الموت يضحك: قصص بعثت من جديد 📚

زائد: «أصدقائي» رواية عن الصداقة والمنفى 👬

في نهاية الأسبوع الماضي، قرأت مقتطفات من كتاب صدر حديثًا بعنوان «الثقة الكبرى» (Big Trust) للكاتبة شادي زهراي، وتوقفت عند التجربة التي استشهدت بها في معرض حديثها عن تأثير صورة الذات في قراءة ردود أفعال الآخرين تجاهنا، وهي تجربة العالم روبرت كليك الشهيرة. تعتمد هذه التجربة على وضع ندبة مزيفة وظاهرة على أوجه متطوعين، ثم إزالتها سرًّا قبل خروجهم لملاقاة غرباء. ومع خلوّ وجوههم تمامًا من أي علامة، عبّر المتطوعون لاحقًا عن شعورهم بأن الآخرين عاملوهم ببرود وازدراء، وفسّروا نظرات الحياد على أنها أحكام سلبيّة على مظهرهم.

تستشهد زهراي بهذه التجربة لتأكيد حقيقة نمرّ بها جميعًا دون الانتباه إليها؛ أننا غالبًا ما نحمل داخلنا «ندوبًا وهمية» من الشك، تجعلنا نفسّر تصرفات الناس بناءً على منظورنا الناقد لأنفسنا، وليس بناءً على ما نحن عليه بالفعل. يطرح الكتاب درسًا مفاده أن الثقة الحقيقية تبدأ من اللحظة التي نتمكن فيها من محو هذه الندوب الوهمية من وعينا.

لكني أعتقد أن الثقة الحقيقية تبدأ حين نحتضن جميع ندوبنا الجسدية والنفسية ونواجه بها العالم. ولعلّنا نجد في العالِم الإسباني ماريانو بارباسيد قدوة؛ فالرجل الذي أعلن للعالم أجمعه إمكانية علاج سرطان البنكرياس، تعرّض للسخرية من البعض بسبب الوحمة في وجهه. فلنا أن نتخيل كيف كانت طفولته ومراهقته، ومع ذلك نجح فيما عجز عنه الآخرون، وبشّرنا بأفضل خبر بدأنا به هذه السنة.

نقرأ في هذا العدد، بعين إبراهيم فرغلي، مجموعة قصصية للكاتب المصري محمد المخزنجي، ونقرأ لكم في فقرة «هامش» وفقرة «توصيات كتب» بعض الإصدارات الصادرة حديثًا بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

الموت يضحك: قصص بعثت من جديد 📚

إبراهيم فرغلي

التقيت عام 1990، بالكاتب الراحل يوسف إدريس، وقد كان اللقاء الأول والأخير، في محاضرة عامة ألقاها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. واللقاء وإن لم يكُن لقاءً شخصيًّا مباشرًا، إلا أنني اغتنمت الفرصة ووجّهت إليه سؤالًا عن الكاتب الشاب آنذاك محمد المخزنجي، فإذا هو يجيبني قائلًا إنه يحب المخزنجي حبًّا كبيرًا ويضعه وحده، دون الكتّاب جميعهم، في كفّة، بينما يضع الكتّاب الآخرين في كفّة أخرى، وإنه شخص حساس بشكل مذهل. وقد علمت لاحقًا أن صداقة قوية جمعتهما امتدت لسنوات طويلة حتى وفاة يوسف إدريس رحمه الله.

قد يبدو السؤال غريبًا للبعض: لِمَ اغتنمتُ الفرصة الوحيدة التي جمعتني بالكاتب الكبير لأستفسر عن كاتب بعينه؟ ولكن، حتى لو لم يكُن السؤال يعني أحدًا سواي، فقد كان بالغ الأهمية بالنسبة إليّ في حينه؛ إذ كنت في تلك الفترة أقرأ وأتابع قصص محمد المخزنجي المنشورة والمتفرقة في دوريات مثل «إبداع» و«أدب ونقد» و«الكرمل» وغيرها. كانت نصوصه لافتة ومبهرة، من فرط حساسيتها وشاعريتها وطاقة الشجن المشحونة بها ودقة لغتها وكثافتها. وفي تلك المرحلة، وقعتُ مصادفة على كتابين له، وهما «الموت يضحك»، وهو موضوع هذا المقال، و«سفر». ومنذ قراءتهما، أصبح شاغلي الأكبر هو التعرف على المخزنجي شخصيًّا، خاصة وقد علمت أنه ابن مدينتي المنصورة. 

