لماذا لا نتخلى عن المسؤوليات التي ترهقنا؟ 🤜

زائد: كيف ترد على أعز الناس؟

كيف ترد على أعز الناس؟

في خضم ازدحام منصة «أكس» بمتابعة آخر تطورات العدوان الإيراني الآثم، من الصحي أيضًا لحالتنا النفسية أن تقع أعيننا على تغريدة تذكرنا بالاهتمام بأعز الناس في حياتنا وإظهار محبتنا لهم بكلمة، خصوصًا الوالدين. هذه التغريدة هي لحزوا العجمي التي تقول فيها عن فضيلة الرد بكلمة «لبيه» على من تحب:

«من امتيازات إنك تقول "لبيه" للي تحبهم، إنك إذا زعلت تقول بدالها "هلا" وينفتح وقتها نقاش "سلامات وش فيك؟" ويصير الصُّلح. ومن قوانين "لبيه" إنها تنقال للخاصة الغالين عليك، على قولة الشاعر: "الناس من بعدك هلا وانت لبيه".

عيب تقول لبيه للكل، لانك تنزع حميمية هذا الرد الخاص بأحبابك.»

الله يحفظكم ويحفظ كل عزيز في حياتكم من كل سوء.❤️ 

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

لماذا لا نتخلى عن المسؤوليات التي ترهقنا؟ 🤜

رزان الزيادي

أعتقد أن أصعب المراحل التي مررت بها حتى اليوم كانت مرحلة التخلي. ولا أعني بذلك التخلي عن الأشخاص، أو الانسحاب من علاقة سامة؛ فأنا لم أواجه صعوبة في ذلك قط. ففي اللحظة التي يُشعرني فيها الشخص بشعور لا أستحقه، أمضي قدمًا مباشرة وبلا تردد.

لكن الصعوبة التي واجهتها، ولا أزال حتى اليوم أصارع من أجلها، هي التخلي عن المسؤوليات: وظيفة أعطي فيها أكثر مما آخذ، أو التزامات حمَّلتها على نفسي منذ سنوات دون أن أجد نهاية واضحة لها. وقد مزَّقني هذا التباين في قدرتي على التخلي بسهولة عن شخص مؤذٍ، وصعوبة التخلي عن مسؤولية مؤذية، لأني لاحظت أن الغالبية يعانون العكس.

لذلك كرهت فكرة التخلي، وما يزيد من امتعاضي حديث من استطاعوا أن يتخلوا بسهولة. فدائمًا ما تكون خطاباتهم مشحونةً بطاقة مزيفة، قائمة على الاستصغار من أي شخص لا يستطيع أن يمضي قدمًا عن أي مسؤولية ما عاد يريدها، كون التخلي في غاية السهولة! إضافة إلى حشر فكرة النضج فيه كذلك، معدِّين أي شخص لا يتخلى بسهولة شخصًا غير ناضج.

ولطالما تساءلت في كل مرة أقرأ فيها مقالات التخلي عن سبب عجزي عن التخلي مهما حاولت، وإن كنت فعلًا غير ناضجة بعد. لكن أدركت أن الموضوع لا يرتبط بالتخلي تحديدًا؛ الأمر فحسب أني خائفة من فقداني هويتي، وفقدان ذاتي التي قضيت حياتي محاولةً الوصول إليها. إذا تركت مثلًا الوظيفة التي عرفني الناس من خلالها لأعوام، فماذا سأكون حينها؟ وكيف سأجد نفسي مرة أخرى إذا ضعت في عمري هذا؟

ذكَّرني خوفي بقصة «قريقور سامسا» من كتاب «التحول» (metamorphosis) لفرانز كافكا. فقد كان يكره عمله كثيرًا، ويتمنى لو يستطيع أن يتشجع ويقدِّم استقالته ويهرب منها إلى الأبد، لكنه كان يحمل على عاتقه مسؤوليات كثيرة. ليس لكونه المسؤول عن توفير المال لعائلته فحسب، وإنما لخوفه من فقدانه ذاته، ومن تخييب ظن الآخرين به. ورغم تحوله المرعب إلى حشرة فجأة، كان أول ما فكر فيه أن الجو ماطر، وسيصعب عليه الذهاب إلى عمله المتعب والشاق. 

مخاوفي ومخاوف «قريقور سامسا» تسمى في علم النفس «امتداد الذات» (Extended Self)، وهي فكرة تنصُّ على أن هوية الإنسان تمتد إلى الأشياء التي يملكها ويعيشها، وأن أي شيء في حياته -مثل عمل استمر فيه لمدة طويلة- سيصبح مرتبطًا بشخصيته وحياته. حتى إن الناس سيتذكرونه عندما يسمعون المسمى الوظيفي أو الشركة التي يعمل فيها، ولذلك يصعب عليه لاحقًا أن يتخلى عنها، لأنه مقتنع بأنه سيفقد هويته بالفعل.

حتى هذا اليوم، ما زلت أصارع لكي أتخلى عما يستنزف طاقتي، لكني أصبحت مدركة بأن شخصيتي لا تشبه شخصية من قرأت مقالاتهم ونصائحهم عن التخلي، وأني لا أحاول تجاوز ما يكتبون عنه في العادة. لذا، لا داعي للقلق على عجزي عن تطبيق ما ذُكر فيها من نصائح وسبل، فلكلٍّ منا طريقته في الانسحاب من مسؤولياته.

كما بدأت أومن بأن كل تخلٍّ يعني فرصة جديدة، فحياتي ليست مربوطة بفرصة واحدة فقط. توجد مقولة منسوبة إلى جلال الدين الرومي تقول: «في التخلي تجلي»، أي إن الشخص الذي يتخلى عن شخص مؤذٍ أو ذنب أو مشاعر سيئة، سيظهر النور في طريقه، وسيجد فرصة جديدة تعوِّضه عن ما اضطر إلى تركه. لذلك، أنا متيقنة بأن فرصتي القادمة ستمنحني سعادة أكثر.

ربما في المرة القادمة سأكتب عن كيف استطعت أخيرًا المضي قدمًا عن مسؤولية ما عدت أريد حملها، وبلا أي مشكلات. لكن ما أريد أن يفهمه من يعاني معاناتي، أن عدم قدرتك على التخلي عن مسؤولية ما، لا يعني أنك ضعيف أو أنك استسلمت، فنحن جميعًا نحاول أن نحمي أنفسنا من الضغوط والمسؤوليات، لكننا نقع في الفخ أكثر وبلا وعي عندما نحاول تركها. 


لأن الأدب لا يقتصر على الكتب، بل يرافقك في كل لحظة، نقدِّم تجربة تفاعلية فريدة في مبادرة «الأدب في كل مكان»!

للمزيد اضغط هنا.



نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+60 متابع في آخر 7 أيام