هل كان «نورة» على قدر التوقعات؟ 🎥

فِلم «نورة» جيد بشكل عام لكونه لا ينتقد بصريح العبارة ولا يتغذى على «حنينية» زمنية.

فلم «نورة» / تصميم: أحمد عيد
فلم «نورة» / تصميم: أحمد عيد

هل كان «نورة» على قدر التوقعات؟

علي حمدون

أكثر ما كان يؤرق الرسامين المسلمين، سواء أكانوا عربًا أم تُركًا أو حتى فرسًا، هو عين الفنان الغربي التصويرية. ومن باب الاقتناع بقدراتهم المحدودة وإيهام ضمائرهم اللوامة بشرعية ما يقومون به كانوا يسمّون أنفسهم «رسامين»، أما الغرب فقد كانوا «مصوِّرين» بسبب ثورة ما يسمى «البورتريه» حينها. 

وكحال الاعتقادات السائدة التي لازمتنا منذ تلك العصور وصولًا إلى تسعينيات القرن الماضي، الذي تدور فيه أحداث فلم «نورة»، كانوا يعتقدون أن العذاب الذي جاء في الحديث النبوي هو للمصوِّرين وليس لهم، وعلى أثر ذلك سيطلب الله منهم بث الروح في الأشكال التي ابتدعوها، ولكنهم لن يستطيعوا بث الروح في أي شيء؛ لذلك سيذيقهم الله العذاب. فأصبح هذا الفن المحرم نقمتهم لوحدهم! 

ثم ابتُكرَت لاحقًا الكاميرا!

المعلومة الثورية الأخيرة انبثقت بصوت صديقي الجهوري، في أثناء تأمله أحد مشاهد فلم «نورة» الأخيرة التي تطلبت حلولًا بديلة عوضًا من مخاطر الرسم الذي يتطلب أدوات كثيرة في قرية متشددة تضاعفت فيها فكرة التحريم، كحل بديهي يقي المرء عناء المجازفة والعقوبة. حيث تساءل مستفَزًّا: «ليش الأستاذ نادر ما جاب كاميرا يصوّر فيها نورة عوضًا عن المخاطرة ورسمها؟»

«هي طلبت منه ذلك يا ذكي! طبعًا دون ذكر الكاميرا التي قد تكون اختراعًا شيطانيًا بالنسبة لهم، وعقوبة وجودها أشد من الرسم، حتى أدوات الرسم صنعها نادر بشكل بدائي من المواد المتوفرة من القرية لطرد الشك!»

هكذا أخرستُه بفوقية ملقّنًا إياه بعض مشاهد الفِلم الذي تتمحور أحداثه حول علاقة تنشأ بين من يمارس الرسم التصويري (نادر)، ابن البلد الأقل أجنبية عن الأجنبي بالنسبة إلى القرية التي جرى تعيينه فيها، وبين «نورة» التي تعيش حياة رتيبة، في عزلة تامة داخل القرية الصحراوية الميكروسكوبية الحبيسة لجينٍ أيديولوجي قديم! 

يبدأ الفِلم بـ«نادر» الذي يمثل دوره يعقوب الفرحان، وهو يقدم نفسه للقرية كمعلم للأطفال على استحياء، من باب «من لا يُدرك نسبه لا يرفع صوته»، في بيئة ترحب بالمؤتلف وتنبذ المختلف كما يتضح من أول لقاء له مع شيخها «أبو سالم»، الذي يؤدي دوره الفنان عبدالله السدحان، والذي انتقص من ملابسه فورًا!

هذا ما جعل «نادر» يمارس هواية الرسم سرًا بعيدًا عن أعين سكانها الذين يربؤون بأنفسهم عن لوثة تَحضُّر المدينة، كرفضهم إدخال الكهرباء. وقد نستنكر في البداية هذا الفعل الذي لا ينتمي إلى حقبة متطورة مثل التسعينيات، بل ينتمي إلى الحقبة التي حارب فيها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه اعتقادات متطرفة في أثناء محاولته إدخال تقنية التلقراف، التي قال عنها أحد المشايخ المتشددين: «هذه أشياء ناشئة من استخدام الجن!» 