فلكم أن تتخيلوا إذن، كيف ضاعفت تلك الكلمات القليلة، التي ردّدها إدريس في حق المخزنجي، من إصراري على استكمال رحلة البحث عنه، وهي رحلة لم تكُن سهلة، واستمرت لعدة شهور. وفي كل الأحوال، فقد نشرتُ تفاصيل هذه الرحلة كاملة في مجلة العربي، ضمن ملف عن الكاتب الجميل بعنوان «قصة البحث عن المخزنجي».

صورة تجمع إبراهيم فرغلي ومحمد المخزنجي يتوسطهما الفنان عادل السيوي
صورة تجمع إبراهيم فرغلي ومحمد المخزنجي يتوسطهما الفنان عادل السيوي

أحببت أن أستعيد تلك اللحظة بما تحمله من تفاصيل لا تزال حيّة بذاكرتي، لأنني حين قرأت من جديد كتاب «الموت يضحك»، بعد أن أعادت دار الشروق في القاهرة نشره مؤخرًا بعد ما يقارب أربعة عقود (تحديدًا سبعة وثلاثين عامًا)، وجدت نفسي أعيش المشاعر والانطباعات ذاتها التي اختبرتها أول مرة. عادت إليّ نفس الحساسية والعذوبة التي دفعتني آنذاك إلى أن أردّد: «هذا الرجل يكتبني، أو بالأحرى يكتب روحي».

تضم المجموعة أربع عشرة قصة قصيرة، تتوزع أحداثها في فضاءات متباينة، لكنها جميعًا مشبعة بالحزن. بعضها يدور في الخرابات والساحات الخاوية المهجورة على تخوم المناطق السكنية، وبعضها الآخر في عنابر مخصصة لمرضى الاضطرابات النفسية. وهناك قصص تجري داخل زنزانة سجن تضم عددًا من المعتقلين السياسيين من الشباب المتعلم، أو في مقطورة قطار مكدّسة بأجولة وطرود بريد، أو في قطار تقوده امرأة في مدينة كييف، أو في ثلاجة موتى داخل مصحة نفسية، أو في منزل يتداعى سقفه حتى يسقط على رؤوس عائلةٍ اعتادت السخرية من حال البيت الآيل للانهيار، لتجد نفسها فجأة أمام مواجهة مباشرة مع السقوط، فتتأمل معنى السكينة والشتات خلال تلك الدقائق التي أعقبت سقوط السقف.

اختار المخزنجي هذه الفضاءات السردية لكي يعبّر عن أفكار فلسفية كبيرة، وعن شجون النفوس المعذبة والهشّة أو المقموعة، وعن المفارقات التي تضع البشر أمام لحظات مفصلية تنقلهم من حال إلى حال، وأحيانًا بين حالتين متناقضتين مثل الحياة والموت. بعض القصص تنحاز إلى الموت بوصفه رهانًا على الحياة، أو استسلامًا لموتٍ يبدو الرهان عليه دافعًا للأمل في حياة مختلفة بشكل ما، مثل استسلام «محمد» بطل قصة «هل هي آخر تحية للورد؟»، الذي قرّر بعد كارثة تشرنوبيل والتسرب الإشعاعي في كييف أن يبقى ليواجه احتمالات الموت، مستبشرًا وضاحكًا، ومعدّدًا الاحتمالات المأساوية المتوقع حدوثها كافة، ويحوّلها إلى مجرد أسباب طبيعية قد تحدث لأي شخص.

غلاف «الموت يضحك»
غلاف «الموت يضحك»

يكشف هذا الانتقال الرشيق بين الحالات النفسية عن أسرار المخزنجي ومهاراته السردية الفريدة؛ إذ يستطيع نقلك من شعور إلى نقيضه، ملتقطًا تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية التي يعيشها البشر، محوّلًا إيّاها إلى لحظات تعيشها أنت -كونك قارئًا- بالزخم والقوة نفسها. وقد تجد نفسك وأنت تقرأ هذه القصص تطرح أسئلة عن «سيكولوجية التخفّي»، وعن أولئك الذين يعيشون كأنهم يراقبون الحياة من خلف لثام، أو يلتزمون بالتخفّي بذريعة التقاليد أو العقيدة أو غيرها، حتى يتحول الأمر إلى منهج كامل في العيش داخل دائرة التخفّي. هذا المنهج قد يتطور إلى رغبة في الاستتار التام عن مظاهر الحياة كلّها، وهو ما بدا لي بعد قراءتي قصة «المخالسة». كما قد تدفعك هذه النصوص إلى طرح أسئلة أخرى عن معنى الحرية وقيمتها عند الإنسان، وعن غيابها حين تُفقد أو تُمحى لدى من يعتاد الحصار والقيود، كما يظهر في قصص مثل «الأسوار» و«البلاد البعيدة» و«هذه المزرعة».

