ألزهايمر: يوم تحول أبي إلى طفلي ❤️‍🩹

زائد: وأخيرًا وصلت الرسائل الصوتية!

طيلة خمس سنوات من عملي في منصة بيسكامب، افتقرت المنصة إلى خاصية الرسائل الصوتية، وهذا الافتقار كان ضمن ميزاتها. 

الآن باتت متاحة مع التحديث الأخير! ولأنَّ الرسائل الصوتية سُمعتها سيئة، قد يغلب التوجه الأعمّ إلى قمعها وتجاهل وجودها. فهل ستنجح حيلة التجاهل، أم ستنهار الحيلة على يد أول شخص يعتمدها، وكالعادة نتكيف مع الثورة التقنية ونقول «كيف كنا ننجز شغلنا من غير الرسائل!»؟ 👀

أوافيكم بالتحديث لاحقًا. 😏

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

ألزهايمر: يوم تحول أبي إلى طفلي ❤️‍🩹

إيمان العزوزي

توفي والدي عشية الحظر الذي أعقب انتشار جائحة كورونا. ومع توقعي المستمر لرحيله، إلا أن وفاته باغتتني! كنت أؤجل مواجهة هذه الفكرة مُمنِّيةً نفسي بأنني سأحظى بمزيد من الوقت معه، لعلني أعوض ما فاتني في طفولتي بسبب انشغالاته التي حرمتني مشاركته تفاصيلي الصغيرة التي تتوق كل ابنة إلى تقاسمها مع أبيها. ولكن، بعد المحنة التي عشناها جميعًا في أثناء الحظر، وما عاناه الناس في توديع ذويهم ودفنهم، أدركت أن رحيله كان رحمةً به وبنا، إذ حظي بجنازةٍ تليق به، وحظينا بفرصة توديعه.

كنتُ مدللة أبي، فأنا الصبية بين أربعة إخوة، لكنه لم يكن يُصرِّح بحبه، إذ كان دلاله محافظًا تحكمه تقاليد رجلٍ يرى في العاطفة ضعفًا. كان أبي رجل سياسة، يزن كلماته ويكتم مشاعره، لكن الحب -كما تعلمتُ لاحقًا- يشبه الماء، يتسرَّب دائمًا من الشقوق مهما بدت الجدران سميكة. تجلى حنانه في الاهتمامات الصغيرة، في نظراته المفعمة بالدفء، وفي صمته الطويل الذي كان يحمل أكثر مما تقوله الكلمات، وفي الحرية والثقة التي منحني إياهما طيلة حياتي. وأتقنت، بطريقةٍ ما، قراءة تلك التفاصيل، وكانت تكفيني.

استمرت علاقتنا على هذا النحو حتى تخرجي ثم زواجي، وخلال تلك الفترة طرأت على والدي تغيرات غريبة عزَوتها إلى أسبابٍ شتى، أبعد ما تكون عن الحقيقة. فسرتها بتقلبات المزاج الناتجة عن التقدم في السن، والتقاعد، والفراغ الذي تلا خفوت مسؤولياته. لم يخطر ببالي حينها أن ما يتسلل إلى حياتنا كان مأساة ستربك هدوء أسرتنا ببطء، شيئًا لم نستطع تبيُّنه في البداية، أو ربما خشينا أن نسميه باسمه: ألزهايمر.

نظن دائمًا أن المصائب تصيب الآخرين فقط، ونعتقد أننا في مأمنٍ منها. وحين تداهمنا، نجد أنفسنا غير مستعدين، ونحتاج إلى إعادة ترتيب حياتنا والتأقلم مع واقعنا الجديد. لكن هذا المرض الذي يفاجئنا كل يوم بما لا نتوقعه، يفرض علينا كل صباحٍ إعادة ضبط إعداداتنا النفسية والصحية والعقلية، لنتمكن من تجاوز يومنا، وما يليه من أيام طويلة تبدو كأنها ثقب أسود يستنزف أرواحنا.

لا يبدأ تعامل الأسرة مع ألزهايمر دفعة واحدة، بل يتدرج عبر مراحل تتكيف فيها الأسرة مع واقعها الجديد. فالحياة قبل المرض تختلف قطعًا عما بعده، حيث يُعاد تشكيل العلاقات بين أفراد الأسرة والمريض بالكامل. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليطال العلاقات بين الأفراد أنفسهم، إذ تخضع لتحولاتٍ قسرية تظهر تبعاتها يومًا بعد يوم، حتى نجد أنفسنا قد أصبحنا أشخاصًا مختلفين.

جلستُ مؤخرًا مع عددٍ من الأسر التي يعاني أحد أفرادها من مرض ألزهايمر، كانت تلك اللقاءات أشبه بجلسات استماع مفتوحة، لا يهمنا فيها مَن نكون، بل ما نعانيه. تحدثنا عن الألم ذاته، واستعدنا التجارب نفسها، فالمرض ينسخ المعاناة نفسها في بيوت مختلفة. ومن هذه الجلسات -التي لم تستمر للأسف لما تتطلبه من دعم مادي ولوجستي- استخلصتُ أن معظم الأسر في هذه العينة البسيطة قد مرت بالمراحل ذاتها في تعاملها مع المرض.