تسكن «نورة» -التي تمثل دورها ماريا بحراو- مع عمتها وزوج عمتها منذ أن فقدت والديها في حادث سيارة وقع على الطريق في أثناء عودتهما إلى المدينة بعد زيارة للقرية. وتتحايل على الملل وانحسار البقعة الجغرافية والفقر، والمتنفس المفقود من خلال المجلات التي تشتريها سرًا من بائع البقالة، وتطّلع من خلالها على أخبار العالم والمدينة والفنانين. وتقتني أشرطة الكاسيت وتكرر الاستماع إلى الأغاني نفسها التي تستحضر من خلالها فكرة العيش في المدن، كتكرار أغنية «شرطان الذهب» للمطرب راشد الماجد، التي أظن أن الترميز لمدينة الرياض يحضر فيها بجزئية: «وان سكت تسكت معه كل الرياض»، وسط غياب تام عن ذكر الرياض صراحةً؛ فقد كانت توصف بـ«المدينة» كما كانت قريتهم توصف بـ«الديرة».

وقد كان لوصف «المدينة» إيحاء موجه لعدة مدن من رأيي، وهذا ما تلمسته في أثناء تصفح «نورة» إحدى المجلات التي تناولت تفجير أبراج الخبر في عام 1996، الهجوم الإرهابي الذي استهدف مكان إقامة قوات التحالف الأمريكية. وبسبب هذا الاستجلاب نجح المخرج في استحضار القوى الظلامية التي كان ينخرها التطرف ورعب التجربة المريرة لدى المشاهدين من أمثالي، حيث أسهمت بعض التفاصيل في تعزيز إدراك الأبعاد الأيديولوجية المتباينة التي كانت تزخر بها تلك الفترة التي قصدها الفلم. كيف لا أتذكر حادثة طاولت منزلنا بسبب قربه نسبيًا، وتركت جروحًا بوجه أخي بسبب اندفاع الباب عليه!

وفي أثناء متابعة سير الأحداث لاحظت أن هناك قواسم مشتركة بين فلم «نورة» للمخرج توفيق الزايدي والفلم الذي شارك في مهرجان كان العام المنصرم «About Dry Grasses» للمخرج التركي نوري جيلان، من حيث الصراعات الداخلية للشخصيات والصدامات الثقافية. قصة الفلم التركي أيضًا تتحدث عن «ساميت»، مُعلّم الفنون الذي يجري تعيينه في قرية شرقية نائية تتذمر من انقطاع الكهرباء باستمرار، على عكس قرية «نورة» السادرة في رملها وسمرها، الرافضة فكرة الكهرباء والمتذمرة من فكرة احتمالية قدومه باستمرار. 

أما بطلة فلم نوري جيلان فقد كانت معلمة لغة إنقليزية تدعى «نواري». وقد نجح المخرج التركي في توظيف الشخصيات المتناقضة في حوارات غابت عن فلمنا «نورة»، إذ خلقت اضطرارًا لملء أوقات الصمت والفراغ، ليستغل نوري جيلان تلك الفسحة في خلق نقاشات وجودية مستفيضة قُدِّمت برفقة شاي «الضيافة» الذي كانت تزداد مرارته مع كل جلسة ابتُدعَت بغرض التبرير أو التنوير!

ومن السمات المشتركة لدى المعلمين في الفلمين الأحكام المسبقة والضغينة المبطنة، وإن ظهروا بصورة الوسطيين. التركي يعتقد أن للقرية موسمين، إما شتاء وإما صيف، في إسقاط واضح وصريح، أما «نادر» فيعتقد أن الناس نوعان: ناس ترى الظلام وناس ترى النور وفقًا لبصيرته: الأول يمثل الصيف في البيئة الشتائية القارسة، والآخر يمثل النور في البيئة المظلمة، وكأنَّ الأخير أشبه بالكهرباء التي يرفضها سكان القرية. 

وعلى ذكر التنوير، كلا المعلمين حاولا توسيع أحلام الطلاب التي كانت لا تتجاوز البقعة الجغرافية للقرية، ولكن شهدنا مع المعلّم التركي أسباب تطور علاقته بطلابه وأسباب الانهيار الذي حصل بعدها، أما مع «نادر» فقد تطورت علاقته بـ«نايف» شقيق «نورة» الصغير، دون أي لحظة مفصلية تسببت في تشكيل العلاقة. وكأن هناك حدثًا أُهمِل بين مشهد الطفل الذي كان يمارس أبويته على أخته الكبرى ويرميها بالأحجار طاردًا إياها بسبب تحرجه من قدومها إلى المدرسة، وبين المشهد الذي كان يرافقها فيه إلى منزل المعلم ليلًا سامحًا لها بكشف وجهها!

