هل القراء يخافون اختلاف الآراء؟ 😡

زائد: كيف تعرف كتابك المناسب؟

يخيل إلينا دائمًا أن فعل القراءة هو الحل السحري لضيق الأفق، وأن القارئ بطبيعة الحال كائنٌ متسامح، يتّسع صدره للاختلاف بقدر ما تتسع أرفف مكتبته للكتب. نتوهم أن الغوص في بحور الأدب والفكر يهذّب النفوس ويروّض نزعات التعصب وتصلب الآراء؛ لكن جولة قصيرة في منصات التواصل الاجتماعي، والتجمعات القرائية، تكفي لتبديد هذه الصورة الحالمة.

ففي غمضة عين، قد يتحول القرّاء -الذين يُفترض أن يكونوا أكثر الناس تقبلًا لتعدد الرؤى- إلى حراس نوايا متجهّمين، ينصبون المشانق الافتراضية لكل من يغرد خارج السرب، أو حتى لمن يمارس حقه البسيط في الدعابة أو التعبير عن ذائقة لا توافق «الدليل» المعتمد لديهم.

في هذا العدد أناقش حالة الحنق العجيبة التي أصابت القرّاء مؤخرًا تجاه كل من يعطي رأيه في أي شيء يخص مزاجه القرائي؛ ابتداءً بما يشربه مع الكتاب، وانتهاءً بمراجعته.

فيصل آل عمر


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

هل القراء يخافون اختلاف الآراء؟

فيصل آل عمر

قبل أيام، وضعت فتاة منشورًا في صفحتها، على غرار الأسلوب الهزلي الدارج بطريقة «من لم يفعل كذا فليس بكذا» – وهو أسلوب يستخدمه الكثير من الناس في وصف عاداتهم المزاجية الغريبة التي يفعلونها على عكس أقرانهم، وليشاغبوهم قليلًا. عادةً ما يؤخذ هذا النوع من الدعابات بصدرٍ رحب، ولكن حينما قررت تلك الفتاة على منصة إكس أن تشارك عادتها في القراءة معنونةً هذه التجربة بقولها: «عزيزي القارئ إذا ما كان كتابك هيك لا تسمِّ نفسك قارئ». 

كانت هذه الدعابة كفيلة بأن تحصد تفاعلًا ساخطًا كبيرًا، ولا حاجة لذكر أنه غير مبرر إطلاقًا. واتجهت الردود الهجومية في محاولة إقناع المغردة أن القراءة شيء لا يقبل التقييمات المبنية على الشكل والأسلوب والطريقة، وراح بعضهم يصور مكتبته ليثبت أنه يمتلك مكتبة زاخرة من الباب للمحراب فيها من كل العلوم، وآخرون هاجموا من تُسوِّل له نفسه بأن يقرر مصير القراء الأعزاء وكيف يقرؤون. ونسي الجميع أنها كانت دعابة!

هذه ليست المرة الأولى التي يحتقن فيها القرّاء من مشاركة عابرة تمثل رأيًا يعبّر عن مزاج أحدهم في القراءة؛ فيهاجمون بضراوة من يتحدث عن تجربته أو رأيه، وحتى عن ماذا يقرأ. ففي المدة ذاتها انتشرت صورة فتاة تقرأ كتاب «المبادئ السبعة لإنجاح الزواج» (وقبل أن أشرع في شرح ما حدث، أتوقف هنا متمنيًا لها زواجًا ناجحًا مستوفيًا جميع المبادئ). أصبحت الفتاة قضية رأي عام، وأخذ الأصدقاء من معشر القراء يصبّون غضبهم عليها وعلى ما اقتبسته من مقولات، ويستنكرون كيف لفتاة تقرأ كتابًا مترجمًا عن الزواج أن تتحدث عن الكتب!

