في تأبين الصورة الفوتوغرافية 📸🪦
زائد: هل حياتك بحيرة راكدة؟
هل تشعر كما لو أن حياتك بحيرة راكدة؟
تطمئنك بروفيسورة علم الأعصاب في جامعة ستانفورد، د.تينا سيلق، إلى أن البحيرة الراكدة تكفيها حصى صغيرة تُلقى فيها كي تتحرَّك. بمعنى: افعل شيئًا جديدًا مهما بدا لك صغيرًا؛ اذهب إلى مقهى جديد غير المعتاد، اذهب إلى فعالية فنية أو رياضية أو ثقافية وافتح حديثًا بسيطًا مع الواقف إلى جانبك، أرسِل سيرتك الذاتية إلى الشركة التي تودُّ العمل فيها. أنت لا تدري إلى أي مدى قد يغيِّر الفعل الصغير حياتك اليوم أو غدًا أو بعد أعوام. وفي كل الأحوال، من شأن أي تجربة جديدة أن تنعشك وتمنحك يومًا مختلفًا. 💥
(ملاحظة ترجمية على الهامش: استخدمت البروفيسورة مثال الشوربة وليس البحيرة، لكن استثقلت كتابة «حوس الشوربة» 🍵😏)
إيمان أسعد

في تأبين الصورة الفوتوغرافية 📸🪦
حسن الحسين
.png)
تخيل أن تفتح ألبوم صورك بعد عشر سنوات من الآن، لتتوقف عند صورة حفل تخرُّجك. تبدو فيها أنيقًا ببذلة رسمية، والخلفية توحي بهدوء لم تعهده في ذلك اليوم الصاخب. فجأة، يباغتك تذكُّر الحقيقة: في ذلك اليوم، لم تكن تملك ثمن تلك البذلة، وكان الحفل مزدحمًا لدرجة الاختناق! لكن الصورة التي أمامك -والتي التقطتها بهاتف ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي- تخبرك بلقطة مغايرة تمامًا؛ فقد طلبتَ من الخوارزمية حينها تحسين المشهد، فأبدلت ملابسك، وخففت الزحام، وأعادت رسم ملامح يومك.
هنا نصل إلى السؤال الوجودي: أيهما «أنت»؟ الحقيقة المرتبكة التي عشتها بحواسك؟ أم النسخة الأنيقة التي صاغتها الخوارزمية؟
قبل فترة وجيزة، أعلنت سامسونج عن هاتفها الجديد «قالكسي إس 26». ومن أبرز الميزات المُعلنة كان احتواؤه على ميزات الذكاء الاصطناعي المدمجة مع كاميرا الجوال. لم تكن هذه الميزات من أجل تعديل الإضاءة أو تقليل التحبب في الصورة مثلًا، إنما لتغيير المشهد بالكامل! مثل إضافة حيوانك الأليف إلى المشهد، أو إذا كنت تودُّ تغيير ملابسك من بذلة رسمية إلى ثوب وشماغ.
لطالما تعاملنا مع الصورة الفوتوغرافية، وفقًا لتعبير الفيلسوف رولان بارت في كتابه «الغرفة المضيئة» (Camera Lucida)، بصفتها شهادة حضور. أي إن جوهر الصورة يكمن في عبارة (Ça-a-été)، أو «هذا كان يومًا ما»؛ بمعنى أنها الدليل المادي الوحيد على أن جسمًا معيَّنًا وقف في نقطة زمنية ومكانية معينة أمام العدسة. لكن التقنيات الحديثة التي تُمكِّن تغيير الهوية البصرية للمشهد بالكامل، تعلن رسميًّا وفاة هذا المفهوم.
فالكاميرا اليوم لم تعُد أداةً لـ«رصد» الواقع، بل أداة لـ«توليد» بيانات بصرية تعتمد على الاحتمالات لا على الوقائع.