هذه الفجوات حضرت بشكل مستمر، حيث نجد «نادر» يلبي الدعوات، لكنه لا يدخل المنازل ولا يعرفنا إلى طبيعة الحوارات التي استُدعِيَت وأسهمت في تشكيل انطباعه، كشخصية لم تُختبَر بالنسبة إليّ كمشاهد بما فيه الكفاية. مع ذلك كان الرتم بالنسبة إلى بيئة منكفئة على ذاتها ويغلب صمتها على بوحها مقنعًا نوعًا ما. 

إي نعم، الصورة المكررة تخلق عادة تعزز من تجربة المشاهد العالق مع المعلم في هذه القرية المحدودة، حيث يحضر الملل كامتداد للتجربة الجمالية: منزل بدائي ودكان وخيمة ومدرسة، وسط غياب للمسجد الذي برأيي يصبح أحيانًا أكثر من دار عبادة. إلا أن المخرج أخذ عين «نادر» كفنان ووظفها في عدسته، وكان يمتلك طاقة شعرية فوتوغرافية سواء في المشاهد الداخلية أم الخارجية التي كانت تعوض الغيابات التي نظن أنها لو عولجَت لعزز ذلك قيمة العمل. وكم تمنيت حضور المشاهد الخارجية الجمالية تزامنًا مع مشاهد الفنان «نادر» في أثناء تجواله وتشبعه البصري والفكري بناء على هوايته وشخصيته المتأملة. 

الفِلم جيد بشكل عام لكونه لا ينتقد بصريح العبارة ولا يتغذى على «حنينية» زمنية، بل ينقلك في عملية أشبه بالتحوّل إلى «فوتون» والسفر عبر الزمن للتفاعل مع أصالة الحدث. لكن الحبكة لم تكن موفقة، إذ لم تقنعني فكرة أن تكون المهمة الموكلة إلى الأستاذ «نادر» والمتسببة في قدومه للقرية هي رسم الفتاة «نورة» تنفيذًا لرغبة جدّها من أمها الذي يعيش في المدينة، ولم يستطع رؤيتها بسبب رفض جدّها من أبيها خروجها من «القرية»، وسعيه إلى تزويجها أحد سكانها، حتى إننا لم نشهد أكان جدها من محبي الفن أم لا! 

أعترف بأن العمل زرع عدة تساؤلات على لسان صديقي المزعج الذي أخذ يعلّق على غياب الكيانات المجهولة الهوية كاستفسار «نورة» حيال هوية المتسببين في حريق الأفلام والأغاني في المدينة، ليرد «نادر» بكلمة واحدة: «ناس»!

هذه إجابة غير واضحة، مثل المدينة المجهولة غير المحددة الاسم. أما تساؤله الأكثر إزعاجًا فقد كان حيال علاقة «نادر» بالبقال «مظهر» الذي يستورد منه سرًا الجرائد والمجلات والسجائر التي يدخلها خلسة من المدينة: لماذا لم يطلب منه الألوان وعدة الرسم عوضًا من شقاء صناعتها، ولا سيما أن الأخير يدرك سر الاتفاق بينه وبين «نورة» ! 

أما بالنسبة إليّ فالفلم بدأ من نهايته، حيث لوحة «نورة» في المتحف كتجربة جمالية استقصائية معنية بتتبع قصة «لوحة» لا من البداية التي شاهدتها، وهكذا سأبدأ من مرِّ التجربة لا من «نادر» غير المنتفع من مهمته الاندساسية، وسأستبدل في المشاهد التالية خطيب نورة «ظافر» الشخصية الجانبية المؤثرة في سير الأحداث، الذي كان حضوره ضائعًا لحظة صفعه لكرامة «مظهر»، وغير متماهٍ مع اللحظة العاطفية التي كانت تتطلب منه ردة فعل ساخطة، وهذا السخط غاب حتى في لحظة كشفه «نورة» المهربة في سيارة «نادر» القراند ماركيز التي لم تبد عضلاتها الأمريكية أي مقاومة في أثناء ما كان يفترض أن يكون مطاردة في الطريق الصحراوي. 

