ما لا يُقال عن جلسة العلاج النفسي الأولى 🧑‍⚕️

زائد: هل يناسبك الدخول يوميًّا في اجتماعات الهذرة الصباحية؟

إذا كنت تعمل في شركة تعتمد مزيجًا من العمل الحضوري والعمل عن بعد، فهل ستتفق مع فكرة «اجتماعات الهذرة الصباحية»؟

تقول خبيرة «لمّ الشمل» بريا باركر، إنَّ انفصال الموظفين بين عالمين حضوري ورقمي قد يضعف التواصل في بيئة العمل بالكامل، وأحد الحلول لتعزيز التواصل استخدام التقنية في تشكيل «الغرز الخفية».

في بيئة العمل الحضورية، من المعتاد أن يقضي الموظفون أول ربع ساعة في أحاديث جانبية متى اجتمعوا، وهذه الأحاديث الجانبية هي غرز تعزِّز التواصل المهني بينهم لاحقًا. وتنقل باركر عن أحد المديرين رغبته في لمِّ شمل الموظفين عن بعد في هذا الطقس الصباحي، لذا قرر أن يدخل جميع الموظفين الحاضرين وعن بعد، في الربع ساعة الأولى، في اجتماع زوم يومي مخصص فقط للهذرة الصباحية.

فإذا كنت تعمل عن بعد، ومديرك قرأ النشرة وقرر عقد اجتماع يومي مخصص للهذرة، فهل ستشكرنا أم...؟ 😒

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

ما لا يُقال عن جلسة العلاج النفسي الأولى 🧑‍⚕️

وعد المقاطي

احترت كثيرًا كيف أبدأ هذه التدوينة، لأن الحديث عن الجلسة الأولى ليس بسيطًا كما ظننت. من زاوية، قد يبدو موعدًا عاديًّا؛ وقتًا محددًا، وغرفة هادئة، ومعالجًا يجلس ليستمع. لكن من زاوية أخرى، قد تكون تجربة مربكة ومحمَّلة بأسئلة كثيرة، بعضها واضح وبعضها لا نجرؤ على طرحه. وكثير منَّا -معالجين ومراجعين- أشار إلى الجلسة الأولى وما تعنيه. ولعل أكثر ما يستحضرني ما قاله يالوم، وهو طبيب نفسي ومعالج وجودي أمريكي، عن الجلسة الأولى:

 غالبًا ما تكون الجلسة الأولى ممتلئة بالقلق لدى المعالج والمريض على حدٍّ سواء.

لكن محرِّكي الأساسي في كتابة خريطة الجلسة الأولى، كان فضولي الأكبر تجاه رحلة مراجعيني في الجهة المقابلة، قبل أن يصلوا إليَّ.

ما قبل الجلسة الأولى: البحث ومواجهة وصمة العلاج النفسي داخلك

هذه الرحلة قد تأخذ أيامًا وربما أشهرًا أو حتى سنة. فعملية البحث سهل ممتنع، إذ تبدو في ظاهرها خطوات مباشرة مثل البحث والاختيار والحجز، لكنها في جوهرها رحلة أكثر تعقيدًا، تتطلب مواجهة صادقة مع الذات. وتزداد صعوبةً إن كنت في حيرة لا تعرف ما يحدث بك داخليًّا وما نوع احتياجك، وقد تبقى في صراع خاص مع ذاتك. 

كثير منا لا يعرف كيف يطلب المساعدة لنفسه، من جهة ذاته تعزُّ عليه؛ فيشعر بهذه الزيارة أنه أعلن عجزه عن مساعدة نفسه. لكن مشهد المعالج هنا يذيب هذا المفهوم، فلا تبقى أنت أمام آخَر، بل -إن كان معالجًا متمكنًا- أمام نفسك، لأنه سيحاول جاهدًا أن يذيب وجوده ليكون لك مرآتك المتحدثة.

لكنَّ كثيرًا من الليالي ولحظات الانتظار المجهولة نهايتها تبدأ من هوية المعالج. فقد تشترط أن يكون بعيدًا كل البعد عن ثقافتك حتى لا تشعر بنوع من الحكم، وقد تشترط أن يكون مشابهًا حد التطابق لثقافتك حتى لا تشعر بأي نوع من سوء الفهم. وهذا حق خاص لك، فلكلٍّ منا طريقته في الانفتاح مع الآخر، فكيف إن كان هذا الآخر معالجك الخاص. 

الخطوة الأولى: الوصول - غرفة الانتظار

ربما تكون غرفة الانتظار ثاني أصعب لحظة بعد لحظة البداية في الكلام. بعد محاولات من التخفي لزيارة الموعد، تُبقي الأمر بعيدًا عن معظم من حولك، باعتباره شأنًا خاصًّا لا يشبه مشاركة زيارة طبيب الأنف والأذن والحنجرة؛ خوفًا من حكمٍ محتمل أو شفقة ترفضها من الأساس.

تصل أخيرًا، وما زلت محمَّلًا بالأسئلة في كل خطوة. تجلس هناك في حالة من القلق، تحاول أن ترتِّب ما يمكن قوله، وتتساءل إن كنت تستطيع التعبير أصلًا. فكرة أن يحكم عليك أو تُرفَض أو يُساء فهمك تفزعك، ويظهر ذلك السؤال الثقيل عن سبب وجودك هنا. يبدو الهروب خيارًا مريحًا، لكنه في اللحظة نفسها يبدو غير منطقي.