المرحلة الأولى: الجهل

البداية الصعبة، حيث تُساء قراءة التغيرات التي تطرأ على المريض وتُفسَّر بأسباب بعيدة عن الواقع، سواء كانت تفسيرات عقلانية أو خرافية. يبدأ المريض بنسيانٍ بسيط يتفاقم مع الوقت، أو يغدو مهووسًا بجمع الأغراض وتكديسها، بعضها يجلبها من الشارع، أو يصبح عنيفًا في أفعاله وأقواله خاصة تجاه الشريك، وغيرها من التصرفات الغريبة التي تتنافى مع شخصيته المعهودة، والتي  يستعصي على المقربين تصديقها. لذا، أنصح كل من يلحظ تغيرات غير اعتيادية على والديه أو أي فرد من أسرته بالمبادرة لاستشارة طبيب، فمرض ألزهايمر لا يقتصر على كبار السن فحسب.

المرحلة الثانية: الصدمة

حين تبلغ التغيرات حدًّا لا يمكن تجاهله، يلجأ الأهل إلى الطبيب ليواجهوا صدمة التشخيص: ألزهايمر، وغالبًا في مراحله المتقدمة. تتجسد هذه الصدمة في تبدُّد تلك القناعة التي كانوا يُطَمئنون بها أنفسهم: «هذا المرض يصيب الآخرين». يضاف إلى ذلك ما يحيط هذا المرض من غموض، وحقيقة انعدام الأمل في الشفاء حتى الآن، وما يعنيه ذلك من رحلة طويلة وشاقة من المعاناة للمريض وذويه، قد تمتد لسنوات طوال. في حالتي، اثنتا عشرة سنة سلبتني متعة عيش ثلاثيناتي.

المرحلة الثالثة: النكران

وهي مرحلة تلي الصدمة مباشرة، يعجز فيها الأبناء عن تقبُّل تحوُّل الوالدين إلى أشخاص مختلفين عما يعرفونه عنهم، وبعيدين عن سياقهم الأسري والاجتماعي. لذا، يستمر التعامل مع المريض كأنه لم يتغير، ويستند هذا التعامل إلى إنكار الواقع، مما يلحق الضرر بالمريض وذويه على حد سواء. ومن المؤسف أن المجتمع يؤدي دورًا سلبيًّا في هذه المرحلة، إذ يعزز حالة الإنكار تلك بدلًا من التخفيف منها بفعل التعليقات «المحبطة» والناقدة لأهل المريض دون الاطلاع على الصورة كاملة.

المرحلة الأخيرة: الحداد الأبيض

تبدأ باستسلام الأهل لفكرة الفقد، ويدركون أن الآباء الذين احتضنوهم رحلوا إلى الأبد، وأن عليهم التسليم بهذا الغياب وإن ظلت أجسادهم عالقة بيننا. يتحول الدور من محاولة استعادة ما يستحيل استعادته إلى واجب الحماية. الحداد الأبيض هو أسًى استباقي يساعدنا على الاستعداد لرحيل من نحب، لكنه شعور يتجدد كل يوم، كأنك تهيئ نفسك لموتٍ تاريخه يظل معلقًا، بينما يتلاشى مَن تحب أمامك رويدًا رويدًا. رافقني هذا الحزن كل صباح، حين أفتح عيني وأتساءل: أيُّ جزءٍ من أبي سأفقد اليوم؟

من أقسى ما يفرضه ألزهايمر على المحيطين بالمصاب، إجبارهم على خوض تجارب ما كانت الحياة لتضعهم فيها لولا هذا المرض؛ فهو يضعهم وجهًا لوجه أمام ضعف حبيبهم. لم أدرك جمال عيني أبي، اللتين تشبهان لون حقول القمح، إلا حين فرضت عليَّ الظروف مجالسته مطولًا، فصار حاضرًا أمامي كل يوم، أعتني بطعامه وأرافقه في صمته واضطرابه. وكغيره من مرضى ألزهايمر الذين خبرتُ حالتهم، كانت عيناه تبدوان حزينتين، تائهتين، مرعوبتين. وتمزقتُ في كل لحظة عجزتُ فيها عن طمأنته وتهدئة روعه.

