لماذا ابنتي اجتماعية؟ 💁‍♀️

زائد: ربما مقلاتك أصبحت أكبر!

تبدأ اليوم إجازتي إلى يوم الأحد، وسأقضي بإذن الله أغلب نهاية الأسبوع في السفر ذهابًا وعودة ما بين البر والجو، لتقديم ورشة في ترجمة الشعر. 

وفي خضم الجدل الشائع في منصة «إكس» عن مدى الحاجة إلى كليات العلوم الإنسانية واللغات في الجامعات، وبينما لا نزال نعيش تحت وطأة الحرب، يلهمني أنَّ لا يزال مكانٌ للشعر ومحاولات ترجمته. 😌

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

لماذا ابنتي اجتماعية؟ 💁‍♀️

أريج المصطفى

البارحة في حديقة الحي، اختارت ابنتي إحداهن لتكون صديقتها في هذا المشوار، بدأت تعارفها ببساطة:  أيش اسمك؟ أيش اسم أمك وأبوك؟ أيوا أيش سويتِ في البيت اليوم؟

وهذه مرحلة متقدمة وصلت إليها، بعد أن كانت تبدأ تعارفها بذكر أسماء العائلة كلها من أخوال وأعمام وأجداد! 

هكذا عادةً تبدأ ابنتي علاقاتها الاجتماعية المؤقتة، التي تنتهي بـ«ماما خذي رقم أمها حتى يزورونا»، ومن ثم «ماما أيش كان اسم البنت؟»، وذلك قبل النسيان الكلِّي بلحظات تقريبًا. أتفكّر في هذه القدرة الاجتماعية لدى كثير من الطفلات الإناث، لتمرَّ بجانبي طفلة عمرها عشر سنوات تقريبًا يتَّضح أنها تكوِّن صداقة من النوع ذاته، قائلة للطفلة الأخرى التي تتمشَّى معها: «ترى أنا اجتماعية!».

حدث أن حققتُ رغبة ابنتي مرة وتعرَّفت على إحدى الأمهات في الحديقة، لتزورنا مع ابنتها تاليًا. أضحك الآن على نفسي، مع أنني في يوم من الأيام كنت طفلة مثلها أكوِّن صداقاتٍ برِيال وأنهيها بنصف! بينما لا أتذكر أحدًا من إخوتي الذكور كوَّن صداقة تتجاوز اللعب بمعناه الحرفي إلا ما ندر. وحتى حين سألت أمهات الأطفال الذكور من حولي، أكَّد لي أغلبهن هذا السلوك الشائع بينهم، فالتعارف للَّعب ثم لا شيء. بينما يكون تعارف الإناث للتعارف وشيء من السوالف، واللعب يأتي بعد ذلك كله. 

لكن هل فعلًا المهارات الاجتماعية واللغوية للإناث من الأطفال فارقة إلى هذا الحد عن الذكور؟

تؤكد تلك الملاحظات دراسة أُجريت على أكثر من ثلاثة عشر ألف طفل أعمارهم بين ثمانية أشهر إلى سنتين، يتحدث أهاليهم لغات مختلفة، لتقيس الفروق اللغوية المبكرة بين الجنسين. وتوصلت إلى أن ثمة فروقًا لغوية فعلًا؛ إذ تتفوق الإناث على الذكور في الإيماءات التواصلية المبكرة، وعدد المفردات المنطوقة، والقدرة على تركيب الجمل.

لم يقتصر الأمر على الأسلوب اللغوي أو الاجتماعي، فقد كان لابنتي في بدايات تعلُّمها اللغوي معجم خاص تبني مفرداته بناء على قياسها الخاص لكلمات سابقة تعلَّمتها. فـ«سعودة» و«عليَّة» كانتا اسمَي ابنتَيها تأنيثًا لاسمَي «سعود» و«علي»، وعجلة القيادة «الدركسيون» كانت تسمِّيها «المَسوقة»، وسيارة الآيسكريم «إسفاعة الآيسكريم» = «إسعافة الآيسكريم» كون السيارة تشبه سيارة الإسعاف، والنادل في المطعم اسمه «مُطعِّم»، والمسدس اسمه «مُصدِّم»، وغير ذلك كثيرًا.