يبقى التردد حاضرًا حول جدوى العلاج، خاصة مع شعورك بأنك حاولت طويلًا دون نتيجة، وأنك الأعرف بما تمرُّ به. وربما يتسلل شعور بالظلم؛ لأنك تجد نفسك في هذا المكان، بينما من آذاك بعيدٌ، لا يدرك ما سبَّبه لك.

صدمة أن العلاج ليس كما في الأفلام

تبدأ منذ أن يُنادى اسمك، تمشي بهدوء ثقيل كأن اللحظة توقفت في ذلك الممر. تتخيل شكل الجلسة كما في الأفلام، كنبة طويلة تحتاج إلى أن تستلقي عليها ليبدأ العلاج.

يُفتَح الباب، فتجد في الغالب كنبتين أو أكثر بطبيعة الحال، فالكنبة الطويلة لا توجد غالبًا إلا في العلاج التحليلي. تتردد أين تجلس،  لا شيء مثل ما يحدث في الأفلام، الشخص الجالس أمامي إنسان عادي، بل غريب!

تجلس وتنتظر من ينطق بالكلمة الأولى، منتظرًا منه التوجيه والأسئلة. 

ربما تعلقان معًا في صمت لا يبعث على الراحة، بل التوتر.

قد يبدأ المختص في محاولة كسر الجليد، حتى يأتي السؤال الجوهري المقلق للطرفين: ما الذي أتى بك اليوم؟ قد تجيب بنصف الحقيقة، أو تخفي جزءًا منها، لا لشيء سوى أن القصة أطول مما ينبغي، وأعقد من أن تُشرح.

لكن القلق هنا ليس «استثناءً» في الجلسة الأولى، بل أحد مكونات الحضور الإنساني في الغرفة، بحسب ما ذكره روجرز، عالم النفس الأمريكي ومؤسس العلاج المتمركز حول الشخص. 

وصف روجرز رهبة الإفصاح للمُراجع:

يصارع ليكون نفسه، لكنه خائف حتى الموت من أن يكون نفسه.

وحين تفصح عن ألمك الدفين للمرة الأولى قد تبكي أمام هذا الغريب، لأن سماع هذا الألم بصوت عالٍ يمنحه قالبًا وجوديًّا، فلا يعود شعورًا داخليًّا مبهمًا. لذا، أحيانًا أعظم ما يحدث في الجلسة الأولى ليس الحل، بل الاعتراف بشيء كان مجهولًا أو متجاهلًا.

لماذا قد لا يعود البعض بعد الجلسة الأولى؟

قد تخرج، وأنت ممتلئ بالوضوح والطمأنينة، بأنك فُهِمت وقُبِلت، وقد تخرج وأنت أقل يقينًا وأشد ارتباكًا؛ ربما لشعورك أنك تأخرت كثيرًا في طلب العلاج، وأن ما بدا بسيطًا في داخلك كان أكثر تعقيدًا مما تصورت، وأنك تحتاج إلى وقت أطول وعدد أكبر من الزيارات مما كنت تأمل. وأحيانًا قد يسيطر على شعورك الإحباط؛ لأن المعالج لم يسمعك كما يجب ولم تشعر بتعاطفه، أو لأن التجربة جاءت أسوأ من توقعاتك. 

وأحيانًا تخرج بفكرة أنك لن تعود أبدًا، لا لأن العلاج غير نافع، بل لأن التجربة نفسها لم تكن سهلة قط. ولأن الإفصاح عن الذات قد يكون مرعبًا، إلى حد يجعلك تفرُّ منه بدل أن تعود إليه، فكيف لو كان في بيئة لم يملأها الأمان بعد.

ما أود قوله أخيرًا، إن العلاج النفسي ليس كما يصوره لنا القلق قبل الذهاب إليه. أكثر ما تعلمته بصفتي  معالجة نفسية، أن القلق يسبق التجربة أحيانًا ويشوِّه ملامحها قبل أن تبدأ؛ يوهمنا أن العلاج مخيف وثقيل وعسير، بينما الحقيقة أنه قد يكون واحدًا من أكثر الأماكن أمانًا التي نحتاج إلى أن ننمو من خلالها. 

أتذكَّر في تجربتي الخاصة أنني استثقلت الطريق، مررت بكثير من الأنفاق التي ظننتها لن تنتهي، حتى أتى النور، وحينها فقط تجاوزت ذلك الظلام. ولعل أهم ما يمكن أن يقال في هذه اللحظة ما كان يالوم يردده لمرضاه: «خذ مخاطرة، وقل ما يصعب قوله لي».

فالعلاج النفسي ليس محاكمة، ولا كشفًا قسريًّا لكل ما نخفيه، ولا غرفة تنتزع منك الاعترافات دفعة واحدة.

هو طريقٌ أكثر إنسانية مما نظن، وأكثر هدوءًا مما يبالغ خوفنا في تصويره.

من المؤكد أنك لن تخرج من الجلسة الأولى وقد حُلَّ كل شيء، أو ربما حتى شيء! لكن قد تخرج وقد خفَّ عنك ثقل البداية، وهذه هي البداية.


نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+40 متابع في آخر 7 أيام