كما أتذكر بوضوح اللحظة الأولى التي اضطررت فيها إلى مساعدته على نظافته الشخصية؛ وقفت مترددة ترتجف يداي، والمكان يضيق بي من كل جانب. كيف لابنة أن تواجه هذا الموقف؟ وكيف للعقل أن يتقبل انقلاب الأدوار بهذه الطريقة؟ اشتغل دماغي وقلبي معًا في لحظة واحدة، فتخيلته طفلًا صغيرًا، واستحضرت صورة ابني الذي أنجبته للتو. كان الأمر بالغ الصعوبة، لكنني نجحت في تجاوزه، ومع الوقت اعتدتُه. وبهذا تجنبت ما أراه أقسى وأصعب، وهو فكرة تركه لغيري -باستثناء إخواني- فقد رأيت كيف يتعامل معه ممرضون وممرضات يفتقرون إلى الخبرة الكافية، ولا يدركون طبيعة حالته، مما قد يعرضه للإساءة في لحظات ضيقهم.

كنت أعرف أنني أيضًا أختبر حدود صبري كل يوم، وأواجه عناده وكلماته غير المسؤولة ونوبات غضبه. ومع ذلك، أدركت أن هذا العبء، مهما ثقل، لا يمكن أن يحمله نيابة عني أحد مهما بلغت مكافأته الماديّة.

اليوم، بعد سنوات من رحيل والدي، لست نادمة على تلك الرحلة بكل ما حملته من تعب وخسارات. صحيح أن ألزهايمر أخذ مني عقد الثلاثينات، وفرصة تطوير حياتي المهنية والشخصية، لكني دخلت الأربعينات أكثر شغفًا بالحياة، وأكثر امتنانًا لنعمها الصغيرة، وأكثر يقينًا بأن تلك السنوات، مع قسوتها، لم أخسرها؛ فقد شكلت جزءًا أساسيًّا من رحلة نضجٍ صنعت ما أنا عليه اليوم.

وكلي يقين أني لو وُضعت أمام الاختيار نفسه مرة أخرى لاخترت الطريق ذاته، لأنني أومن أن من واجبنا حماية من نحب في لحظات ضعفهم، وصون كرامتهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، خاصة في ظل غياب الدعم المؤسساتي. 

ألزهايمر ليس «ميمًا» نشاركه لنضحك على النسيان، أو مشهدًا رومانسيًّا في فلم نضعه لحصد المشاهدات، هو أصعب ما قد يمر به المرء. لذا، إن كنت ممن يعانون تبعاته، تذكَّر أنك لست وحيدًا، شارك معاناتك وتحدث وفضفض، اجعلوا من الحديث وسيلة ليتعرف الناس على المرض، ولنتشارك جميعًا في تخفيف وطأته، عائلةً وجيرانًا وأصدقاءً.. وعابرين.


The Tempest by Ivan Aivazovsky
The Tempest by Ivan Aivazovsky

سكينة {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}🌊⏳ 

من أحب السور إلى قلبي سورة الكهف، ومن أكثر آياتها إلهامًا بالنسبة إليَّ قوله تعالى في فاتحة رحلة موسى مع الخضر: {لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}.

في هذه الآية الكريمة يتجلى إصرار موسى -عليه السلام- على بلوغ هدفه، فقد عزم على مواصلة السير مهما طالت المسافة وزادت المشقة، لا يردُّه إلا تحقيق غايته.

لمدة طويلة كنت أرى بعين قلبي هذا الجزء فقط من الآية، ومعها بلوغ موسى عليه السلام غايته، فيزداد في قلبي اليقين؛ أن تحقيق الغايات متعلق بالسعي والعمل ومواصلة السير بإصرارٍ في طريق الهدف وتحمُّل مشقته.

كنت أرى أن الإنسان يكفيه في الطريق نحو غاياته أن يكون جادًّا وصبورًا وصادقًا في سعيه.

غير أني رأيت في الحياة خلاف ذلك؛ فمهما اشتد إصرار الإنسان وزادت عزيمته، وسار في طريقه صادقًا مخلصًا، لا يضمن بالضرورة بلوغ أهدافه وغاياته. وعدم بلوغه هذا لا يعني دائمًا تقصير الساعي أو خطأه، بل هو ببساطة شيء من بشريته التي تجعل قدرته على تحديد النتائج والتحكم فيها محدودةً جدًّا.

هذه النظرة إلى حقيقة قدرة الإنسان وحقيقة أثر سعيه أعادتني إلى تتمة الآية: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}، فرغم الإصرار الكبير لموسى عليه السلام، وأخذه بأسباب بلوغ هدفه، فقد كان مستعدًّا لاحتمال مرور زمن طويل دون بلوغه، وهذا من تمام تسليمه ببشريته.

فإذا خرج الإنسان نحو غايته محمَّلًا بالإصرار وصدق العزيمة، وبجانبهما إيمانه بمحدودية قدرته، أفرغ جهده ووسعه في سبيل هذه الغاية، فإن بلغها اطمأن، وإن أمضى دونها دهرًا علم أنه أدى ما عليه. فيكون هنا إيمانه وتسليمه بمحدودية قدرته -وإن لم يبلغ غايته- سبب سكينته.

إعداد 🧶

مجد أبو دقَّة


نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+40 متابع في آخر 7 أيام