وعلى ذكر الممثلين، قدم القدير عبدالله السدحان أداءً، تلفزيونيًا نوعًا ما، ناجحًا بالنسبة إلى الفلم، ولم يفتقد على الرغم من قلة ظهوره سوى لمسة بسيطة تنقله إلى عالم التمثيل السينمائي. أما يعقوب الفرحان فقد كان مقنعًا وفقًا للمساحة المعطاة له، والشيء نفسه كذلك لماريا بحراوي التي خاضت تجربتها الأولى مجسدة دور فتاة تنتمي إلى حقبة لم تعشها، ولكنها فشلت في تقديم الإنكار «المبطون» الذي لم تظهر بواعثه في نهاية الفِلم، وأقصد عندما استحضرت الحادثة التي تعرض لها والداها، ولربما اعتدنا كمشاهدين على الداء الذهاني المعتاد في الأفلام التي يتواجه فيها البطل مع صدمة ماضيه. 

عمومًا، يضاف الفلم إلى قائمة الأفلام ذات التقييم «6/10» المفضلة لدي؛ لكونه يمتلك قصة شيقة كتبت بلهجة نألفها، عدا أن المعاناة حضرت في طريقة سردها. 🍿🙂

اعتراف أخير: الصديق المرافق المزعج الذي ساءتكم إساءتي إليه طوال المقالة هو في الحقيقة «حبكة» مكتوبة، ليس سوى المشاهد بداخلي الذي يركّز دائمًا على البديهيات، ومن يُلقِي تعليقاته على عواهنها بحماقة قد تُبدِي له سوأته، وقد تُظهِر أحيانًا مدى بساطته النقدية. 


فاصل ⏸️


فلم « Coco»
فلم « Coco»

  • يعرض اليوم الفلم المنتظر «A Quiet Place: Day One» من بطولة لوبيتا نيونقو وجوزيف كوين. يتناول هذا الجزء المرحلة ما قبل ظهور الوحوش، ويسرد قصة امرأة تقضي يومها برحلة إلى مدينة نيويورك، فتتفاقم الأمور بسرعة أثناء وجودها هناك. (والسؤال اللي يخطر لنا في صمت: هل «البريكوال» بدون إيميلي بلانت سينجح مثل «السيكوال» مع إيميلي بلانت؟ 🤫)

  • حقق فلم الرسوم المتحركة والمغامرات «Inside Out 2» إيرادات تجاوزت 700 مليون دولار خلال تسعة أيام فقط من عرضه. الفلم في طريقه ليصبح أول فلم يحقق مليار دولار في شباك التذاكر العالمي خلال العام الجاري. (يا ليت تتعلم ديزني الدرس وتتوقف عن إعادة تكرار أفلامها الكلاسيكية وتركّز على إبداع أفلام جديدة.🙄)

  • صرَّح المخرج آدم مكاي أنه حاول إخراج فلم «The Boys» كثلاثية في عام 2008، لكنه لم يستطع الحصول على التمويل اللازم لأن هوليوود لم تكن مستعدة للمشروع قبل ثورة عالم مارفل السينمائي. (صدق من قال: كل تأخيرة فيها خيرة! 🦹🏻‍♂️ ) 

  • يعكف المخرج ديفيد فينشر على تطوير النسخة الإنقليزية من مسلسل «SQUID GAME» مع الكاتب دينيس كيلي. (يا ليته عكف على إخراج موسم ثالث من «Mindhunter»!😡) 

  • يعود مخرج وكتّاب ونجوم فلم «فورست قامب» مجددًا بعد ثلاثين عامًا في فلم «Here» المقتبس من قصة ريتشارد مكقواير المصورة. العمل يتناول أحداث غرفة جلوس في بيت أسرة خلال مئة عام، والكاميرا ثابتة لا تتزحزح عن مكانها طيلة الفلم، وتوم هانكس وروبن رايت يظهران في سن الشباب بفضل تقنية «تصغير العمر». (تخيل إنك تشاهد فورست قامب في بُعْد كَوْني ثاني تعيش فيه البطلة جيني وما تموت! 🙃) 


فلم «Soul»
فلم «Soul»

اليوم نقول أكشن في هذا المشهد من فِلم «Soul» الذي أنتجته شركة «بيكسار» عام 2020. جو قاردنر، مدرس موسيقى يحلم بأن يصبح عازف بيانو محترف بدوام كامل مع أشهر فرق الجاز الموسيقية. وبعد اقترابه من حلمه يموت في حادثة، فتبذل روحه المستحيل للعودة للحياة من أجل الظفر بالفرصة. 