قد يجادل البعض بأن مفهوم الصورة بكونها «شهادة حضور» كان محل نقد أصلًا من أيام اختراع الكاميرا الأولى. فعملية التقاط الصورة بحدِّ ذاتها فعل اختيار، يختزل الواقع عبر زاوية محددة وإضاءة معيَّنة وإعدادات معيَّنة. يعني أنه حتى الصورة القديمة التي كانت على الفِلم لا تُعَد شاهدًا موضوعيًّا لحدث معيَّن. بهذا المعنى، كانت الصورة دائمًا عبارة عن «إطار» محدود للحقيقة، لا الحقيقة المطلقة.
وهذا ما يسعى المصورون الصحفيون إلى تقليصه عبر محاولة تقليل التدخل الذاتي إلى حدِّه الأدنى لنقل الواقع كما حدث. وبالرغم من قصور الكاميرا التقليدية، فإننا أبقينا على «فَهْمنا الساذج» لها بوصفها وثيقة؛ لأنها في أسوأ أحوالها كانت تنقل إلينا زاوية من زوايا الحقيقة الموضوعية. أما اليوم، فنحن بصدد قطيعة كاملة مع هذا الإرث.
يكفيك اليوم تصفحٌ سريع على أي منصة تواصل اجتماعي، لترى الزخْم الكبير من نتائج الصور والفيديوهات الذكالية، و«تهاوش» الناس في التعليقات عليها: أحقيقةٌ هي أم زيف؟ في إشارة واضحة إلى فقدان الناس ثقتهم بوثاقة الصورة الفوتوغرافية.
يجوز لنا هنا أن نسأل: لماذا نقع ضحية فخ هذا التزييف الجميل؟
يخبرنا علم النفس التطوري أن أدمغتنا مبرمجة للانجذاب نحو الأنماط الأكثر تناسقًا وإشراقًا. الذكاء الاصطناعي هنا لا يحاول أن يكذب علينا بقدر ما يحاول «إرضاء» رغباتنا العصبية العميقة. إننا اليوم نعيش ما يسميه الفيلسوف جين بودريار «الواقع الفائق» (Hyperreality)، حيث تصبح النسخة المصطنعة أكثر جاذبية و«واقعية» من الأصل الباهت. الصورة هنا لم تعُد وثيقة للذكرى، بل أصبحت «عملة اجتماعية»؛ نحن نضحِّي بالحقيقة التاريخية مقابل الوجاهة الاجتماعية وقيمة الانتباه الرقمي من مشاهدات أو لايكات أو غيرهما.
كما أن هنالك منطقة رمادية يسميها البعض «الصدق العاطفي»، وفيها يرى المستخدم أن إزالة «الغرباء» من صورة حفل تخرُّجه تُقرِّب الصورة من «شعوره الداخلي» باللحظة. لكن هذا المبرر يُخفي خلفه خطرًا كبيرًا يمسُّ الذاكرة الشخصية. حيث تشير أبحاث العالمة إليزابيث لوفتوس حول «الذكريات الكاذبة»، إلى أن التلاعب بالصور يمكن أن يقنعنا بوقوع أحداث لم تحدث أبدًا! وبما أن الذاكرة البشرية بحد ذاتها ذاكرة «توليدية» تميل إلى نسيان التفاصيل وتعديلها، فإن التقنية هنا تأتي لتُشَرْعِن وتسرِّع عملية التزييف الذهني.
مع مرور الوقت، ستحل الصورة المعدلة محل الذكرى الأصلية، وسنجد أنفسنا غرباء عن ماضينا الحقيقي، محاصرين في نسخة «مثالية» رسمتها لنا خوارزميات الشركات التقنية.