تتوالى القضايا التي تثيرها هذه القصص، متسائلةً عن جدوى الحياة لمَن فقد عقله، وعن معنى اعتياد الموت أو مواجهته حين يصبح جزءًا من الحياة اليومية. كما تكشف عن جذور العنف والقسوة التي تنفجر في النفوس وتدفع البشر إلى ممارستها ضد بعضهم بعضًا. من أبرز ما لفت انتباهي منذ قراءتي الأولى لهذه النصوص، وخلال قراءتي الحالية لها، هي الطريقة التي تكشف بها عن تناقضات النفس البشرية؛ تلك النفس التي قد تغمرها الكراهية والغضب والحسد، ثم تنقلب فجأة إلى هيام أو غرام يفيضان بالدهشة والذهول والنشوة. ويتجلّى هذا التحول في القصة الجميلة «أمام بوابات القمح».

وأظن أن حساسية المخزنجي قد تعزّزت كثيرًا بفضل دراسته الطب النفسي، فقد كانت رسالة الدكتوراه التي أعدّها تتناول بالدراسة الاكتئابَ الذي قاد هيمنقواي إلى الانتحار، وهو في تقديري اختيار مدهش يُظهر عمق اهتمامه بهذا المجال. كما أن قراءاته وبحوثه في علم النفس أضافت إلى تجربته الأدبيّة ثراءً واضحًا، مع أنه لم يمكث طويلًا في ميدان الطب النفسي؛ إذ انتقل من العمل في مستشفيات عدّة -كان آخرها مستشفى العباسية للطب النفسي في القاهرة- إلى عالم الصحافة محرّرًا في مجلة العربي.

ومع أن المخزنجي ابتعد عن عالم الطب النفسي، فإنه لم يتوقف عن التعبير ببراعةٍ عن معرفته العميقة ببواطن النفس البشرية، وبما تحمله من مواطن خلل أو عطب، وما تنطوي عليه أيضًا من لحظات إشراق وصفاء. ظل هذا الحس النفسي حاضرًا في قصصه، سواء في هذه المجموعة أو في غيرها من أعماله المتتابعة، مثل «رشق السكين» و«الآتي» و«سفر» و«صار بعيدًا» و«البستان» و«أوتار الماء» و«حيوانات أيامنا» و«رق الحبيب» و«رائحة الشمس»، وغيرها.

غلاف «حيوانات أيامنا»
غلاف «حيوانات أيامنا»

أبدع المخزنجي عامةً، وفي عدد من قصص «الموت يضحك» خاصة، في تناول العلاقة التي تجمع بين الإنسان والحيوان، متتبّعًا مواطن إحساس كل منهما بالآخر. لم يقتصر ذلك على الحيوانات الأليفة التي نألف وجودها حولنا يوميًّا مثل القطط والكلاب، وهو ما يشيع في قصص المجموعة، بل امتدّ ليشمل الخيول والدببة وغيرها، كما سنرى في مجموعته القصصية البديعة «حيوانات أيامنا» التي صدرت بعد سنوات طويلة من «الموت يضحك». تتضمن هذه المجموعة المتأخرة إشارات إلى تتبُّع مفهوم «الإنسانية» الذي قد يتحلّى به حيوانٌ في بعض الأحيان، بينما يفتقر إليه مَن يوصف بالإنسان في أحيان كثيرة. وتتخلل هذه الأعمال قصص ترسم حالات نفسية تقترب من التوحد بين كيانَي الإنسان والحيوان في لحظات غير متوقعة.