عودةً إلى الوراء، وبشكل علمي أكثر، فإن الأطفال لا يلعبون بطريقة واحدة. إذ يلعب الذكور غالبًا ألعابًا حركية وجسدية يبرز فيها التنافس والقواعد أكثر من الإناث، في حين تلعب الإناث ألعابًا تخيلية اجتماعية أكثر، تتضمَّن أدوارًا تعاونية وتفاعلية. لكل نوع من اللعب مهارات تتطوَّر من خلاله، فاللعب الحركي ينمِّي الجرأة والانضباط من خلال القواعد، بينما ينمِّي اللعب الاجتماعي التعاطف وفهم المشاعر والمهارات التواصلية. وربَّما هذا ما يفسِّر الصورة التي أتذكر بها إخوتي وهم يلعبون فقط.

لكن بالطبع، هذه الفروقات ليست مطلقة دومًا، إذ إنها تتأثر بالبيئة. فالدراسات الحديثة تثبت أن نمو الأطفال اللغوي والاجتماعي مرهون بمدى «تدريبهم» على ذلك، من خلال التحدث معهم وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم لزيادة حصيلة المفردات، ومن ثَم تنمية القدرة اللغوية عمومًا. من هنا، نعرف أن الفرق الفطري قد يكون موجودًا فعلًا، لكننا نعزِّزه أحيانًا دون أن نشعر.

لم أتخيَّل يومًا أن أصبح ثرثارة، لأنني بطبعي أميل إلى الصمت لأستمع إلى أفكار رأسي. لكنني في الأوقات التي كنت أقضيها مع ابنتي وحدنا في سنواتها الأولى، كنت أحرص قدر استطاعتي على أن أكون أمًّا ثرثارة، خاصة حينما أنهمك في عملٍ ما وهي حولي. أحدثها طيلة الوقت عما أفعل أو سأفعل، ولو مللت من هذا الحديث، أقرأ الأذكار بصوت عالٍ لأعطيها ما أستطيع من مفردات، ولأكوِّن -دون أن أعرف- نسخة مصغَّرة منِّي، تتبنَّى طريقتي في التعبير، وتحمل ألفاظي وتعكس لي شيئًا منِّي.

قد تتمتع الإناث بمهارات فطرية فارقة بسيطة، إلا أنها قابلة للتغيير بحسب البيئة التي ينمو فيها الأطفال؛ فتزداد المهارات اللغوية والاجتماعية والعاطفية بقدر ما يُسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم، والحوار المستمر معهم. مع ذلك، لا أستطيع تخيُّل طفل ذكر يمشي بجوار صديق جديد ليقول له: «ترى أنا اجتماعي!». 😅


 لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅
«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين، لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل أمثل قبل وصولها إلى المستهلك، باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


Escaping criticism by pere borrel del caso
Escaping criticism by pere borrel del caso

ربما مِقلاتك أصبحت أكبر! 🍳

قرأت مرةً قصة تتحدث عن امرأة تُجيد طبخ السمك، وكان من عادتها أن تقطع رأس السمكة وذيلها قبل أن تضعها في المقلاة. وعندما سألتها صديقتها، التي أرادت أن تتعلم طريقتها، عن سبب هذه الخطوة، قالت إنها تعلمت الطريقة من أمها بهذا الشكل. وللإجابة عن سؤال صديقتها، اتصلت على أمها تسألها عن سبب قطع رأس السمكة وذيلها قبل وضعها في المقلاة.

إلا أن الأم أجابت الإجابة نفسها؛ فهذا ما رأته من أمها. وعندما ذهبت هي الأخرى لتسأل أمها عن الحكمة وراء هذه الخطوة، كان جواب الجدة ببساطة أن مقلاتها كانت صغيرة ولا تتسع للسمكة كلها!

 تجعلني هذه القصة أبتسم في كل مرة أقرؤها، وأفكر في كم الحدود الوهمية التي نضيِّق بها على أنفسنا لأن هذا ما رأيناه، أو لأن هذه الطريقة التي نعرفها، وهذا الدرب المرسوم والمألوف.

فيحاول الواحد منا أن يحشر نفسه، ويحدَّ أحلامه، ويُسيِّر يومه وفق العادة دون مراجعتها، فتضطرب نفسه، لأن ما يصلح لغيره لا يصلح له، وما كان يصلح له أمس لم يعُد يناسبه اليوم. 

إنَّ أساس الحياة دوام تقلُّبها وتغيُّرها. لذلك، لو مدَّ أحدنا نفسه خارج تلك الحدود الوهمية واختبر مساحاته حقيقة؛ لوجد في الحياة سعة، وبنى عادات أكثر ملاءمةً لواقعه، حينها يمكن أن تهدأ نفسه ويكون للسكينة أقرب.

إعداد🧶

مجد أبو دقَّة



نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+70 متابع في آخر 7 أيام