عبيد الحرية!

كل ما في الأمر أيها الناس أني أمارس «حرّيتي» في مقاومة «البالوعة» التي انفجرت في الغرب المتحضر لتفيض على العالمين باسم الحرية والحريات.

موزّع الحريات / Giphy
موزّع الحريات / Giphy

جاء تعريف الحرية في معجم المعاني بأنها:«الخُلوص من الشَّوائب أَو الرقّ أَو اللُّؤْم»، أما المصطلح العام للمعنى فالحرية هي: «إمكانية الفرد دون أي جبر أو شرط أو ضغط خارجي على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانات موجودة».

ومن المؤكد أني لم أكتب هذه التدوينة حتى أنقل لكم التعريفات التي تعرفونها. ولكني بدأت مؤخرًا أتحسس عنقي كلما سمعت أحدًا يتحدث عن الحرية، ولا يمكنني التغاضي عن قناعتي بأن أكثر من تحدث عن الحرية في عصرنا المشؤوم هم أكذب الخلق وأشدهم لؤمًا، ولا أستطيع، حتى إن أردت، التعامي عن حقيقة أن أكثر الدماء التي سالت والأرواح التي أزهقت في العالم بشكل عام وفي منطقتنا على وجه التحديد كانت على يد دعاة الحرية. أمريكا، على سبيل المثال، وهي الموزع الرئيس للحريات الرديئة الصنع، أحرقت بلدين بما ومن فيها من أجل أن تمنحهم الحرية. هذا فقط في الفترة التي عايشتُها، وهي تجتهد في فعل ذلك منذ أن وطأت أول قدم بيضاء شواطئ القارة الأمريكية، وبالمناسبة فإني لا أعلم ما اسم تلك القارة قبل ذلك، وأنا أكسل من أن أبحث عن هذه المعلومة التي لا تفيدكم ولا تفيدني.

حين تسمع منظمة أو دولة أو مسؤولًا في دولة من الدول «المتحضرة» يتحدث عن الحرية، فيجب أن تدرك أن كلمة الحرية في هذا السياق لا تختلف كثيرًا عن كلمة «الحب» حين تستخدم من أجل التمهيد لعلاقة محرمة.

صحيح أن الحرية معنى جميل وقيمة عليا، لكن مشكلة الحرية تكمن في صنفين من البشر، الصنف الأول الذي يختار العبودية حين يملك حرَية الاختيار، والصنف الثاني هم الذين يعبدون الحرية نفسها. ومع أني أظنكم لا تختلفون معي على أن الصنفين أحدهما أسوأ من الآخر، فإني سأختار بحرية كاملة وأنا في كامل قواي العقلية أن الصنف الثاني قد يكون أسوأ حامل فكرة تختمر في عقل إنسان على الإطلاق. 

يقول أحد الزملاء الحكماء الذين نسيت أسماءهم إن أحد أكثر أنواع الغباء انتشارًا نسيان المرء غايته، وهو الأمر ذاته الذي يميز عبيد الحرية، فمن الواضح أنهم نسوا وهم في طريقهم إلى الحرية لماذا ذهبوا إليها من الأساس.

الصنف الأول هم الفئة التي لا تريد الاختيار، لا بد من أن يكون في حياتهم من يختار لهم كل شيء، بداية من ثيابهم وانتهاء بأفكارهم وآرائهم وكيف يعيشون وأفضل طريقة يموتون بها. وهؤلاء، مع أنهم خطرون على الحياة وعلى غيرهم من البشر، أقل خطورة من الصنف الثاني، ومصدر خطورة عبيد الحرية أنهم يظنون أنهم أحرار مع أنهم ليسوا كذلك. عبيد الحرية يتحررون من قيد ليضعوا آخر، حين يؤمن الإنسان بأن من حقه أن يفعل أي شيء فهو في الحقيقة يريد أن يكون عبدًا لهواه. وهي عبودية مهلكة، ولو سار بين الناس وفي رقبته قيد من حديد لكان أكثر حرية من عبودية الهوى التي يظنها انعتاقًا من القيود. 

لا قيود / Giphy
لا قيود / Giphy

ثم إن فكرة الحرية المطلقة تهدم نفسها بنفسها، الحرية بشكل مطلق ليس فيها استثناءات، فكما أنه يرى أن من حقه أن يكون بهيمة خَلقًا وخُلقًا، وأن يغير جنسه، فإن من اللازم أن يؤمن إيمانًا موازيًا بحق الإنسان أن يكون قاتلًا، أو مروجًا للمخدرات، أو عنيفًا، حتى مشجعًا أحد «أندية الصندوق». وحين يقال إن شرط الحرية هو ألا يضر غيره فهذا شرط مقيد للحرية، فمن يحق له أن يحدد الضرر، أو كون الفعل ضارًا أو نافعًا، إن قيل أإن الأغلبية أو العرف أو أي شيء آخر هو ما يضع الضوابط فهذا يعني أنه لا مجال لحرية مطلقة ولابد من حكَم أعلى يحدد الخيارات التي يمكن أن يختار «العبد» منها ما يريد. وإن قيل إن لكل إنسان الحق في وضع ضوابطه الخاصة دون اكتراث بأي ضوابط لدى غيره فهذه فوضى لا تتقبلها حتى سائبة الأنعام والدواب، ولا علاقة لها بفكرة الحرية. 

والحرية معنى يصنعه كل مجتمع حسب ضوابطه، وهي مثل الثياب، لا يعني كونها جميلة حين يرتديها أحد أنها تلائم شخصًا آخر، بل قد يبدو شكله مثيرًا للسخرية حين يرتديها. الحر يمارس حريته في دائرة يصنعها مجتمعه وأعرافه، وهذا يحدث حتى قبل مفهوم الدولة والقوانين والشرائع، بل إن لفظ الكلمة «حرّ» يعني في المعنى الدراج الشخص الأكثر انضباطاً وتقيدًا بتقاليد مجتمعه وأعرافها. 

وعلى سبيل المثال ليس إلا، حين يقول العرب :«تجوع الحرّة ولا تأكل بثديها»، فهذا يعني أن شرط حريتها هو أنها ليست حرة في التصرف بثدييها كما تشاء، ولا استخدامهما كمصدر للدخل، وحين تكون حرة بهذا المعنى البهيمي فإنها تفقد معنى حريتها الحقيقي.

ثم إني أتضرع إلى الله جل في علاه ألا يأتي من يقرأ ثم يفسر ما قلته على أني عدو للحرية، وأني مع تقييد الناس بالسلاسل ووضع الأغلال في أيديهم وأرجلهم وتكميم أفواههم. كل ما في الأمر أيها الناس أني أمارس «حرّيتي» في مقاومة «البالوعة» التي انفجرت في الغرب المتحضر لتفيض على العالمين باسم الحرية والحريات، والتي تريد أن تجعل الإنسان حرًا في أن يكون ما يريد إلا أن يكون إنسانًا.

نشرة الساخر
نشرة الساخر
منثمانيةثمانية

الحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!