ما أعنيه أن المتابع لأعمال المخزنجي سيجد شغفًا متواصلًا بتجسيد العلاقة بين الإنسان والطبيعة والكائنات التي تنتمي إلى عالم الحيوان. يطلّ هذا الشغف مبكرًا في مجموعة «الموت يضحك»، حيث نلمس إرهاصات إحساس مرهف بالكائنات غير الإنسانية التي لا تملك لسانًا يعبّر عن آلامها، تلك الآلام التي قد تتفاقم حتى تدميها! ومن أبرز الشواهد قصة «ما بال هذا الأنين»، التي تمثل نموذجًا لهذا الحس المرهف. وعلى مستوًى آخر تمامًا، نتابع في قصة «فئران» رحلة جثة من موقع موتها إلى ثلاجةٍ في مشفى نفسي، رحلة تبدو كأنها محاولة للهروب من فئران تتربّص في الشقوق، تنتظر الفرصة لتقضم ما تيسّر لها من الجثث العابرة إن استطاعت.

ومع الطابع العام الذي يطغى على هذه القصص، ويوحي أحيانًا بالرومانسية أو العاطفة، فهي لا تكتفي بهذا المظهر، إذ تقدّم قشرة سردية ذات طابع شاعري تخفي وراءها صورة مغايرة تمامًا؛ فهي تغلّف مشاعر الألم والغضب والمهانة والقسوة البشرية والحقد واللامبالاة، وكل ما يندرج ضمن آفات النفس غير السوية، في نصوص تنساب إلى الوجدان كالأنين. كما تكسو تلك المشاعر بغلالة من الأفكار الفلسفية الوجودية، فتسري النصوص في نفوس قارئها كالموشّحات أو الأغنيات الشجيّة التي يهمس بها المرء لنفسه في صمت الليل، علّه يغسل قلبه من الهمّ بحثًا عن سكينة قد يجدها، أو، وهو الاحتمال الأرجح، لا يلقى سوى صدى يتردّد في داخله، كما تتردد مشاهد هذه القصص في وعي القارئ ومخيّلته!


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

«أصدقائي» رواية عن الصداقة والمنفى 👬

إيمان العزوزي

 أصدقاء، يا لها من كلمة! يستخدمها معظم الناس عن أولئك الذين بالكاد يعرفونهم، وهذا شيء عجيب.

نعود مرة أخرى إلى موضوع الأصدقاء، فبعد رواية «أصدقائي» لإيمانويل بوف، التي كانت ضمن توصيات العدد السابق، نلتقي هذه المرة بأحدث أعمال الروائي الليبي هشام مطر: رواية «أصدقائي». حجزت الرواية مكانها في القائمة الطويلة لجائزة البوكر العالمية، كما نالت جائزة أورويل للكتابة السياسية. أمّا ترجمتها العربية فقد صدرت حديثًا عن دار الشروق المصرية بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب، بجهد المترجمة العُمانية زوينة آل توينة ومراجعة إبراهيم الشريف. سبق لزوينة أن نقلت إلى العربية عمل مطر المدهش «شهر في سيينا». في هذا العمل الجديد، يعود الكاتب إلى فضاءاته الحميمية والمنفى والذاكرة والروابط الإنسانية التي تتشكل في ظل الفقد.

ينسج هشام مطر في روايته «أصدقائي»، وعلى غرار باقي أعماله، عملًا مشبعًا بحزن رقيق وعذب، تتداخل فيه الحميمية مع التاريخ والسياسة دون صخب أو تصادم. تبدأ الحكاية من النهاية في لحظة وداع؛ يفترق صديقان، ربما للأبد، في محطة سانت بانكراس في لندن، يسافر «حسام» إلى كاليفورنيا، بينما يعود «خالد»، الراوي، وحيدًا إلى شقته في شيبردز بوش حيث عاش معظم حياته. تتحول هذه المسافة القصيرة في شوارع المدينة إلى رحلة طويلة نحو الماضي، إذ تتدفق الذكريات حاملةً معها سنوات من المنفى والصداقة والخسارات.

تقوم البنية السردية نفسها على هذا التداخل بين المكان والذاكرة؛ فالرواية تتشكل عبر سلسلة من الاسترجاعات التي يثيرها المسار المتعرج الذي يسلكه «خالد» سيرًا من كينقز كروس إلى شيبردز بوش. استحضر هذا التجوال في ذهني خطى «ليوبولد بلوم» في رواية جيمس جويس «يوليسيس»، حيث يتحول يوم عادي في المدينة إلى ملحمة داخلية، غير أن مطر يستعير فكرة «التجوّل» ليمنحها بُعدًا آخر مرتبطًا بالمنفى، وتصبح المدينة فضاءً للاغتراب، تُقاس فيه المسافة بين ما نعيشه وما فقدناه، كما يصبح المشي فعل تفكير، وفعل حداد صامت على وطن وصِلات وأزمنة لم تَعُد ممكنة.

