليه، وإنما يلمّح أيضًا إلى المساحة التي لا تزال أمامها للنمو.
لكن وجود سوق سينمائية كبيرة لا يكفي وحده لإثبات أن الاستثمار في الفِلم السعودي مجدٍ. الجمهور يذهب إلى السينما، نعم، لكن هل يذهب من أجل الفِلم السعودي؟
الإجابة: نعم، وبأرقام يصعب تجاهلها.
ففي 2020، لم تتجاوز مبيعات الأفلام السعودية في شباك التذاكر ثلاثة عشر مليون ريال. وبعد خمس سنوات فقط، تجاوزت 122 مليون ريال في 2025، بما يعادل نحو 13% من إجمالي إيرادات شباك التذاكر السعودي. أي أن نمو السوق السينمائية لم يكن مدفوعًا بالأفلام الأجنبية وحدها؛ الفِلم السعودي نفسه بدأ يأخذ حصة أكبر من تذاكر الجمهور وإنفاقه.
ولعل أكثر التجارب إثارة للاهتمام هنا «هوبال». فعلى الورق، لا يبدو الفِلم الرهان التجاري الأسهل؛ دراما تدور في صحراء السعودية في تسعينيات القرن الماضي، بعيدة عن الكوميديا التي اعتدنا رؤيتها تتصدر شباك التذاكر، وشديدة المحلية إلى درجة أن بعض مفردات لهجتها قد تحتاج إلى ترجمة حتى لمشاهد سعودي من منطقة أخرى. وفوق ذلك، دخل الفِلم الصالات وسط منافسة من أفلام عالمية كبيرة. كل هذه المعطيات كان من الممكن أن تجعل جمهوره محدودًا.
لكن ما حدث كان العكس.
باع «هوبال» نحو 589 ألف تذكرة، وحقق قرابة 24.6 مليون ريال في شباك التذاكر السعودي، ليصبح واحدًا من أعلى الأفلام السعودية إيرادًا في 2025. والمثير أن الفِلم لم يصل إلى هذا الجمهور بعدما خفّف من محليته، وإنما وهو متمسك بها إلى أقصى حد، في اللهجة والبيئة والشخصيات والعلاقات العائلية وحتى في تفاصيل الحياة اليومية داخل عالمه.
ثم جاء «مندوب الليل» ليقدّم اختبارًا مختلفًا للفكرة نفسها. فالفِلم دراما ثقيلة نسبيًّا في سوق تتصدر فيها الكوميديا غالبًا، ومع ذلك حقق نحو 28.7 مليون ريال، وأصبح من أبرز النجاحات السعودية في شباك التذاكر.
وفي اعتقادي، من أسباب نجاح الفِلم أنه وضع في قلب حكايته شخصية مألوفة جدًّا؛ «فهد»، رجل عادي تحرّكه قيمة يفهمها المشاهد السعودي جيدًا: رعاية الوالدين وإعالة العائلة مهما كان الثمن، وكلما ضاقت به الحياة، دفعته هذه المسؤولية إلى خيارات أكثر خطورة. هذه الصلة العاطفية، مع تجربة سينمائية ناضجة، جعلت «مندوب الليل» قريبًا من المشاهد ومختلفًا في الوقت نفسه، وأسهمت في رفع سقف توقعاته عمّا يمكن أن يقدمه الفِلم السعودي على الشاشة الكبيرة.
وتعود الفكرة نفسها إلى واحدة من أبكر التجارب، «شمس المعارف»، الذي وصل إلى صالات السينما في صيف 2020، في توقيت يكاد يكون الأسوأ لأي فِلم؛ وسط جائحة كورونا، وفي وقت كانت فيه الصالات السعودية تعمل بطاقة استيعابية لا تتجاوز 50%. ومع ذلك، استطاع الفِلم أن يبيع أكثر من 100 ألف تذكرة في السعودية.
وجزء كبير من جاذبية «شمس المعارف» جاء من عالمه البسيط والمألوف: حواري جدة، المدرسة، شغب الطلاب، الصداقات، مراهقين يحاولون صناعة فِلم. تفاصيل يومية جدًّا، لكنها التقطت ذاكرة يعرفها جيل كامل. وهنا تكمن قوة التجربة؛ أخذ الفِلم عالمًا اعتدنا أن نعيشه، ومنحنا فرصة أن نراه على الشاشة الكبيرة.