في هذا المشهد يتحقق له ذلك، ويقدِّم جو قاردنر أداءً عظيمًا تمرَّن عليه لسنوات طويلة، فتنتهي الليلة دون أن يشعر بأي شيء مميز سوى الفتور. هنا تخبره دوروثيا قصة السمكة الصغيرة التي سألت السمكة الكبيرة عن المحيط، لترد عليها السمكة الكبيرة: المحيط؟ أنتِ فيه الان .. فترد السمكة الصغيرة بتعجب: هذا ماء .. ما أريده هو المحيط! 

بعد متابعتنا طيلة الفلم رحلة تنافي العقل لروح يائسة تود العودة للحياة لكي تحقق حلمها، تصلنا نحن أيضًا الرسالة من خلف حكمة السمكة الصغيرة، بضرورة الانتباه للتفاصيل الجميلة التي نهملها ولا نعيشها حقًّا بسبب الجري وراء أحلامنا وتكريس حياتنا لشغف واحد فقط. وصدفة صدور الفلم مع جائحة كورونا واستيعابنا جميعًا التفاصيل الصغيرة التي كانت تسعدنا لكن أهملناها عمَّقت من تأثير القصة.

هنا تكرِّر «بيكسار» نجاحها في المعادلة القصصية التي تتقنها: مقاربة مخاوف البالغين ومبعث قلقهم وصراعهم الوجودي من خلال فلم أنيمشن طفولي دافئ المشاعر، وفي رحلة مثيرة للخيال تشارك البالغ حكم القصص الطفولية التي لا يكبر أحد على صحّتها، وتكشف له حقائق عن دواخله وحياته الواقعية.

في عام 2021، رشّح الفلم لجائزة الأوسكار عن فئة «أفضل فلم أنيميشن»... ونالها بكل جدارة.


فلم «Inside Out 2»
فلم «Inside Out 2»

«إنسايد آوت تو» يستحق المشاهدة حتى إن كان تكرارًا خاملًا للأول 👱‍♀️

آمنة عدنان العطاس

قد تحتوي المراجعة على بعض الحرق! 🔥

صدر هذا الشهر (يونيو 2024) الجزء الثاني من فلم «قلبًا وقالبًا» (Inside Out 2)، وقد كان الجزء الأول من أفلامي المفضلة، وسأشارككم أفكاري حول الفلمين.

تتمحور قصة «Inside Out 2» حول تجسيد المشاعر كشخصيّات (ذكور وإناث) في عقل «رايلي». تحدَّث الجزء الأول عن «رايلي» البالغة من العمر أحد عشر عامًا، وانتقالها المفاجئ، من مسقط رأسها مينيسوتا إلى سان فرانسيسكو، ومشاعرها المضطربة جراء هذا الانتقال. وفي الجزء الأول يوجد خمسة مشاعر: الفرح والحزن والاشمئزاز كإناث، والغضب والخوف كذكور، وكان التركيز الأكبر على الفرح والحزن.

تجري أحداث الجزء الثاني بعد سنتين من أحداث الجزء الأول، ويتحدث عن ظهور مشاعر جديدة في مركز التحكم (عقل رايلي): التوتر والحسد والملل كإناث، والإحراج كذكر، ورغبة التوتر في صنع نسخة جديدة من «رايلي»، بسبب انتقالها إلى مدرسة جديدة حيث لن تجد صديقاتها وأيًّا من معارفها.

أحببت في القصة بناءها لعالم كامل داخل الدماغ، والتعقيد والتفاصيل التي فيه، لكن كان الجزء الثاني خاملًا نوعًا ما، ولم يمتلك نفس التأثير القوي للجزء الأول. ففي الجزء الثاني تكرار لأفكار الجزء الأول حول تقبُّل المشاعر، وكل الذكريات الجيدة والسيئة، ويتحدث الجزء الثاني بشكل كبير عن الفكرة نفسها.

صحيح أنهم أضافوا أفكارًا جديدة مثل أن التغير لا يعني ترك الذات السابقة بل دمجها مع الذات الجديدة، لكن التركيز على نفس أفكار الفلم الأول جعلني أعتقد أن «رايلي» لم تتعلم مما حدث في الجزء الأول، ونحن لم نر تطورًا حقيقيًّا للمشاعر القديمة (الفرح، الحزن، الخوف، الاشمئزاز، الغضب). كنت سأفضّل لو ركز الفلم على وقت مختلف من حياة «رايلي» أو فترة زمنية أطول من حياتها، لأن التغيير الذي حصل لم يكن كافيًا في رأيي.