غادر «خالد» ليبيا في التاسعة عشرة من عمره ليدرس الأدب في اسكتلندا. ومنذ وقت مبكر، لجأ إلى الكتب التي منحته ملاذًا آمنًا، وشكلًا من أشكال المقاومة في الوقت نفسه. ينتمي هو وأصدقاؤه إلى الجهة التي تقف مع الكتب، يحملونها كأنها سلاح في جيوبهم، يدافعون بها عن أنفسهم وكرامتهم في وجه العنف السياسي والاغتراب والمنفى. لذا، سنصادف في الكتاب إحالات إلى عدة كتب وكتّاب مثل جوزيف كونراد ونجيب محفوظ والطيب صالح وسيلفيا بلاث وغيرهم، في تنوع ثري وجدلي يجمع الشرق بالغرب.

رواية «أصدقائي» في جناح دار الشروق بمعرض القاهرة
رواية «أصدقائي» في جناح دار الشروق بمعرض القاهرة

يقع الحدث المحوري في الرواية على خلفية واقعة تاريخية حقيقية، وهي إطلاق النار الذي حدث عام 1984، من داخل السفارة الليبية في لندن تجاه متظاهرين معارضين للقذافي خارج السفارة، ما أدى إلى مقتل شرطية بريطانية وإصابة عدد من المحتجّين. وقد تزامن صدور رواية «أصدقائي» عام 2024، مع الذكرى الأربعين لهذه الواقعة، كأن العمل يستدعي الذاكرة الجماعية من جديد، كندبة إنسانية عميقة الأثر، رافقت من عاشها واكتوى بها. في الرواية، يُصاب «خالد» إصابة خطيرة في رئته، منذ تلك اللحظة، يصبح الرجوع إلى الوطن مستحيلًا، ويصبح المنفى قدَرًا لا مفرّ منه بعد أن كان فضاء عبور مؤقت. يتجنب «خالد» الاتصال بوالديه خوفًا من تعريض حياتهما للخطر، وهكذا ينضم إلى تلك الجماعة الصامتة من المنفيين الذين يعيشون في حالة ترقب دائم، يقتلهم الحنين ويغذّيهم الحذر.

لا يمكننا النظر إلى رواية «أصدقائي» على أنها رواية سياسية فحسب، فهي، قبل كل شيء، رواية عن الصداقة بكل تعقيداتها وتناقضاتها وانتظاراتها وخيباتها أيضًا. تحيط بـ«خالد» شخصيات تشكّل محاور عاطفية أساسية في حياته، الأستاذ «ولبروك»، الذي يجمع بين دور المرشد والداعم المادي والرمز الأبوي، و«رنا»، طالبة الهندسة والصديقة التي تقوم علاقته بها على حميمية إنسانية خالية من أي رغبة جسدية، و«مصطفى»، الصديق الليبي الذي يفهمه «خالد» بمجرد الجلوس بجانبه. يبلغ تعلُّق «مصطفى» بـ«خالد» درجة تكاد تشبه حب التملك، وهذا ما دفع هذا الأخير ألّا يخبره بصداقته المتأخرة مع «حسام»، الركن الثالث في هذا الثلاثي، الذي يعاني المنفى كما يعاني إرهاصات الصداقة. يبيّن مطر كيف يمكن للصداقة أن تصبح «وطنًا عاطفيًّا» لمن فقدوا أوطانهم، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عبء، إلى رابطة خانقة تفرض نوعًا من الاحتكار العاطفي وسوء الفهم.

تزيد قسوة الزمن هشاشة هذه الروابط وتضعها على المحكّ. مع اندلاع الربيع العربي، يُجبَر الثلاثي على اتخاذ موقف مما جرى في ليبيا، ويصبح التعامل مع الوطن مجددًا أمرًا بديهيًّا لكلٍّ من «حسام» و«مصطفى»، فينخرطان في العمل السياسي، بينما يختار «خالد» البقاء في المنفى والحياة العادية التي أسّسها مرغمًا لكنه اعتادها. يشير موقف «خالد» إلى مئات الحالات التي فضلت البقاء في المنفى، ولم يكن قرارها سهلًا، إذ كان أغلبهم مدفوعًا بالخوف والتعب والرغبة في الاستقرار.