قد يطرح البعض رؤية بديلة مفادها أن الكاميرا قد تحولت من ماسح ضوئي للواقع إلى ريشة رسام، وأننا نعيش نهاية عصر «الصورة الوثيقة» وبداية عصر «الصورة التعبيرية». بل إن البعض يميل إلى الفكرة العَدَمية الكاملة للصورة، كما صرَّح نائب الرئيس التنفيذي لتجربة المستخدم في سامسونج قبل سنتين بقوله: «لا يوجد شيء اسمه صورة حقيقية».
هذا بالإضافة إلى أن بعض الميزات التي يسهِّلها الذكاء الاصطناعي لتعديل الصور، هي نفسها بالضبط ممارسات المصورين -وأنا منهم- عندما نلتقط مشهدًا معيَّنًا. فمثلًا، عندما نأتي بمصوِّر طبيعة ليأخذ صورةً لمشهدٍ على شاطئ العقير، من الوارد جدًّا أنه سيزيل أي شوائب تظهر في «الفريم» أو الإطار الذي يلتقطه، مثل الأوساخ أو الحجارة الزائدة، لأنها أشياء لا تساهم في بناء القصة البصرية أو المشهد الفني الذي يحاول أن يلتقطه المصور. هذا بحد ذاته تزييف للواقع، فما الفرق الآن بين هذه الممارسة وأن الذكاء الاصطناعي فقط جعلها أسهل للوصول؟
هذا طرحٌ مشروع في سياق الفن، لكنه يغفل الفرق الجوهري بين «الفن» و«الشهادة». إننا لا نعاتب الرسام على خياله، لكننا نعتمد على الكاميرا لنعرف «ماذا حدث». لطالما كان المصورون واعين بحقيقة ممارساتهم في التصوير، سواء كانت ممارسات فنية أو توثيقية.
في السابق، كان التلاعب بالصور يتطلب مهارات استثنائية في برامج معقدة مثل الفوتوشوب، وكان هذا الجهد يمثِّل صمام أمان أخلاقي؛ كان التزييف صعبًا ومكلفًا. أما اليوم، صار التزييف «ديمقراطيًّا» ومتاحًا بضغطة زر. هذا الشيء يفتح الباب أمام تآكل الثقة الاجتماعية بكل ما نراه، وتكمن المشكلة الحقيقية في دمج هذه الأدوات الذكالية داخل الكاميرا نفسها، حيث يتحول فعل «التصوير» تلقائيًّا إلى فعل «توليد».
خذ ميزات التقريب بالذكاء الاصطناعي في جهاز قوقل بكسل على سبيل المثال؛ إنه يعوِّض سوء المشهد المقرَّب بمشهدٍ وُلِّد بالذكاء الاصطناعي، أو إضافة أشخاص وحيوانات أليفة لم يكونوا موجودين أصلًا، كما هو الحال مع جهاز سامسونج الجديد. كلها ميزات تحوِّل الكاميرا من شاهد عيان إلى شريك في التزوير.
حاجتنا اليوم تتجاوز مجرد الحلول الإجرائية أو الوسوم التقنية التي تميز بين الصورة الحقيقية والمولَّدة، إننا بحاجة إلى إعادة تعريف علاقتنا بـ«الحقيقة» في عصر السيولة التقنية. المفارقة الكبرى في هذه التقنيات هي أنها حوَّلت الكاميرا من أداة لتجميد الزمن إلى أداة لتزييف التاريخ الشخصي والجمعي.
مشكلتي ليست مع أدوات توليد الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي، طالما أنها مُقنَّنة جيدًا، مشكلتي مع دمجها مباشرةً مع الكاميرا؛ هذا ما يُفسد علاقتنا بالكاميرا والواقع وماهيَّة الصورة الملتقطة.
في النهاية، علينا أن نتساءل: هل نلتقط الصور لنتذكر ما حدث، أم نلتقطها لنقنع أنفسنا والآخرين بما كان «يجب» أن يحدث؟ إذا كانت الصورة قادرة على تغيير هويتك بلمسة زر، فإن ما تراه في ألبومك ليس «أنت»، بل رأي الخوارزمية في النسخة التي كان يجب أن تكون عليها لتُرضي الشاشة.