وهناك تجارب أخرى التقطت فرصة مختلفة تمامًا: الجمهور الأصغر سنًّا، من الأطفال والمراهقين، الذي يحضر بكثافة، في حين تظل الأفلام المحلية الموجهة إليه قليلة. أفلام مثل «شباب البومب 2» و«الزرفة» عرفت جيدًا الجمهور الذي تخاطبه، وقدمت له كوميديا قريبة منه، وشخصيات يعرفها، وحكايات مصممة أساسًا للترفيه عنه. والنتيجة كانت ضخمة: باع «شباب البومب 2» نحو 605 آلاف تذكرة، فيما تجاوز «الزرفة» 738 ألف تذكرة، ليصبحا من بين أعلى خمسة أفلام مبيعًا في السعودية خلال 2025.
ونسبة الفشل الباقية؟
تطوّر أي مهارة يبدأ بتكرار ممارستها حتى تُتقن، والسينما تخضع للقاعدة نفسها. فإذا كان طموحنا الوصول يومًا إلى الفِلم السعودي المنشود، الذي ينافس عالميًّا ويصل إلى الأوسكار، فقد يكون الطريق الأقصر إليه أن نكرر المحاولة أكثر، بدل أن نستنزف كل طاقتنا ووقتنا في محاولة صناعة تحفة فنية واحدة.
والسينما الكورية مثال واضح على ذلك. فقبل أن تصل إلى «Parasite»، وتصبح أفلامها حاضرة في شباك التذاكر والمهرجانات حول العالم، لم تتجاوز حصة الأفلام الكورية في عام 1993 نحو 16% من سوقها المحلية. وما حدث بعدها لم يكن قفزة صنعها فِلم واحد، وإنما سنوات متواصلة من الاستثمار والإنتاج والتجربة المتكررة.
وهنا تكمن أهمية كثافة الإنتاج في صناعة لا تزال في بدايتها مثل السعودية؛ فالفشل جزء مطلوب من التجربة. إذ تضيف كل محاولة خبرة جديدة إلى صنّاعها، ومعلومة جديدة إلى السوق عن الجمهور والقصص والأنواع التي تجذبه إلى الصالة. والمشجّع أن هذه الصناعة، رغم حداثتها وقلة إنتاجها، استطاعت بالفعل أن تفرز عدة نجاحات تجارية. فإذا حدث ذلك بعدد محدود من المحاولات، فماذا يمكن أن يحدث حين تصبح لدينا محاولات أكثر؟
المواهب باعتبارها «أصـولًا»
كل استثمار في فِلم سعودي هو، بطبيعة الحال، استثمار في المواهب التي تقف خلفه. وإذا استعرنا من عالم الأعمال فكرة «الأصول»، فيمكن النظر إلى صانع الأفلام نفسه بوصفه واحدًا من أهم الأصول التي تستطيع الصناعة الاستثمار فيها. لأنك حين تمنح الموهوب الأدوات والفرص والموارد التي تساعده على الوصول إلى أقصى إمكاناته، فأنت لا تستثمر في مشروع واحد ينتهي بانتهاء عرضه، وإنما في صانع قادر على إنتاج مشاريع وأفكار أخرى لسنوات.
قد ينجح فِلمه الأول أو يتعثر، ثم يأتي الثاني أفضل، والثالث أكثر نضجًا وربحية؛ وفي كل مرة تتراكم لديه معرفة أكبر بالجمهور والسوق وصناعة الفِلم. وهكذا تصبح قيمة الاستثمار أبعد من نتيجة مشروع واحد، لأن الخبرة التي موّلتها في الفِلم الأول تنتقل إلى كل ما يصنعه بعده.
وهذه معادلة مألوفة في عالم الأعمال: رأس مال يُستثمر في شخص تملك أفكاره قيمة، وتثق بقدرته على تحويلها إلى مشاريع تصل إلى الجمهور وتحقق عائدًا. وإذا نجحت الصناعة السعودية في اكتشاف هذه المواهب مبكرًا، فقد لا يكون العائد فِلمًا ناجحًا واحدًا، وإنما صانعًا قادرًا على صناعة النجاح مرارًا.