نعم، في كل المجالات التي يهتم بها الإنسان سيجد في قضاياها شدًّا وجذبًا، لكن القراءة أظنها حالة يكمن جمالها في أن ما نختلف فيه، لا يلغي أن يخرج الجميع باتفاق من نوعٍ ما، وإن كان سطحيًّا. أما ما يحدث مؤخرًا في مجتمع القراء فحالة غريبة من الإقصاء ورفض الآراء على غير سبب!

فما المثير لغضب كاتبٍ تملأ كتبه الأرفف من «تغريدة» ساخرة هدفها التفاعل البسيط مع الجمهور؟ وآخر يهاجم من أُعجب باقتباسٍ من رواية لا تعجبه. كل هذا الجو العام في عالم القراء دعاني لسؤال مخيف:

هل القراء يخافون اختلاف الآراء؟

أظن الإجابة لن تعجب البعض، وهي «نعم». فثقافة الرأي الجماعي هي السائدة في مجتمع القرّاء مؤخرًا، فستجد قارئًا في سنوات قراءته الأولى يقطِّع شخصًا لأنه قال: «لا أحب أن أقرأ لدوستويفسكي»! والمفارقة أن الأخير قد قرأ كل مؤلفات دوستويفسكي. والأول لم يقرأ له إلا مقولات منسوبة له في «بنترست». وقد حدث ذلك مؤخرًا مع الكاتبة ابتسام المقرن حينما أبدت رأيها في روايته، ما جعل رأيها الشخصي نقاشًا جماعيًّا يستنكر إبداء الشخص رأيه الحقيقي فيما يقرأ!

الرأي الجماعي يستر كثيرًا من العيوب الثقافية من مناقشة وطرح رأي وتقبل آخر. فمن السهل مهاجمة شخصٍ وحصد الإعجاب من الناس، لذلك ستجد أن الآراء في مجال الأدب تتشابه، لأنه لا يوجد «معسكرات آراء» مختلفة. فمن يتبع القارئ الفلاني صاحب المتابعين والشهرة العالية، فهو يتابع نظيره الآخر الذي لن يختلف معه في الرأي؛ الكل يتابع الرأي نفسه ولا يقبل خروج رأي مختلف من قارئ لا يسانده جمهور.

هنا يجب أن نستوضح شيئًا في غاية الأهمية: أصبح الرأي في الثقافة والأدب مؤخرًا يُحسَب على من القائل لا على سلامة الرأي ومطابقته الواقع. 

ففي أحد الأيام قبلت أن أقتصّ من يومي ساعتين وأحضر اجتماعًا أُطلق عليه ثقافيًّا - أدبيًّا. تحدث المقدم مشكورًا عن الروايات الخيالية وكتابتها والجمالية فيها، وكيف أن مصطلح «روايات مراهقين» غير منطقي، فالروايات الخيالية لها جمهورها الغفير حول العالم كبارًا وصغارًا. عندها رفع أحدهم يده للمشاركة، وأخذ قبل ذلك يُعَرِّف بمناصبه ومنجزاته الأدبية والقرائية (ذكر أنه قرأ آلاف الكتب فهل يجرؤ أحد أن يقاطعه؟)، ثم أبدى رأيه في أنها أسلوب روائي تافه لا داعي له ولا يقرأ لها إلا المبتدئون في القراءة، وبدلًا من ذلك يجب أن نعلّم الجيل القادم تجنب هذا الوباء الأدبي. 

بارك الجميع له رأيه متأثرين بمنجزاته التي سردها بداية المشاركة، قبل أن تنغِّص على هذا الإجماع إحدى المشاركات التي قالت إنها معجبة بما يكتب أسامة المسلم محليًّا وأحمد خالد توفيق عربيًّا. واستدلت بأن رواية مثل «الجليد والنار» و«هاري بوتر» تُعدان من الأكثر قراءة حول العالم، فهل جميع قرّائها مراهقون؟ لم يتجاوب أحد مع مشاركتها رغم صحتها!

