ماذا أكتب لك عن أبرد يوم في السنة🥶
زائد: فلم عن مدينة لا يسكنها إلا الكلاب والمسنون!


يزورنا شهر رمضان هذا العام مع فصل الشتاء، وفي زحمة أيامنا ومشاغلنا الدنيوية وجرينا على عجلة الإنجاز، يدعونا هذا الشهر إلى التقرُّب من الله سبحانه وتعالى بحُسنِ التعبُّد والصلاة وقراءة القرآن، يدعونا إلى احتضان العائلة، إلى التمهُّل والتدبُّر والانقطاع عن كل ما يضرُّ أجسادنا وعقولنا ويُفسِد قلوبنا. يدعونا إلى تهذيب النفس والكفِّ عن الأذى، سواء كان الأذى باليد أو اللسان أو الأصابع التي نطبع بها في جوالاتنا.
يدعونا إلى أن نكون كرماء في مشاعرنا وعواطفنا مع الآخرين وأنفسنا، أن نخفف من أنانيتنا، وأن ندرك أنَّ الواحد فينا ليس محور الكون، بل جزءٌ من بنيانٍ مرصوص. يدعونا إلى أن نشكر الله على كل نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأن نستشعر هذه النعم كلما وجدنا أنفسنا تحت غواية الاستغراق في كآبة النفس وهشاشتها.
في هذا الصباح، يسعدنا أن يكون فريق نشرة أها! أول المهنئين، ونبارك لك قدوم شهر رمضان المبارك، قائلين:
رمضان كريم، وتقبَّل الله طاعتكم. ❤️🌙
.png)
ماذا أكتب لك عن أبرد يوم في السنة
على مرّ أيام، تصلنا رسالة من أحد قرّاء النشرة (أفترض أنه القارئ نفسه) يحثنا على الكتابة عن الشتاء؛ قائلًا في يوم: «اثبتوا لنا إنكم حولنا وحوالينا»، وفي يوم «تفاعلوا مع طلبات القراء، ليش صايرين دكتاتوريين وطغاة».
لذا ولأول مرة منذ أسبوعين، قررت هذا الصباح (صباح الأربعاء السادس والعشرين من فبراير) الذهاب إلى مقهاي الخارجي المفضل في مارينا السادسة صباحًا، في عز برد الكويت الصحراوي الذي ينخر العظم، لعلَّ جلوسي خارجًا، بدل حبس نفسي عشر ساعات في غرفة العمل في بيتي مرتديةً ثيابي المهلهلة غير المتناسقة وشعري منفوش وبدون أي مكياج، قد يلهمني كتابة شيءٍ عن أبرد يوم في السنة.
الطريق سالكة لأنَّ الكويت تعيش إجازة العيد الوطني والتحرير وأغلب الناس نيام، أهلي كلهم في إجازة بينما أنا، بحكم عملي عن بعد، لا أشاركهم هذه الأيام. سأحضر معي ديوان الشاعر السويدي توماس ترانسترومر الذي قرأته في عام 2019، على هذه الطاولة ذاتها، لأنَّ قصائده لا تُقرأ إلا شتاءً، ولعلَّها تلهمني.
ما أن أصل المقهى، يستقبلني بابتسامة دافئة أحد زبائنها القدامى، جالسًا على غير عادته خارجًا، يتدفأ بنار إحدى المدافئ الخارجية.
أعرفه منذ ما يزيد عن عشرة أعوام دون أن أعرف اسمه، وأحييه ويحييني كلما التقينا، وفي كل مناسبة سعيدة يعيشها يهديني قهوة وقطعة كعك على حسابه، وأبارك له من كل أعماق قلبي. اليوم أخبرني أنَّ ابنته حامل، ابنته التي تزوجت صيفًا وعزمني يومها على قهوة وكعك احتفاءً بها، وأن قهوتي اليوم عليه لأنه يحب أن أشاركه فرحته. وأنا أحب مشاركته فرحته، رغم كونه غريبًا تمامًا عني.