لا يبرر هشام مطر قرار هؤلاء، لكنه يوضح أن العودة ليست شرطًا لوصفهم بالأبطال. أحيانًا، يكون البقاء في المنفى، بعد التغيرات التي تطرأ على المكان والأنفس، هو في حد ذاته بطولة قد لا تظهر للعيان، لكن يعيشها أصحابها في صمت في ظل ما يعرفه المنفى من إكراهات مستمرة. ولعلّ هذا ما أحببته في مطر، فهو لا يدين شخصياته ولا يمجّدها، يكتفي بمراقبتها بحنان وتفهُّم، منتبهًا للتفاصيل الصغيرة، مصغيًا لصمتها ولتلك الترددات الخفيّة في النفس.

على غرار أعماله الأخرى مثل «العودة» و«اختفاء»، نقرأ هشام مطر كأننا نقرأ مصائر أشخاص عايشناهم من قرب، غادروا أوطانهم واختاروا البقاء في منافيهم، يمكننا الآن فهم بعضٍ من قراراتهم والسماح لهم بالعيش وفق هذه القرارات دون تحميلهم عبئًا إضافيًّا يُشعرهم بالذنب. في النهاية، يذكّرنا مطر بأننا في الحقيقة يشكّلنا الغياب بقدر ما يشكّلنا الحضور، وكل ما يتطلبه الأمر هو تقبل هذا الواقع. 


ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


الحياة التي تُقضى في ارتكاب الأخطاء ليست أكثر شرفًا فحسب، بل هي أكثر فائدةً أيضًا من الحياة التي تُقضى في عدم فعل أي شيء على الإطلاق.

برنارد شو 

مسرحية «معضلة الطبيب»


  1. مساحة للحلم

    تأليف: ديفيد لينش ، كرستين ماكينا/ ترجمة: طارق الخواجي/ الناشر: تنمية/ عدد الصفحات: 597

حين تقرأ هذا الكتاب ستشعر كأنك تجلس بجوار ديفيد لينش في مقهى، تخوض معه حوارًا يسرد فيه مئات الحكايات التي يصعب متابعتها، مما يجعلك بحاجة إلى طرف ثالث، وهو هنا الناقد السينمائي طارق الخواجي، الذي تصدّى لترجمة هذا الكتاب كونه أول تجربة له في مجال الترجمة.

صدرت الترجمة العربية لـ«مساحة للحلم» بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب، وذلك بعد مرور عام كامل على رحيل لينش، فهي إحياء لذكرى هذا المخرج من جهة، وإثراء للمكتبة السينمائية من جهة أخرى. الكتاب هجين في بنيته؛ يجمع بين السيرة الغيرية والسيرة الذاتية، ويقوم على تبادل كتابة الفصول بين لينش وصديقته الصحافية كريستين ماكينا. هذا التناوب يخلق توترًا خفيفًا لكنه مهم ومقصود. من جهة، هناك لينش الحالم الذي يستعيد طفولته في أيداهو، ومخاوفه الأولى ولحظات اليقين الإبداعي، بلُغة بسيطة تكاد تكون طفولية. ومن جهة أخرى، هناك لينش بوصفه شخصية عامة، يُوضع في سياق صناعة السينما والصراعات الإنتاجية والاستقبال النقدي لأعماله.

يتتبع الكتاب مسيرته بدءًا من بداياته في أمريكا في الستينيات وحتى أفلامه الشهيرة مثل (Eraserhead) و(Twin Peaks) و(Elephant Man)، ويكشف عن شخصية متعددة الأبعاد تجمع بين الفن والتأمل والعلاقات الإنسانية. يعرض الكتاب حياة لينش بتروٍّ؛ حيث يروي الأصدقاء والممثلون والمنتجون ذكرياتهم وانطباعاتهم، ثم يعقّب لينش بنفسه على تلك المرحلة، وهو ما يخلق رؤية مزدوجة تكشف عن طريقة «صُنع» أفلامه. ويُشير النص إلى أن من يبحث عن مفاتيح تفسيرية واضحة لأعماله سيُصاب بخيبة أمل، إذ يرى لينش أن الإحساس الذي تثيره المشاهد أهم من المعنى المباشر.