لا يقلُّ سخافةً عن جلسة الاستحقار المتبادل لما يحب الآخرون قراءته التي حدثت في هذا المقهى، ما يفعله بعض كبار القراء والكتاب في مواقع التواصل الاجتماعي ببعضهم البعض إذا اختلف أحد مع ما يقرؤون أو مع ما حدده قرّاء قبلنا أنها روائع أدبية، فهل يجب الامتثال لرأي لم أعرف قائله؟

كنت، وأظنني لا أزال، مؤمنًا أن التعصب في فطرة الإنسان؛ يحب أن يميل لما يألفه ويعرفه ويشبهه، فتجد من يتطرف للجلوس على اليمين ويرفض اليسار، ومن قد يرفض الأكل في مطعم لأن لونه يشبه غريمه التقليدي في كرة القدم، وغيرها من قصص التعصب في شتى المجالات. إلا أنني يا معشر القراء سمعت أن القراءة توسّع مدارك العقل، وتسلّي النفس، وتؤنس الروح؛ فتعينك على تقبل الاختلاف وتزيد بداخلك الفضول الداعي للسعي المستمر للبحث عن كل ما يتسع له الكون الفسيح، وتصبح متفهمًا الآخر وتعرف دوافعه.

 فإن قرأنا ثم خشينا قول رأينا… فلماذا نقرأ من الأساس؟

القراءة ليست دينًا ليكون الاختلاف في تعاليمها كفرًا، ولا تدل بالضرورة على طبيعة شخصية إن اتصفت بها حصلت على سماتٍ عقلية أو شكلية معينة، هي فعل يقوم به الإنسان ليزيد حصيلته اللغوية والمعرفية بما يضمن له ما يحتاج منها. لا تتردد أبدًا في إبداء رأيك في ذوقك ومزاجك القرائي، ولا تخف من سخط القراء (وسيتبعهم لاحقًا غير القراء لأنك ستصبح قضية رأي عام ربما)، فالرأي حق مكفول للجميع حول كل شيء.

 فماذا عن كتاب قرأت نصفه ولم يعجبك لأنه ممل ولكنه من كلاسيكيات الأدب العالمي؟


عندك فكرة وتبيها تُسمع؟ 🎧

«معمل الصوت» في «المشتل» بالتعاون مع بروفه، مساحة مجهزة للتسجيل والإنتاج، مع فريق مختص يساعدك تبني هويتك الصوتية من الفكرة إلى النشر 🎙️.


كيف تعرف كتابك المناسب؟

نحن نظلم الأجيال الحديثة كثيرًا حين نُعلّق فشل علاقتهم بالكتب على حجة الهواتف الذكية والتطبيقات التي تلتهم أوقاتهم. صحيح أن الشاشات مغرية وتخطف الأبصار، لكن الجفاء الحقيقي بين الشاب والورقة لم يبدأ من تلك النقطة. يبدأ المشهد المأساوي فعليًّا حين يقرر أحدهم، بشجاعة نادرة، أن يقتحم إحدى المكتبات الكبرى؛ فيجد نفسه فجأة محاصرًا بآلاف العناوين، ومئات الأرفف الشاهقة، وغابات من الأغلفة التي تتسابق للفت انتباهه. 

هذا الهجوم البصري الكثيف لا يصنع قارئًا شغوفًا، فقد يخلق حالة من الذعر الصامت؛ ذعرًا ينتهي غالبًا باختيار عشوائي لكتابٍ رشّحه أحد مشاهير الإنترنت بعبارات رنانة على أنه «الكتاب الذي يجب أن يكون في مكتبك». وما إن يختلي المسكين بالكتاب، ويقرأ صفحاته الأولى من أصل خمسمئة صفحة، يجد تلك المفردات الصعبة المعقّدة أو المعلومات التي لا يمكنه استيعابها، حتى يغلقه إلى الأبد، موقنًا في قرارة نفسه أنه كائن غير صالح للتعاطي مع الأدب، وأن هذا العالم لا يخصه.