عندما أشارت «الحزن» (المُجسَّدة كفتاة) إلى كون جزيرة العائلة أصبحت ضئيلة للغاية مقارنة بجزيرة الصداقة ظننت أنهم في النهاية سيشيرون إلى فكرة أن العائلة دائمًا معنا لترشدنا وهي أساس نضجنا ومبادئنا، إلا أنني وجدت تهميشًا واضحًا لدورها، مع أن َّفلما يفترض أن يتحدث عن نفسية المراهقين واضطراباتهم العاطفية، لا بد أن يكون للعائلة دور أساسي فيه، هذا مع أننا رأينا دورها الكبير في الجزء الأول.

كان هناك فتاة محجبة في الفلم، ولكن حتى في الأماكن المغلقة التي لم يكن فيها سوى الفتيات كانت لا تزيل حجابها أبدًا، وهذا ما أعطاني انطباعًا بأنه لم يتم إيلاء الاهتمام الكافي بالبحث في سلوك المسلمات المحجبات وطبيعة الحجاب.

في القصة جرى إظهار مشاعر شخصيات أخرى غير «رايلي»، مثل والد «رايلي» ووالدتها وشخصيات ثانوية أخرى، لكن امتلك جميعهم مشاعر من نفس الجنس، فكانت جميع مشاعر الوالدة إناثًا، وجميع مشاعر الوالد ذكورًا. امتلكوا جميعًا مشاعر مشابهة لمظهرهم الخارجي، مثل لون الشعر والحلي والصوت المتقارب إلخ… بينما امتلكت «رايلي» مشاعر من كلا الجنسين، ولكل شعور مظهره المميز والفريد. أتفهّم أن المشاعر هي الشخصيات الرئيسة ويجب أن يتميز كل منهم عن الآخر، لكن هذا يكسر قوانين العالم بشكل غريب.

أعجبني في الجزء الثاني التركيز على فكرة المبادئ. ففي كثير من الأحيان، عندما تكون محتارًا فيما تفعله، تشع مبادئك لتقطع الشك باليقين، وقد جرى تجسيد ذلك بشكل رائع. إضافة إلى أنه في نهاية الفلم، عندما اجتمعت جميع الذكريات الجيدة والسيئة، لتكوّن جميع معتقدات «رايلي» عن ذاتها، عانقت جميع المشاعر تلك المعتقدات (التي جُسّدت بأشكال شبيهة بالزهور) في دلالة على أن «رايلي» تقبلت كل جزء من ذاتها، وقد شعرت حينئذ بالدفء والسكينة.

وأكثر ما أعجبني تمثيل الفلم فكرة أنه عندما نتوتر ونرتبك، ندخل في عاصفة قوية من الأفكار، وإن لم نتعامل معها بالشكل الصحيح، قد تتسبب في إيذائنا بشدة.

أعجبني الفلم، قد لا يصل إلى مستوى الجزء الأول، لكنه جميل ولطيف، وأنصحكم بمشاهدته. 

أتمنى أنكم استمتعتم بقراءة هذه المراجعة، وشكرًا لوقتكم.

  • ملاحظة رئيس التحرير: آمنة العطّاس كاتبة من مواليد نوفمبر 2012، وعدا التدقيق الإملائي والنحوي لم نجرِ أي تعديلات على مراجعتها.


فلم «وقائع سنين الجمر»
فلم «وقائع سنين الجمر»

أكيد يخطر على بالك أسماء أفلام عربية حققت حضور ناجح في مهرجان «كان»، آخرهم فلم «نورة» اللي نال احتفاء عالي من الجمهور وإدارة المهرجان. لكن إلى الآن، فلم عربي واحد فقط فاز بجائزة «السعفة الذهبية» وهذا الفلم هو «وقائع سنين الجمر» (Chronique des années de braise) الجزائري. 