كنت في حاجة إلى هذا الاستقبال الدافئ، لأني لم أستطع النوم البارحة. كنت مغتاظة من «لايك» بارد على تهنئة كتبتها، بينما ردّت صاحبة الحساب على تهاني الأغلبية. المضحك أنَّ لا معرفة شخصية تجمعني بها، لذا هي لم تتجاوز التصرف المعتاد. على الأغلب كنت سأفعل الشيء ذاته، بل فعلتُ الشيء ذاته مع آخرين. لكن، ربما، لأنها تتابع حسابي وأنا أتابع حسابها ظننت أنّي سألقى ردًّا.
قضيت الليل وأنا نادمة أشد الندم على مباركتها، عالقة في دوامة الهواجس، أتساءل لو يجدر بي حذف التهنئة حفاظًا على كرامتي، لكن ألن يبدو تصرفي مثيرًا للشفقة؟ أجل، سيبدو مثيرًا للشفقة لأنه فعلًا مثير للشفقة، وينمُّ عن تفكيرٍ تافه.
أصابعي تؤلمني اللحظة، لكني منتعشة ومعنوياتي مرتفعة على خلاف الأسبوعين الماضيين. أفتح ديوان ترانسترومر وأول ما تقع عيناي عليه بيتٌ حددته بالقلم الرصاص قبل ستة أعوام:
«ألعاب طفولتنا تكبر معنا، إلى أن تغدو عمالقةً تلومنا على عدم ملاحقة أحلامنا.» لا، لن أستغرق في هذه الدوامة من جلد الذات على عدم تحقيق الأهداف مقارنةً بما حققه الآخرون على مر الستة أعوام، وأهدر هذا الصباح الشتوي حيث أمعن النظر إلى البحر أمامي وأصغي إلى صوت النوارس والعصافير.
أعود إليك بعدما جاءتني صديقة تعرفت عليها من جلوسنا معًا في المقهى ولا تتجاوز علاقتنا حدود هذا المكان وصدفة الالتقاء، تطمئن على وجودي وإن كنت أشعر بالبرد، إن كنت في حاجة إلى زوج كفوف فهي لديها زوجٌ إضافيّ في السيارة. يسري الدفء فيَّ لاهتمامها، وأريها زوج الكفوف مقطوعة الأصابع لكي يتسنى لي الطباعة على اللابتوب.
منذ طفولتي أحب الشتاء، ليس فقط لأنه فصلٌ رومانسي، بل لأنه الوقت الذي ينقذك فيه الآخر وأنت وحدك في غمرة البرد والثلج. لو كنت من جيلي ستتذكر مشهد والدة سباستيان في «بيل وسيباستيان» حين انتشلوها من الثلج على آخر لحظة. وستتذكر فلم الكرتون الروسي «ملكة الثلج» الذي كان يُعرَض صباح أول يوم عيد على تلفزيون الكويت، حين تنقذ الفتاة صديقها الفتى من تأثير ملكة الثلج التي حبسته لديها بعدما جمدَّت قلبه وأصبح قاسيًا، وما عاد يلهو خارجًا.
مهما بلغ تطوّر التقنية ومهما تطوَّرت أنسنة الذكاء الاصطناعي وتعددت العوالم الافتراضية التي نعيشها على منصات التواصل الاجتماعي، سيظل الشتاء يذكّرنا أنَّ لا شيء يعادل الدفء الذي تناله من طيبة إنسانٍ آخر في حياتك الواقعية.
أجد الآن قصيدةً أخرى من ديوان ترانسترومر، رسمت أعلاها قلب حب، والقصيدة تقول:
في صباحٍ شتويّ تشعر بالأرض تندفع نحوك مهتاجة،
عصوف الريح الهاربة من مخابئها تصفع جدران بيتك.
وفي غمرة هذه الجلبة المضطربة خيمةُ السكينة،
الدفّة السريّة التي تقود السرب المهاجر.
ومن أعماق الشتاء الكئيب
معزوفة أورقن تنبعث،
تعزفها آلاتٌ خفيّة.
وإذ بك كأنك تقف في صباحٍ صيفيّ
أسفل شجرة الليمون الباسقة.
طنين عشرة آلاف حشرة تصفق أجنحتها
أعلى رأسك.