النفور من القراءة في جوهره ليس كراهيةً متأصلة للحرف، بل هو محض «توهان» في قفار الكتب المترامية. أن تترك طالبًا في مقتبل العمر يختار وجهته القرائية بمفرده وسط هذا العالم، يشبه تمامًا أن تترك مسافرًا في مدينة ضخمة غريبة الأطوار بلا خريطة ولا رفيق طريق. هنا تحديدًا، وفي هذه المساحة المفقودة، يبرز الدور الجوهري لما يُعرَف بـ«الإرشاد القرائي».

وحين أقول الإرشاد القرائي، فأنا لا أتحدث إطلاقًا عن أستاذ الأدب الذي يفرض عليك تلخيص رواية بائسة لتنجو من رسوب محتّم، ولا عن المثقف المتعالي الذي يزدري خياراتك البسيطة ويطالبك بالبدء من أمهات الكتب لتنال اعترافه. الإرشاد الذي نحتاجه، هو ذلك التدخل اللطيف من خبير، أو دعنا نحدد: أمين مكتبة يأخذ دور الوسيط العارف بين مزاج القارئ وروح الكتاب. شخص يجلس معك متخفّفًا من كل رقي مصطنع، يستنطق اهتماماتك اليومية، ويفكّك شفرة شخصيتك؛ هل تستهويك عوالم الجريمة الغامضة وحل الألغاز؟ هل تميل للرحلات الاستكشافية والسير الذاتية لأشخاص يشبهونك؟ أم أن حكايات العشق وقصائد العشاق هي ما تسرق انتباهك؟

ولا تتوقف عن استقصاء مناطق حبه للكتب حتى تجد مدخلًا لما يحب. وبناءً على هذا التشخيص الودود، يمتد ذراع هذا المرشد إلى الرف المناسب ليلتقط لك كتابًا يوافق مقاس دهشتك وفضولك. 

تخيل معي لو أن هذه الثقافة المفقودة مورست بشكل دائم وحقيقي في أروقة مدارسنا وجامعاتنا. لو أننا كففنا عن قذف أبنائنا وبناتنا في بحار الكلاسيكيات العتيقة والمجلدات الفكرية العميقة، وعلمناهم القراءة أولًا في مجالات القصص الخفيفة والآسرة التي قد تفتح وراءها الكثير من الرغبة للكتب.

هذا التدرّج الهادئ والمدروس هو ما يكسر حاجز الرهبة الخفية بين الإنسان والورق، وهو ما يحوِّل فعل القراءة من واجب يومي مقيت وثقيل الظل، إلى ملاذٍ شخصي حميم ينتظره الطالب -وحتى الشخص البالغ الذي ليس له تجربة قرائية- بفارغ الصبر. حين يقع القارئ المبتدئ على الكتاب الذي يتحدث لغته، ويحاكي مخاوفه، ويشبه روحه بطريقة ما، تتلاشى كل مبررات النفور القديمة، وتُبنَى عادة القراءة على أساس متين من المتعة الخالصة لا التكلف المفروض.

إننا في الحقيقة لا نحتاج إلى خطب وعظية لإجبار الناس على القراءة، بقدر ما نحتاج إلى من يمسك بأيديهم بحنو ليدلّهم على الرف المناسب لقلوبهم قبل عقولهم. وحينها فقط، وحين يجد كل تائه بوصلته، سترى القرّاء الجدد يتجهون نحو المكتبات طواعيةً وبلا دفع، ودون أن تضطر أبدًا لسؤالهم: ماذا تقرأ اليوم؟


شيء من الهرب من النصيب:

أأهرب منك … وأنت نصيبي؟

من الأرض والشمس والقمر المتلألئ

عبدالعزيز المقالح.

شيء من الهم:

و ما لي صدر يَنْفُثُ الهم زَفْرَةً

‏ولكنه الهم الذي يَنفُثُ الصّدْرا

محمد مهدي الجواهري.

شيء من تعب الترحال:

تعبت أشد وأنزل.. ما ظهر لي طيّب المنزال

‏تعبت من الدروب اللي مشيت.. وكلّها صلفة

مساعد الرشيدي.