إن السؤال لم يعُد: «ما الصورة؟»، بل: «ماذا بقي من الحقيقة؟». عندما نفقد آخر خيطٍ يربطنا بالواقع المشترك، فإننا لا نفقد الماضي فحسب، بل نفقد القدرة على الوثوق بالمستقبل. ثَمن اللقطة المثالية التي تمنحنا إياها التقنية هو انهيار الثقة بأعيننا؛ فنحن لم نعُد نلتقط الصور لنوثِّق حياتنا، بل لنبني سجونًا من البكسلات الجميلة تعزلنا عن ذواتنا الحقيقية الممتلئة بالثغرات والجمال العفوي.


ما كل ما يصلح لغيرك.. صلح لك 🏜️
انتهت هذا الأسبوع إجازة أمومتي، وعدت إلى العمل بقلب مضطرب أمام كمِّ المهام التي يجدر بي القيام بها. لا تتعلق هذه المهام مباشرةً بمهام عملي اليومية بقدر ما هي مهام للتطوير، سواء لتطوير بعض جوانب العمل أو لاكتساب مؤهلات إضافية -مثل بعض الاختبارات- لضمان استمرارية عملي وتقدمي الوظيفي.
غير أن قلبي وعقلي يسائلان عن الحاجة الحقيقية إلى هذا الجهد. فأنا أقف في هذه المرحلة من حياتي على أعتاب الوظيفة، لا أشد يدي عليها ولا أفلتها تمامًا، ومع ذلك عندما أتردد أمام فكرة مزيدٍ من الاختبارات، أتهم نفسي بالكسل مباشرةً.
ويدفع هذه التهمة عني بيتا شعر لا أعرف قائلهما، يخطران على بالي فيطيب خاطري:
ثنتين حارب دونها لذة النوم
فرض الصلاة وباب رزق انفتحلك
عن غيرها لو نمت ما يلحقك لوم
ما كل ما يصلح لغيرك.. صلح لك
هذان البيتان على بساطتهما، معانيهما واسعة سعة الصحراء القادم منها قائلهما. فيهما الأولويات واضحة وأساسية، وكل ما دون هذه الأساسيات يمكن تجاوزه وفق نظرة هادئة إلى الحياة، تتلخص في أن ما يناسب الآخرين لا يجب أبدًا أن يناسب الكل. وبهذه النظرة يكون المهم والأولى -بعد الصلاة وباب الرزق- مختلف اختلاف أعداد البشر.
تقبُّل اختلاف الاحتياجات والقدرات وحتى الرغبات، نابع من نفس هادئة هدوء الصحراء، لا ترى أن النوم مدعاة للذمِّ إذا ما قام الإنسان بحق ربه وحق نفسه. نفس ترى العمل باب رزق يُفتح، فيسعى فيه الإنسان بقدْره دون تحميله أبعد أو أكثر من ذلك.
هذه النظرة المطمئنة تدرك اختلاف أحوال النفس الإنسانية ودوام تقلُّبها؛ إذ تمرُّ عليها أزمنة تنشط فيها وتجتهد، وأزمنة تحارب فيها النوم من أجل فرض صلاة. فتقبل هذه النظرة حالات النفس كلها، ويكون تفسير شعور الثقل من مهمة أو أخرى أحيانًا أن: «ما كل ما يصلح لغيرك.. صلح لك».
إعداد🧶
مجد أبو دقَّة

«لن تحظى فكرة ذكية بقبول العامة إلا إذا اختلط بها شيء من الغباء.» فرناندو بيسوا
ما العلاقة بين «الوهم الزجاجي» الذي عاشه ملك فرنسا أواخر القرن الرابع عشر وما نعيشه اليوم مع الوهم الذكالي؟
كيف تسأل في الدوام؟
الدنيا بره شبَّاكي.


نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.