فاز الفلم الملحمي فيها عام 1975 بعد منافسة شديدة مع مارتن سكورسيزي عن فلم (Alice Doesn't Live Here Anymore) ومايكل أنجلو أنطونيوني عن فلم «المسافر» وفيرنر هيرزوق عن فلم «لغز كاسبر هاوزر». وهذي أول معلومة نشاركك إياها اليوم في دريت ولا ما دريت. 🇩🇿🎥

  • ولد محمد الأخضر حامينا عام 1934 في مسيلة، بالقرب من مدينة سطيف الجزائرية. وبعد مغامرات مدهشة مع المدارس الابتدائية والثانوية وطرده منها بسبب أفكاره المشاكسة، وصل إلى كلية الحقوق في جنوب فرنسا. هناك جُنّد بالقوة في الجيش الفرنسي، فهرب بعد شهرين متوجهًا إلى تونس عام 1958، وانضم إلى قسم الإعلام في دوائر الحكومة الثورية الجزائرية المؤقتة. وهكذا بدأت حكايته مع السينما في تصوير الأفلام النضالية التسجيلية. 

  • مع إنَّ الفلم نقل معاناة الشعب الجزائري إبان الاستعمار الفرنسي من مجاعة وفقر ومرض والنزاع على المورد المائي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، إلا أنَّ البعض اتهم الفلم بأنه موالٍ لفرنسا، وزعموا أنَّ هذه الموالاة كانت سبب فوزه. واستندت حجتهم إلى أن الفلم ركَّز بشكل كبير على التناقضات داخل صفوف الجزائريين أنفسهم، مما يعني أنَّ تآكل الثورة كان بسبب قادتها وأعضائها. فكان رد حامينا: «لم أقدم هنا فلمًا تاريخيًا، هو رؤية شخصية تستند إلى وقائع محددة. ولم أزعم أبدًا تقديم رؤية شاملة لما كانت عليه الجزائر خلال تلك الفترة التاريخية، خاصة أنني كنت شخصيًا أعيش في قرية صغيرة خلال تلك الفترة.»

  • الفلم لم يلقَ اتهامات جزائرية فحسب، بل نال نصيبه من الاتهامات الفرنسية الأشد لهجة والأشد خطرًا على حياة المخرج، لأنه أثار غضب مناصري الجيش الفرنسي السري، ودفعهم إلى إصدار بيان يهددون فيه المخرج محمد الأخضر حامينا وأولاده الثلاثة بالقتل ردًا على الاتهامات الموجهة للجيش الفرنسي بارتكاب مجازر ضد الجزائريين. فأمر وزير الداخلية بتشكيل فرقة كوماندو خاصة لحماية حامينا وعائلته وأسرة الفلم طوال فترة وجودهم في مهرجان «كان» وفي فرنسا عمومًا. والحمدلله الأمور مرَّت بسلام. 

  • ظهر المخرج حامينا في الفلم من خلال أداء دور المجنون، وفسّر النقاد دوره بأنه يمثّل ضمير التاريخ لأنه لا يشهد فقط على الأحداث بل يعطي سياق لها؛ وبما أنَّه مجنون بوسعه الكلام بكل حرية. أيضًا هي امتداد لشخصية «مجنون القرية» الشائعة في الأدب الإفريقي الشمالي.  

  • الرسالة التي قدمها حامينا في فلمه حول تأثير الغيبيات على العقلية الجزائرية، دفعت الرئيس الجزائري هواري بومدين حينها إلى إصدار أمر بهدم عدة أضرحة وزوايا كان الجزائريون يتجمعون حولها طلبًا للمباركة.

  • إذا تتصور إن الفوز بـ«السعفة الذهبية» شرَّع الأبواب للمخرج حامينا فالعكس هو اللي صار. تقرَّر وقف التمويل عن أفلامه لأنَّ اعضاء جبهة التحرير انزعجوا من صورة الشعب غير الاشتراكي في أفلامه، ولأنَّه صوَّر جزائر فلاحية لا جزائر صناعية ثورية كما حلموا بها. 

  • في عام 2023، صدرت نسخة مرممة من الفلم عملت عليها مؤسسة السينماتيك الملكية البلجيكية بتمويل من مؤسسة «جورج لوكاس العائلية للأفلام»، وعُرضَت في «مهرجان الترميم» في بروكسل ضمن مجموعة من الأفلام الكلاسيكية التي جرى ترميمها ورقمنتها بدقة فائقة حفاظًا عليها للأجيال القادمة. 


ميم النشرة

كل أربعاء مع مهام النشرة:

النشرة السينمائيةالنشرة السينمائيةمقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.