هكذا، في أبرد يوم في السنة، أعود إلى بيتي وقد استعدتُ خيمة السكينة، ممتنةً للقارئ الذي حثني على التواصل مع ما حولي وكتابة تدوينة عن الشتاء. فإن كنتَ وحدك، أو يساورك إحباطٌ من أي شيء، غادر قوقعة الكرة الثلجية، سواء كانت قوقعة بيتية أو قوقعة تصفّح جوّالك ليلًا. ستجد ابتسامة دافئة تنتظرك خارجها.
شبَّاك منوِّر 🖼️

يحكي فلم «الكلب الأسود» ( Black Dog) قصة إحدى مدن الصين المحاذية لصحراء جوبي القاحلة، حين خرج «لانق»، موسيقي الروك الشهير وأحد محترفي قيادة الدراجات النارية، من السجن بعد قضائه حكمًا على جريمة قتل لا نعرف تفاصيلها، ويتفاجأ عند خروجه بخلو المدينة. فالصين بأسرها على قدم وساق للتحضير لألعاب أولمبياد بكين 2008. 🇨🇳🥇
ترك الموظفون أعمالهم في المدينة الصغيرة بحثًا عن فرص عمل أفضل في المدن الكبيرة، وتركوا خلفهم كلابهم التي أحبوها يومًا وأفراد عائلاتهم الكبار بالسن. يتمشى «لانق» بين الأحياء الفارغة ويتعرف عليه الجميع ويحاولون الحديث معه، لكن عدد الكلمات التي نطقها البطل في الفلم تعد على الأصابع. ويمكننا تخيل كيف تغيرت شخصية موسيقيّ ومحترف ركوب دراجات صاخب إلى شخص صامت، وكأن روحه هُزِمَت. 😔
في أحد الأيام تنظِّم الشرطة مجموعة، من ضمنهم «لانق»، لاصطياد الكلاب الضالة، وبالأخص كلب أسود شرس هاجم العديد من الناس وسرت الشائعات بإصابته بالسعار. نستشف في هذه المشاهد الطريفة والمحزنة رهافة البطل؛ فهو يتعمد ألا يصطاد أي كلب، بينما يعزم على توطيد علاقته بالكلب الأسود الذي عضّه وهاجمه عدة مرات. 🐕🦺
حاجة «لانق» إلى محبة الكلب كانت ماسّة، إذ رغم تقبل البعض وجود «لانق» وترحيبهم به يمكننا رؤية الذنب على ملامحه، ورغبته في الصمت فقط دون العزلة، وهنا يأتي دور كائن حي لا ينطق. لم يسعَ «لانق» إلى اقتناء كلب لطيف ومُحب بفرو كثيف، بل اختار كلبًا شرسًا ضالًا نحيلًا؛ فكلاهما بحاجة إلى بعضهما، ولا يريدان من الناس التعامل معهما على أنهما محطَّمين وبحاجة للإصلاح. ❤️🩹
طيلة مشاهدتي الفلم لم أتمكن من تجاوز فكرة التخلي عن الكبار بالسن والحيوانات الأليفة، وكأنه مرآة تعكس حقيقة المجتمعات التي تتبعثر أولوياتها عندما يتعلق الأمر بنجاح عالمي. وينطبق الأمر علينا كأشخاص وعائلات، وتخبّطنا المستمر كل مرة تطل فرصة برأسها وتنادينا، مما دعاني للتساؤل: هل أولوياتي ثابتة؟ وكيف أضمن ثباتها ومرونتها في الوقت نفسه؟ 🥲
🧶إعداد
شهد راشد
لمحات من الويب
«الملل من الأخلاق المطبوعة في الإنسان، وأحرى لمن دُهي به ألا يصفوَ له صديق، ولا يَصحَّ له إخاء، ولا يثبت على عهد، ولا يصبر على إلف، ولا تطول مُساعدته لمُحب، ولا يُعتقَد منه وُدٌّ ولا بغض.» علي بن حزم الأندلسي
من أي فرو صُنِع فنجان الشاي؟
تابع الذكاء الاصطناعي وهو يلعب «بوكيمون» على قناة سويتش.
لماذا ما عدنا نرى إبداعًا في تصميم الهويات التجارية؟
ليه جهز الأكل قعدوني.
قفزة إلى ماضي نشرة أها! 🚀
هل أصبح الاعتذار عن التأخر في الرد عادة تسيطر على حياتنا؟
لا تستهن بقوة اللطافة في مقاطع الحيوانات.


نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.