مساحات يمكن استغلالها
معظم تجارب الأفلام السعودية تحركت، بطريقة أو بأخرى، داخل نطاق محدود من الأنواع السينمائية. وهذا مفهوم في صناعة لا تزال في بدايتها؛ فمن الطبيعي أن يتجه المستثمر إلى المساحات الأكثر أمانًا، والأنواع التي أثبتت قدرتها على جذب الجمهور. لكن يمكن قراءة الأمر من زاوية أخرى أكثر أهمية: هناك أجزاء واسعة من السوق لم نختبرها أصلًا.
الخيال العلمي والمغامرة وسينما الأطفال والأفلام الموسيقية والسيرة الذاتية والوثائقيات، كلها مساحات ما زال حضورها محدودًا في الإنتاج السعودي، وهذا يترك أمام المستثمر احتمالات واسعة لاكتشاف جمهور جديد أو نموذج تجاري لم يُختبر بما يكفي بعد.
وربما تكون حداثة الصناعة هنا ميزة أكثر مما تبدو عيبًا. فنحن لا نملك إرثًا ضخمًا من الأفلام يجعلنا نشعر أن كل فكرة رُويت من قبل، ولا نعاني حتى الآن المعضلة التي تواجهها صناعات أقدم مثل هوليوود، حيث أُعيد تدوير كثير من الأفكار والشخصيات والعوالم مرارًا. السوق السعودية ما زالت أرضًا خصبة للتجربة، واحتمال اكتشاف نوع ناجح جديد، أو طريقة مختلفة لسرد قصة مألوفة، ما زال مفتوحًا على مصراعيه. ما يحتاج إليه الأمر هو قدر أكبر من الجرأة على الاختبار.
فمن يدري؟ ربما يكون الفِلم السعودي الناجح التالي فِلم خيال علمي تدور أحداثه في مدينة ينبع الصناعية، أو فِلم سيرة عن نحّال في قرية بالطائف. الاحتمالات هنا واسعة لأن القصص نفسها ما زالت في انتظار من يلتفت إليها.
ويدعم هذا الاحتمال اتساع النطاق الجغرافي للسعودية، واختلاف اللهجات والعادات والتقاليد؛ إذ تكاد كلما قطعت 150 كيلو مترًا تدخل محافظة جديدة، بلهجة مختلفة وعادات وتفاصيل وحكايات تخصّها. كلها كنوز يمكن استثمارها، وما زلنا لم نكتشف حدودها بعد، وفي كثير منها لم يسبقك أحد إلى رواية قصتها. وهذا برأيي أحد أقوى أسباب الاستثمار في الأفلام السعودية.
الخلاصة؟
كل هذا لا ينفي التحديات التي تواجه الصناعة السعودية اليوم؛ فالعشوائية في بعض قرارات الإنتاج موجودة، ومحاولة تكرار نوع أو نمط واحد بعد نجاحه تمثل تحديًا آخر، إلى جانب تحديات التمويل والتوزيع والتسويق. وهي تحديات مفهومة في صناعة لا تزال تتشكل، الأهم هو ما نفعله بها: أن نفهم أسبابها، ونبحث عن حلول لها، ونتعامل مع نتائج كل فِلم والآراء حوله باعتبارها معرفة تساعدنا على تحسين التجربة التالية. فوجود العقبات أو التجارب الفاشلة ليس دليلًا على فشل الصناعة، وإنما دليل على أن أمامنا أشياء ما زلنا بحاجة إلى تعلّمها وتطويرها.
لهذا، حين نراهن على الأفلام السعودية، فهذا لا يعني أن كل فِلم سعودي سينجح، ولا أن الطريق أمام الصناعة أصبح واضحًا. الرهان أبسط من ذلك: لدينا جمهور يشتري، وتجارب نجحت، ومواهب تتطور، وسوق ما زالت فيها مساحات كبيرة لم نكتشفها بعد. وهذه أسباب كافية للاستمرار في الاستثمار والتجربة وصناعة المزيد، لأن الفِلم الذي سيأخذ السينما السعودية إلى أبعد نقطة قد لا نعرف اسمه بعد، ولا من سيصنعه، لكننا لن نصل إليه من دون أن نراهن على الأفلام التي تسبقه.

السينما ليست مجرد ترفيه،
إنها ذاكرة وثقافة وطريقة لفهم العالم.
أبواب «مكتبة سينماء» مشرّعة لكم على منصة «سينماء».

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.