تتمحور إحدى المفارقات الرئيسة التي يطرحها كتاب «مساحة للحلم» حول العلاقة الجدلية بين السكون الذهني للمبدع والحدّة الجمالية العنيفة في إنجازه الفني. ففي حين ارتبط اسم ديفيد لينش سينمائيًّا بعوالم كابوسية ممتلئة بالظلال والاضطراب، يكشف الكتاب عن شخصية تتبنّى التأمل ممارسةً معرفية تسعى لتحقيق الصفاء الداخلي واليقظة الذهنية المستمرة. يكثّف هذا التباين الغموض المحيط بتجربته الإبداعية عوض شرحها، إذ يقترح تصورًا للإبداع بوصفه نتاج وعي صافٍ قادر على استكشاف المناطق المعتمة في التجربة الإنسانية. بهذا المعنى، يصبح الفنان مستكشفًا واعيًا يرى في الهدوء شرطًا لإنتاج الرؤية الفنية. وتجدر الإشارة إلى أن لينش يوسّع هذه الفكرة وينظّر لها في كتابه الآخر «اصطياد السمكة الكبيرة»، حيث يربط الصفاء الذهني بإمكانية التقاط الأفكار الإبداعية من مستويات أعمق في الوعي.

حتى لو لم تكُن خبيرًا بعالم ديفيد لينش، ستجد في هذه السيرة وقائع حياة رجل نجح في المزج بين الجنون والإبداع. ولعلّ هذا التناقض هو ما جعله شخصيةً آسرة لدرجة أنّنا سنقرأ حياته كأنها حلم سنشرع في عيشه بدورنا. كما تشجعنا هذه السيرة على مشاهدة بعض أفلامه، خاصة فِلم (Eraserhead)، الفِلم الذي توسّل لينش إلى والدته ألّا تشاهده.

  1. حيوانات نهاية العالم

    تأليف:قلوريا سوزانا إسكيبل/ ترجمة: عبدالحليم جمال/ الناشر: لغة/ عدد الصفحات: 140

حين نرى الأطفال نتوقع أن نلقى لديهم عالم البراءة الذي نفتقده، ولكن أحيانًا، ووفق ما يعيشه العالم من عنف متواصل، كل ما نراه في أعينهم هو الخوف. وفق هذه الرؤية التي تبدو سوداوية، تقدم لنا الكاتبة والشاعرة الكولومبية قلوريا سوزانا إسكيبل، في روايتها «حيوانات نهاية العالم»، هذا الخوف مقترنًا بالرغبة والخيال. تدور أحداث الرواية في بوقوتا أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وهي فترة عَرفت عنفًا سياسيًّا بسبب الاغتيالات والتفجيرات المرتبطة بالمخدرات. تعيش الطفلة «إينِس»، ذات الست سنوات، في بيت كبير مع جدّيها وأمها، حيث يتسرب عنف الخارج إلى داخل المنزل، فيشكّل وعيها بالعالم ويؤثر في ألعابها وتخيّلاتها

يمثّل الخوف العنصر المركزي في الرواية، إذ تخشى «إينِس» من أمور يومية، كما تخاف من فكرة الزمن، ومن أفكار كونيّة ضخمة مثل نهاية العالم أو انطفاء الشمس، أو اختفاء الحيوانات من الأرض. هذا التداخل بين المخاوف البسيطة والوجوديّة يكشف عن حساسية الطفولة وقدرتها على التقاط التهديدات المحيطة قبل الكبار. فالراشدون منشغلون بشؤونهم اليوميّة، بينما تظلّ الطفلة في حالة يقظة دائمة، تحاول فهم عالم غير مستقر من خلال الإشارات والأصوات واهتزازات الجدران والقصص التي تسمعها.

ترتبط فكرة «نهاية العالم» في الرواية ارتباطًا وثيقًا بالتجربة العائليّة لـ«إينِس». فغياب الأب، ومحاولة الأم إعادة بناء حياتها، والتوتر المسيطر داخل البيت، تمثّل جميعها «نهايات» صغيرة لا تقلّ قسوة عن الكوارث التي تتخيّلها الطفلة. لذلك، يصبح الخوف وسيلةً لفهم التفكك العاطفي، كما تتحوّل الرغبة في نهاية العالم إلى تَوق لبداية جديدة تشعر فيها «إينِس» بالأمان والانتماء.

