الربحية العالية في الندرة الإنسانية 💰

زائد: كيف تدحض تهمة الكتابة الذكالية؟

هل تتعمد ترك أخطاء إملائية ونحوية ومطبعية في نصوصك وإيميلاتك، وتخفض من مستوى مفرداتها؟

وفقًا لهذا التقرير في «وول ستريت جورنال»، هذا هو التوجه الحالي بين الكتّاب الجيدين والكتّاب المعتمدين على «جي بي تي» على حدٍّ سواء: أن يبدو النص إنسانيًّا بكثرة الأخطاء وابتعاده عن الكلمات «المنمقة».

فقد وجد الكتّاب الممتازون أنفسهم اليوم في موقع الدفاع عن نصوصهم ضد التهمة الجاهزة «كتابة شات جي بي تي🫵»، وهذه تهمة صعب دحضها. (للعلم: استخدامنا «دحضها» يرفع شبهة كتابة هذه الفقرة بأداة ذكالية، فالأفضل نكتب «إنكارها».😑)

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

الربحية العالية في الندرة الإنسانية 💰

إيمان أسعد

شاهدت، مثلي مثل الجميع، فلم «مزنة» الذكالي على منصة «إكس»، ومثلي مثل الجميع على المنصة مرَّت عليَّ الآراء حول الفلم، ما بين متحمس لهذا النوع من الـ«ميكرو أفلام» السريعة، ومن يُنذِر بعاقبة وخيمة على صناعة السينما. ومن محاسن الصدف أن أتى معها إعلان قوانين جديدة لجوائز الأوسكار، أهمها عدم قبول ترشيح أي عمل مكتوب بالذكاء الاصطناعي أو أداء تمثيلي بالذكاء الاصطناعي.

ظننت في البداية أن قوانين الأوسكار نابعة من منطلق أخلاقي داعم للإبداع الإنساني، لكن بعد قراءة هذا المقال الطويل، للكاتب الاقتصادي أليكس إيماس في مدونته على سبستاك، بعنوان «ما الذي سيندر في المستقبل؟» (?What will be scarce)، فالدافع اقتصادي وساعٍ إلى الربحية العالية، كما هو الحال دومًا في السوق الرأسمالي. (وهذا من حسن حظنا).

يهدف إيماس إلى توضيح اعتقاده بأن طغيان أتمتة الوظائف بالذكاء الاصطناعي لن يؤدي بالضرورة إلى انهيار الاقتصاد وإفناء الوظائف البشرية وطمس العملية الإبداعية، بل سيفعل ما فعله التطور التقني في الاقتصاد البشري طيلة آلاف السنين: يبدِّل بنية الاقتصاد وفق المعطيات الجديدة، ليوجِّه الاقتصاد بوصلته إلى سوق العرض والطلب على النادر الجديد، وهذا النادر في الاقتصاد الذكالي سيكون أنت، أي الإنسان. 

عودةً إلى مثال «مزنة» بصفته منتَجًا اقتصاديًّا؛ أول سؤال: هل دفعت مالًا مقابل حضوره؟ بطريقة مباشرة: لا. أيُّ إيرادات مباشرة حققها الفلم فهي من عدد المشاهدات، ولا تعادِل شيئًا في سوق السينما. من جهة أخرى، على الأغلب لم يخسر الفلم ماديًّا (وربما ربح من مدخول منصة «إكس»)، لأن الكلفة منخفضة للغاية مقارنةً بإنتاج الأفلام السينمائية، فلا أجور للممثلين وكتّاب السيناريو وطواقم الإضاءة والتصوير وخدمة الطعام وتأجير المكان، إلخ. وانخفاض الكلفة إلى هذا الحد هو تأثير الإنتاج الذكالي على صناعة المنتج.

النتيجة المباشرة لرخص التكاليف الإنتاجية بهذا المقدار المهول في أي قطاع اقتصادي هي الوفرة الفائضة، بمعنى قد تجد كل يوم عشرات الأفلام الجديدة التي لن تضطر إلى دفع مال مقابل مشاهدتها، وإن دفعت سيكون زهيدًا للغاية. تمامًا كما حدث في الصناعة الغذائية بعد دخول التقنية على قطاع الزراعة، وفي صناعة الملابس بعد دخول الآلات بدل الخياطين، ولا ننسى طبعًا تأثير الأزياء الرخيصة مع دخول «شي إن» السوق.

في مثال الصناعة الغذائية، لم تلغِ الوفرة الفائضة في الأغذية ومطاعم الوجبات السريعة الحاجة إلى مطاعم فاخرة وصعود أسماء طهاة ارتبطوا بها. بل إن انتشار الخيار الأول الأرخص يبرر ارتفاع سعر الوجبة في مطاعم الخيار الثاني؛ لأنك هنا تدفع مقابل قيمة أعلى تتجاوز مجرد الشبع، أنت تدفع مقابل التجربة والمعايير العالية والتميُّز عن الآخرين.

خذ المثال أعلاه وطبِّقه على وفرة النصوص والأفلام والأعمال الفنية الذكالية الفائضة، ستكون «أرخص من بيع السوق» لوفرتها وسهولة إنتاجها، ولها مستهلكوها. وأنت، كونك مستهلكًا لها، لن تقبل دفع أثمان عالية عليها، مما سيُبقيها رخيصة، وهامش ربحيتها منخفضًا. ولكي يقنعك السوق بالدفع بربحية عالية، لا بد أن يعرض عليك الفئة النادرة من البضاعة الفائضة: النصوص والأفلام والأعمال الفنية الإنسانية، وستكون مستعدًّا لدفع المال مقابلها ومقابل الاسم البشري المرتبط بها، وهذا ما سيُبقي الاقتصاد قائمًا.

وبالطبع، الاستعانة بالموارد البشرية هنا ستتطلب بشرًا يتمتعون بحرفية عالية، حتى مع وجود الأدوات الذكالية، وهؤلاء سيطلبون رواتب مجزية، أعلى مما قبل.

وفرة الإنتاج الإبداعي الذكالي الرخيص ستُعلي شأن الإنتاج الإبداعي البشري المتميز، ولن تطمسه. في الوقت نفسه الذي عُرِض فيه فلم «مزنة»، نزل الإعلان الجديد لفلم نولان «الأوديسية». ورغم أن الفلم يعيد سرد حكاية معروفة حفظها الكل عن ظهر قلب منذ أيام هومر (اللهم إلا حديث الشخصيات الإغريقية بلهجة بوسطن الأمريكية بدل الإنقليزية البريطانية)، ورغم سهولة إنتاج الحكاية ذكاليًّا مع وجود قوالب سينمائية وتلفازية سابقة، كل مستهلك لصناعة السينما متحمس بشدة لرؤية الفلم، ويَعدُّ الأيام حتى موعد نزوله الصالات، لماذا؟ لارتباطه باسم نولان.

ما سنشتريه حين ندفع ثمن التذكرة، مهما كانت غالية، هي فرصة الاطلاع على فلم سينمائي وعيش تجربة مع مبدع بشري ومن منظوره، لأننا سبق أن جرَّبنا معاييره العالية. ولهذا سيحقق نولان ربحية عالية، حتى إن لم يكن الفلم أروع ما أنتج، وسيتمسك به السوق ولن يتخلَّى عنه.

والشيء ذاته ينطبق عليك: في عصر الفائض الذكالي الرخيص، عليك أن تصقل ندرتك البشرية، أيًّا يكن مجالك. ولن يتخلَّى السوق عنك. 


نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+70 متابع في آخر 7 أيام