  1. عقول متشككة - روب براذرتون

في زحام الأخبار المتلاحقة والأحداث العالمية المتسارعة، غالبًا ما نجد أنفسنا أمام تفسيرين لأي حدث جلل: إما أنه نتيجة لفوضى العالم وعشوائيته المربكة، وإما أنه خطة محكمة دُبّرت في غرف مظلمة بأيدي شخصيات خفية. والملفت أن الغالبية العظمى منا تميل، ولو سرًّا، إلى التفسير الثاني. 

هنا يشرح عالم النفس روب براذرتون، في كتابه فكرة المؤامرات وكيف يؤمن بها البعض بطريقة عميقة داخل النظرة الرمادية لأدمغتنا، مجيبًا عن هذا التساؤل المعقد بأسلوب علمي وسردي آسر.

فعلى عكس الشائع، لا يتبنى الكاتب نظرة فوقية ساخرة من المؤمنين بنظريات المؤامرة، ولا يصفهم بالجهل أو الخلل العقلي. بل يوضح، من خلال قراءة متأنية، أن الفكرة المركزية تكمن في طبيعة العقل البشري ذاته؛ إذ تطورت عقولنا عبر آلاف السنين لتكون آلات بارعة في اكتشاف الأنماط. وفي العصور القديمة كان هذا الاكتشاف مسألة حياة أو موت، فربط حركة الأعشاب بوجود حيوان مفترس يتربص بنا كان استنتاجًا تطوريًّا ضروريًّا للبقاء، حتى وإن كان مجرد وهم وخيالات. 

واليوم، مع تعقيدات الحياة الحديثة، لا تزال هذه الآلة تعمل بأقصى طاقتها لكنها تبحث عن الأنماط في الأزمات الاقتصادية والأوبئة والسياسة الدولية، لتربط بين خيوط وأحداث لا علاقة لها ببعضها البعض منتجةً لوحةً تآمرية متكاملة تشعرنا بالأمان الوهمي.

ينقلنا الكتاب في سرديته ببراعة إلى الجانب النفسي الصِرف، موضّحًا أن العالم مكان فوضوي ومخيف، وفكرة أن هناك أحداثًا كارثية تقع بمحض الصدفة هي فكرة مرعبة للعقل البشري الباحث عن النظام. لذا، تلجأ عقولنا إلى حِيَل دفاعية تتجسّد في اختلاق المؤامرات من خلال «البحث عن النية»، والاعتقاد غريزيًّا بأن كل حدث كبير وراءه فاعل يمتلك نية مسبقة. كذلك يقدم الكتاب حقيقةً صادمة مفادها أن الإيمان بنظريات المؤامرة ليس حِكرًا على فئة معينة غريبة الأطوار، بل هي طيف واسع نقف جميعًا في إحدى درجاته. وفي عالمنا الرقمي المعاصر، وجدت هذه الغرائز النفسية بيئة خصبة للنمو والتمدد. 

يُعَد هذا الكتاب دعوة هادئة للتأمل الذاتي قبل أن يكون نقدًا للآخرين، ليضعنا أمام مرآة كاشفة ندرك من خلالها أن أكبر مخادع قد نواجهه هو أدمغتنا التي تعشق القصص المترابطة وحبكات السيطرة، حتى لو كانت على حساب الحقيقة المربكة والمتواضعة لعالمنا.

  1. أسرار الموسيقا - علي الشوك

أحب الكتب التي تتحدث عن الموسيقا لأنه علم ممتع وآسر (ولو أنني عاجز عن العزف لمدة خمس ثوانٍ متواصلة). فالموسيقا عالمٌ له جماليته التي تتجلى في حروفه ومقاماته وإيقاعته وجمله الموسيقية والأصوات الغنائية، وعلمٌ تغيب تفاصيله عنّا بالرغم من تعرضنا له يوميًّا. فهل فكرت يومًا بمعنى الموسيقا التي تسمعها؟

تخيل أن الموسيقا التي تمر على أذنك في السيارة أو المقهى، ولم تهتم لها، قد تكون لها معانٍ كبيرة اجتهد الموسيقي في كتابتها. فالمعاني الموسيقية لا تقل عمقًا عن معاني الشعر والنثر.