تلعب الحيوانات دورًا رمزيًّا أساسيًّا في الرواية، حيث تستخدمها الكاتبة بوصفها استعارات لفهم العلاقات الإنسانية. ترى «إينِس» أمها كحيوان مفترس أحيانًا، وأباها ككائن متقلّب، بينما تعيد تعريف نفسها تدريجيًّا من طفلة «أليفة» إلى كائن أكثر وحشيّة واستقلالًا. هذا التحول يوازي نموّ وعيها وقدرتها على مواجهة الخوف بدل الهروب منه.

حاولت الترجمة العربية نقل أسلوب الكاتبة، إلا أني أراها تفتقر إلى الشاعرية التي طغت على سرد الكاتبة التي تُعَدّ في الأصل شاعرة، فلُغتها مجازيّة تميل إلى اللعب على الاستعارة، وتعكس محدودية اللغة الواقعية في التعبير عن ذهن الطفل وتخيّلاته. فالحياة في هذه المرحلة تتجاوز الكلمة، وتحتاج إلى الصور لكي تُفهم. لذا، نجد النص يتحول إلى مساحة للّعب والتجريب، تمامًا كما هي الطفولة.

ندرك في ختام الرواية، أن الخوف، مع ما يحمله من مرارة وسلبية، يشكّل أحيانًا أداة معرفيّة، خاصة في مرحلة التشكل النفسي والوجداني لدى الطفل. وللأسف، متى تزامن هذا الخوف مع إكراهات تفوق الطفل وأهله، تتحول استعارة نهاية العالم إلى علامة دالّة على التحول العاطفي الأول الذي يترك ندبته حيّة للأبد.

  1.  سيد المقامات: التأليف والخطاب والتلقي

    تأليف: خضر بو خال/ الناشر: دار المعارف/ عدد الصفحات: 465

عندما قرأتُ عمل الناقد الجزائري خضر بو خال، الصادر حديثًا والمتوفر في معرض القاهرة الدولي للكتاب، أيقنت أنه كتاب يختلف عن بقيّة كتب النقد التقليدية المتداولة، فهو يقدم رؤية نقدية حديثة تبحث في مسألة تلقّي الأدب العربي، ولا سيما قديمه، كما يطرح العمل أسئلة غير مألوفة في فهم الشعر وقراءته خاصة. يلحظ القارئ منذ المقدمة والعنوان أن بو خال يفتح له أبوابًا واسعة نحو فهم النصوص الشعرية ولفظها، مستشهدًا بأشهَر شعراء العرب أمثال المتنبي وأبي نواس وأبي تمام، في نظر المتلقّي.

يأخذنا الكتاب في رحلة عبر تاريخ التلقي، موضِّحًا كيف تحولت أنماط القراءة لدى «السيد» المتلقي، وكيف تغيّر من مجرد «قارئ» إلى «آمر» إلى «عالِم» إلى «مستمع» ثم «مسيطر». فبينما كان الشاعر هو الصوت الوحيد المتحكم في الشعر، سرعان ما برز القارئ بتجاربه الخاصة التي أضافت للنص أبعادًا جديدة. وبذلك، أصبح المتلقي يتفاعل مخاطبًا بنية النص في كل مرة، ويحكم هيمنته على كاتبه، مما منحه قوة مكّنته من تغيير معاني الشعر عبر الأزمنة.

يواصل الكتاب كشفه عن مراحل تحوُّل المتلقي، من مستمع يوازي بين الاستيعاب والتأليف، إلى متلقٍّ يصوغ النصوص ويُثريها. تعكس هذه التدرجات صورة متكاملة لتطوُّر القارئ، كما تُثري فهمنا لطبيعة الإبداع بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية قبل أن يكون عملًا فرديًّا.

يطرح كتاب «سيد المقامات» رؤية نقدية فارقة تتجاوز الطرح الأكاديمي الجامد، ويدفعنا إلى تأمل علاقة الإنسان الملتبسة بالكلمة ومعانيها. كما يجعلنا ندرك موقعنا من النص والقراءة ونوافذها التي تأخذنا أحيانًا إلى أماكن لم يتخيلها الكاتب نفسه، خاصة في الشعر الذي لا يكتمل إلا بوجود مستمع وقارئ يمتلك روحًا شاعرة مماثلة.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام