هل نحتاج إلى إنقاذ كليات العلوم الإنسانية؟ 🏫
زائد: هل وصلك إيموجي «غيمة الشجار»؟
هل وصلك آخر إضافات الإيموجي «غيمة الشِّجار»؟

مع أن الاستخدام الغالب للإيموجي ينصبُّ في سياق إيجابي (القلوب الحمراء هي الأكثر استخدامًا على الإطلاق)، لكن جميعنا نعرف أن سياق الحديث في منصات التواصل، على رأسها «إكس»، يتَّصف بشيء من الحديَّة والاندفاع للشجار على أتفه المواضيع وأهمها. مما برَّر الحاجة إلى توسيع لغة الإيموجي.
بمناسبة إضافة إيموجي «غيمة الشجار» (Fight Cloud)، استمتعت بقراءة تدوينة جينفر دانيالز -عضوة لجنة الإيموجي- عن تقديمها مقترح إضافة الرمز الجديد، وعن استلهامه من عالم الكوميكس. ففي عالم الكوميكس، تُعَد «غيمة الشجار» حيلة لدى الرسامين للتعبير عن الشجار بطريقة سهلة، دون الحاجة إلى رسم ما يحدث فعلًا من عراك بين الأطراف المعنية، وترك المهمة لمخيلة القارئ.
والآن هذه الحيلة باتت متاحة لديك، للتعبير مثلًا في رسالة واتساب عن أجواء يوم الأحد في المكتب، دون الحاجة إلى الحديث عن الهوشة الفعلية بينك وبين المدير، أو الهوشة بينك وبين زوجك، أو الهوشة بينك وبين سائق آخر على الطريق وقت الزحمة! (طبعًا أي زيادة في استخدامك الإيموجي قد يوحي أنك من الناس التي تحب الوقوع في شجار مع أي أحد.😏)
إيمان أسعد

هل نحتاج إلى إنقاذ كليات العلوم الإنسانية؟ 🏫
إيمان أسعد
.png)
أو دعني أطرح السؤال بصيغة أخرى كما تناقشنا أنا وصديقة لي: هل نحتاج إلى إنقاذ العلوم الإنسانية من الكليات الجامعية؟
ما أثار نقاشي معها حديثها عما تعانيه من إحباط شديد من طلبتها. فهي أستاذة أدب إنقليزي وكتابة إبداعية في الجامعة، وفي آخر عامين، لا سيما بعد ظهور «جي بي تي»، أصبحت محبطة من اختفاء محاولة أي فهم لدى الطلبة، أو دافع للخوض في نقاش حول عمل أدبي. فقد بات الجميع يطرح وجهة النظر نفسها من «جي بي تي»، ويجتمع على استخدام مصطلحات معيَّنة باتت دلالة ذكالية أوضح من عين الشمس، من أشهرها (universal truth). وحين وجهت السؤال للطلبة ذات مرة عن معنى (universal truth) بعدما طرحه الأغلبية، لم يفهم أحد المغزى منه!
لا يتوقف مبعث إحباطها فحسب على اعتماد الطلبة الكليِّ على الذكاء الاصطناعي في كتابة المقال أو إعداد العروض، أو المشاركة في النقاش داخل الصف. المبعث الحقيقي ينبع من حقيقة أن الأغلبية الساحقة من طلبة العلوم الإنسانية لا يكترثون فعلًا لما يدرسون، ولا يملكون أي دافع شخصي أو اهتمام حقيقي بالقراءة أصلًا. هم فقط وراء نيل شهادة جامعية في كلية تقبل المعدلات التي لا تقبلها بقية الكليات العملية والعلمية.
يأتي هذا النقاش الشخصي بعدما اندلعت في «إكس»، قبل نحو أسبوعين، نقاشات حادة حول خبر إلغاء إحدى الجامعات العريقة في السعودية تخصصات العلوم الإنسانية استجابةً لمتطلبات سوق العمل. طبعًا، في عصر المعلومات المضللة الذهبي، ثمة فارق بين الخبر كما تناقلته الحسابات والحقيقة. لكن حتى مع وجود هذا الفارق، يظل الواقع يقول إن كليات العلوم الإنسانية في دائرة خطر الإقفال، وهذا الخطر ليس محدودًا بالجامعات المحلية، إنما يمتد إلى الجامعات العريقة حول العالم.
ففي بداية شهر أبريل، أعلنت جامعة سيراكيوز في نيويورك إغلاق أربعة وثمانين برنامجًا أكاديميًّا في العلوم الإنسانية والفنون؛ في خطوة أساسية نحو جعل الجامعة «أكثر تركيزًا وتميزًا واتساقًا مع احتياجات الطلبة»، لأنَّ لا طالب يريد أن يتخرج بشهادة جامعية في فن السيراميك، ويراكم على نفسه ديونًا جامعية لأجل هذا التخصص. علمًا بأن الجامعة، إلى جانب تخصص السيراميك، ألغت التخصصات في دراسة كلاسيكيات الأدب كافة. لأنه، أيضًا، مهما علا شأن دوستويفسكي، لا يستحق في النهاية أن تراكم على نفسك الديون الجامعية، أو تفقد أي فرصة حقيقية للتوظيف بعد التخرج في إحدى الشركات التقنية الناشئة. (وكما رأينا في مشادة «إكس» الأسبوع الماضي بين جموع القراء، ربما دوستويفسكي «أوفر رايتد» وليس أصلًا بالكاتب الجيد!)
مثال سيراكيوز هو الأول ضمن أمثلة أوردها سام كان في تدوينته على سبستاك الأسبوع الماضي، بعنوان: «تريد إنقاذ العلوم الإنسانية؟ افتح كتابًا واقرأ» (Want to save the Humanities? Start Reading). وقد أورد عدة نقاط مثيرة للاهتمام، من ضمنها أن وجود العلوم الإنسانية في الجامعات كان يخدم هدفًا طبقيًّا، في عصرٍ شكلت فيه الثقافة الأدبية عامل ارتقاء من المجتمعات الأدنى إلى الأعلى، لا سيما لدى النخبة. ويؤكد هذه النقطة ما ذكره جون أرمسترونق في كتابه «سر الجمال» (The Secret Power of Beauty). فالذائقة الشخصية للفنون والموسيقا والآداب كانت مطلبًا للاعتراف بانضمام فردٍ جديد إلى علية القوم، وتلك الذائقة تحتاج إلى مخزونٍ معرفي ثقافي، وتمكُّن عالٍ من اللغة (أو حتى عدة لغات). ومن ثَم، فإن تلك الذائقة كانت علامة النخبة، والفارق بينها وبين محدثي النعمة.
غير أن علية القوم في عصرنا الحالي لا يكترثون حقًّا لثقافة محدثي النعمة وذائقتهم الأدبية والفنية، إنما يكترثون فقط للمال في جيوبهم وقدرتهم على إظهار الثراء بأكثر الطرق فجاجةً وانعدامًا للذائقة. النخبة نفسها ما عادت تكترث لإبقاء الذائقة علامةً فارقة لها.
فهل هذا يعني أننا نعيش الموت البطيء (أو المتسارع) لكليات العلوم الإنسانية؟ على الأغلب أجل. لكن ربما هذا الموت هو ما تحتاج إليه العلوم الإنسانية لكي تُبعَث من جديد، وتعود إلى «نخبويتها».
لا، لا أقصد النخبوية الطبقية، أقصد النخبوية الفكرية. إذ، كما قلت لصديقتي، تصوَّري لو أن لديك خمسة طلبة فقط في الصف بدل خمسة وعشرين مثلًا، لكن الخمسة جميعهم بلا استثناء يملكون دافعًا شخصيًّا لتعلُّم الآداب والتمتع بالملكة النقدية والتحليلية، ألن يكون هذا أفضل؟ هذا الوضع أقرب إلى الدراسات العليا، وربما ستقتصر العلوم الإنسانية في المستقبل القريب على تلك الدرجة الجامعية، ولمن يملك المال لكي يدفع مقابل برنامج تعليمي لا يحمل فائدة مباشرة في سوق العمل. (لذا أجل، قد تعود إلى النخبوية الطبقية وعلية القوم أو الطبقة الوسطى العليا).
لكن من قال إن العلوم الإنسانية مكانها فحسب الجامعة؟ هذه هي النقطة التي يشير إليها سام كان في مقاله: أن هذه العلوم ستزدهر خارج الجامعة، لدى مجتمعات القراء والكتَّاب. وبدل حضور الصفوف الإلزامية، سيتحول الأمر إلى حضور مجالس ونوادٍ ومنصات. منصة «إكس» ذاتها، رغم بشاعتها أحيانًا، تضم نقاشات فكرية على أعلى مستوى، لن تجد مثيلًا لحدتها وجديتها وشغف أصحابها في أي جامعة. وبدل كتابة أطنان من المقالات السطحية الذكالية من باب تأدية تسليم الواجب الجامعي، ستُكتَب مقالات فكرية في منصات التدوين المتاحة للجميع.
هنا، في المنصات، ستزدهر العلوم الإنسانية، حين تعود إلى ما بدأت عليه، نخبوية لمن يهتم بها حقًّا، ومفتوحة للجميع من كل الطبقات، بدل حبسها في الكليات في جوٍّ من عدم الاكتراث الفكري.

«ليس مطلوبًا منك فهم المال لكي تستطيع صنع ثروة بالملايين، المطلوب منك فهم مخاوف الناس بشأن المال.» ويليام قادِس
حاربوا الأمثال المناهضة للطيور!
الجمال في صناعة النول المصري.
صباحكم كرة سعيدة.

نحن أمم تسمع ولا تقرأ.
هل تُوتِّرك المحادثة الخالية من الإيموجي؟

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.