لهذا، بحثت عن كتاب يعطي تحليلًا موسيقيًّا سهلًا يدخلني لهذا العالم الماتع، فكانت البداية مع كتاب «أسرار الموسيقا»، للكاتب والمفكر العراقي الراحل علي الشوك. يُعد الكتاب إضافة نادرة وقيّمة للمكتبة العربية التي تعاني شحًّا واضحًا ومقلقًا في الدراسات الجادة المتخصصة في تذوق الموسيقا الكلاسيكية والفنون السمعية وتحليلها.

علي الشوك من الكتاب المهتمين بالجانب الموسيقي، مثل كتابه «الموسيقا بين الشرق والغرب». ومن خلال القراءة له في كتاب «أسرار الموسيقا»، يمكننا استخلاص صورة شاملة تعكس جوهر هذا العمل الفريد وتجربة قراءته الاستثنائية. يأخذ الشوك قارئه في رحلة زمنية وتاريخية سريعة وممتعة، لا تعتمد على التنظير الجاف أو التحليل الأكاديمي البحت الذي ينفّر القارئ غير المتخصص، بل تنطلق من ذكرياته الشخصية وذائقته الموسيقية العميقة. 

يتنقل علي الشوك ببراعة لافتة بين عصور الموسيقا المختلفة، مبتدئًا بموسيقا عصر النهضة، حيث يستعرض الجذور الأولى للتعقيد الموسيقي الأوربي وتطور الآلات والأنماط، مرورًا بالحقبة الرومانسية والكلاسيكية. يحلل أعمال العباقرة الكبار ويُبرِز كيف عكست الموسيقا مشاعر الإنسان وانفعالاته المعقدة وتطلعاته الروحية، وصولًا إلى مرحلة ما بعد الحداثة مسلّطًا الضوء على التحولات الجريئة والتجريبية في الموسيقا المعاصرة، وكيف تمرّدت على القوالب التقليدية. 

وتتفق غالبية تعليقات القرّاء على نقطة جوهرية تتمثّل في الامتنان العميق لوجود كاتب عربي موسوعي يُقدِّم هذا المحتوى الرصين، فقد أشار عديد منهم إلى أن مجرد العثور على كتاب يُشرّح الموسيقا الغربية والكلاسيكية بقلم عربي متذوق ومتمكن مثل علي الشوك، الذي جمع بتفرّد بين دراسة الرياضيات الصارمة وشغف الفنون والأدب والتاريخ، لهو بمثابة كنز ثقافي حقيقي يملأ فراغًا كبيرًا في مكتبتنا.

ورغم الإشادة الكبيرة والاحتفاء بموسوعية الكاتب لم تخلُ التعليقات من بعض الملاحظات النقدية الموضوعية، حيث أشار بعض القرّاء إلى أن كثافة المصطلحات الفنية المتخصصة، والتحليل السريع والمكثّف لبعض الحقب، قد يتطلب من القارئ أن يكون مُلمًّا سلفًا بأساسيات الموسيقا الكلاسيكية وقواعدها، ليتفاعل أكثر مع السرد ويستوعب أبعاده الفنية العميقة دون أن يتشتت.

مع ذلك، يظل هذا العمل في نظر كل من طالعه نافذةً فنية راقية تثري العقل وتهذب الذائقة وترفع مستوى الوعي الجمالي، وتؤكد بوضوح أن خوض مؤلف عربي في مضمار يجمع بين الرصانة العلمية والشغف الفني لتوثيق تاريخ الموسيقا وكشف أسرارها الدفينة بأسلوب أدبي رفيع، هو بحد ذاته اعتراف بندرة الإبداع في الساحة الثقافية الحالية، وشهادة خالدة على أن الفن الراقي لا يعترف بالحدود الجغرافية أو اللغوية، بل يخاطب الروح البشرية بلغتها الأسمى والأكثر عالمية.

  1. فلسفة الرغبة - فريدريك لونوار

هل تساءلت يومًا عن تلك القوة التي تدفعك للنهوض كل صباح مؤمنًا بأن هناك شيء في هذا اليوم سيغير حياتك إلى الأبد؟ أو عن الشعور الملحّ الذي يحفّزك على خلق أهداف تهوى مطاردتها، وبعد اللحاق خلفها لأيام وشهور، وحتى سنوات، تجد أن بريق الإنجاز قد تبدّد لتبدأ بحثًا محمومًا عن شيء آخر تتوق إليه؟ هذا العطش الإنساني الذي لا يرتوي، هو المحرك الأساسي لوجودنا.

وفي هذا الكتاب يضع الفيلسوف وعالم الاجتماع فريدريك لونوار هذا الشعور تحت المجهر، محاولًا تفكيك كيفية توجيه رغباتنا لتجلب لنا السعادة العميقة بدلًا من أن توقعنا في شباك التعاسة.

ينطلق الكتاب من فرضية أساسية تتمثل في أنه من دون رغبة لا توجد حياة تستحق أن تُعاش. لذلك، يرى لونوار أن من يمتلكون رغبات متجدّدة هم، بطريقة مباشرة، يساعدون أنفسهم، وحتى أجسادهم، على إيجاد سبب يدفعهم للحياة، وتقبُّل تحدياتها وعثراتها ما دامت في سبيل الرغبة، حيث تبرز فكرة يقول فيها: إن الرغبة ليست خطيئة أو عيبًا يجب قمعه، إنما هي في صميمها جوهر الإنسان والشهية الواعية التي تدفعنا للمثابرة في وجودنا وزيادة قوتنا الحيوية وقدرتنا المطلقة على الفعل.

ومن أهم المحاور التي حفّزتني على قراءة الكتاب هي مقاربته لواقعنا المعاصر، حيث يطرح تشخيصًا بسيطًا للمجتمع الاستهلاكي الذي نعيش فيه. فنحن تحاصرنا آلة عملاقة، تتألف من الإعلانات الموجّهة وخوارزميات منصات التواصل المصممة خصيصًا لاختراق أدمغتنا وتأجيج رغباتنا وخلق نواقص لا وجود لها أساسًا، بالاعتماد على عدوى التقليد. يوضح لونوار كيف أن الغالبية العظمى من رغباتنا ليست أصيلة أو نابعة من احتياجاتنا الحقيقية؛ أصبحنا نرغب في الأشياء والمقتنيات المادية لمجرد أن الآخرين يمتلكونها ويتباهون بها في استعراض مستمر.

لكن لونوار لا يتركنا غارقين في التشاؤم حول رغباتنا التي لم تعد ملكًا لنا. فهو يعطينا أفكارًا للنجاة عبر وصفات فلسفية وعملية، حيث يُميّز بوضوح تام بين الرغبات الجيدة البنّاءة التي توسع مداركنا وتمنحنا فرحًا حقيقيًّا، كالرغبة في المعرفة والحب غير المشروط والإبداع الفني، وبين الرغبات المفتعلة التي تستعبدنا للمظاهر الخارجية. ولتحقيق هذا التوازن الدقيق، يدعو الكتاب بشدة إلى تبني خطوات واعية تبدأ من الوعي الذاتي اليقظ، والتوقف للحظة وسط هذا الضجيج لسؤال النفس بصدق عمّا إذا كانت هذه الرغبة نابعة من الأعماق، أم أنها مجرد صوت مسموع من الخارج.

تمنيت من الكتاب أن يكون الحديث عن الرغبة بطريقة أكثر وضوحًا في مسألة سيرها وتحققها تحديدًا مع المجتمعات، لكن سرده كان يميل للشرح أكثر من النقاش والبحث. وهذا الأمر لا يعيب الكتاب ولا ينقص منه، هو في نهاية المطاف قدّم ما يمكن أن يجعله كتابًا ممتعًا يشرح الرغبة.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام