«علشان تعبى أيش؟!»

لا تتخل عن تفاؤلك بأن النهاية وشيكة والسلام الأبدي آتٍ، ولا تلتفت إلى أحاديث المتشائمين الذين يروجون لفكرة أنه لا يزال في الحياة متسع للحياة.

هذا آخر الزمان / Giphy
هذا آخر الزمان / Giphy

أظن النفخ في الصور هو النهاية المنطقية للأحداث والأفكار التي تجتاح كوكبنا في الفترة الأخيرة، نحن على بعد خطوات من خط النهاية، وحين حدّثتُ بعض أصدقائي عن هذه التوقعات وصفوني بأني متشائم وسوداوي، ولا أفهم لماذا يعد البعض هذه نهاية حزينة لقصة الإنسان على الأرض؛ فالاعتقاد بقرب هذه النهاية باب عظيم من أبواب التفاؤل وليس العكس.

أحد الأصدقاء يشاركني هذا التفاؤل، وكلما دعا له أحد بطول العمر يرد مستغربًا: «علشان أعبى إيش؟!»، وهو احتجاج بلهجته يعني: «حتى أصنع ماذا؟!». 

واحد من أهم أسباب الزهد في الحياة، إن لم يكن السبب الوحيد، هو فقدان القدرة على الدهشة، أن يصبح كل شيء متوقعًا وممكن الحدوث، وهذا الأمر بالتحديد هو السمة الغالبة على إنسان هذا العصر. 

في العصور الغابرة كانت الأحداث والمواقف والسلوكيات الغريبة تخلّد اسم فاعلها في كتب التاريخ، كثير من القصائد كتبت عن هؤلاء، وكثير من الكتب جمعت مواقف هؤلاء مثل كتاب «أخبار الحمقى والمغفلين»، ولو قدّر لأبي الفرج ابن الجوزي أن يعيش في زماننا هذا لما كتب هذا الكتاب، ولما خطرت الفكرة في باله من الأساس؛ لأن نشرات الأخبار التي تعاد على مدار الساعة تعج بأخبار الحمقى والمغفلين التي يستحيل لكثرتها وشيوعها أن تدوَّن في كتاب. 

أخبار الحمقى والمغفلين والوقحين والمتناقضين تملأ صفحات وسائل التواصل والصحف ونشرات الأخبار، حتى المجالس الخاصة والعامة. 

وإنسان هذا العصر عاش كل شيء تقريبًا، عاش الثورية وحلم الحريات والافتتان بالغرب والهيام بالشرق، وتعاطف مع الجماعات المسلحة التي تمتهن القتل ومع الجماعات التي تدافع عن حق البطاريق في القطبين أن يعيشوا حياة كريمة، وافتتن بالخطب والأفلام التي تستشعر الخطر الداهم الذي يحيق بدببة الباندا ويهددها بالانقراض، ووصل إلى مرحلة أنه عاش وسمع ورأى الأشخاص أنفسهم بالوجوه الكالحة ذاتها يبررون قتل النساء والأطفال حتى الحيوانات التي تعيش في مناطق بعينها؛ لأن سكانها لا يروقون لهم. 

سمع عن قوم لوط عليه السلام واستغرب واستهجن كيف يمكن لإنسان أن يعد الفطرة السليمة خروجًا عن المألوف، ثم عاش حتى رأى وسمع وعاش مع أقوام أكثر فُجرًا وفسوقًا، ويمارسون أرذل الوسائل التي تجبر الناس على البعد عن فطرة الله التي خلق الله عليها الخلق بطريقة فجة وقحة ربما يخجل من ارتكابها قوم لوط.

سمع وقرأ عن سفن الرقيق التي استعبدت قارة بأكملها وسرقت ثرواتها، ثم شاهد بعينه تجّار الرقيق ذواتهم يتحدثون عن العنصرية ويقدمون دروسًا للآخرين عن التسامح والمساواة، ثم سمعهم وشاهدهم بنفسه وهم يقولون إن قتل آلاف الأطفال وسحق البشر في العراق وأفغانستان وفلسطين ضرورة. وأصبح الإنسان مخيرًا بين أمرين، إما أن يعيش حياته مقهورًا مستفزًا كارهًا نفسه، أو «يدربي رأسه» خلف أسطورة الرجل الأبيض ويصدق كل ما يقوله. وكلا الخيارين يعني أن الحياة ليست مهمة إلى حد التشبث بها.

لم تعد البجاحة و«سعة الوجه» مما يفاجئ الناس أو يدهشهم، تأمل أيها الإنسان المهدد بالانقراض بيانات الكيان الصهيوني ومحاججاته، لتعرف أن الكذب لم يعد شيئًا مخجلًا يحتاج إلى الحبكة التي تجعله يبدو مثل الصدق. ثم تأمل خطاب زعيمٍ قتلَ وشرَّد أكثر من نصف شعبه وجرَّب فيهم كل ما وقعت عليه يده من أسلحة وهو يتحدث منتقدًا الظلم والتهجير والقتل والتدمير الذي يمارسه غيره. تأمّل هذا كي تدرك أنه لم يعد أمامك في المستقبل ما يمكن أن يدهشك أو يجعلك تستغرب موقفًا أو رأيًا أو حدثًا. كل شيء ممكن، وكل حدث يحدث الآن أو مستقبلًا يستحيل أن يفاجئك أو يدهشك. وإن حدث فإنّ قدرتك على الدهشة أصلًا لم تعد تعمل بشكل سليم، لو فنيَ نصف الكوكب فإن دهشة النصف الباقي ستكون لحظية وباهتة.

صحيح أن إنسان هذا العصر لم يعش مع الديناصورات ولم يشاهد الآلية التي انقرضت بها، ولكن هذا ليس أمرًا من المتوقع أن يعيشه ويراه لو عاش عمرًا أطول، الكائنات الحية تتناقص ولم يعد كوكب الأرض مغريًا لأي كائن حي ليتخذه مستقرًا لحياته. حتى الإنسان نفسه لن يكون موجودًا في المستقبل بمواصفات بشرية، سيكون أقرب إلى البهيمية والوحشية منه إلى البشر. ولم تعد بوادر ظهور مثل هذه الحياة خافية أو بعيدة عن الرصد والتأمل؛ وهذا عصر ليس مغريًا انتظاره.

أين البشر؟ / Giphy
أين البشر؟ / Giphy

ليس لديّ أحلام دنيوية كُبرى على المستوى الشخصي، فأحلامي صغيرة وعدم تحقيقها لن يغير سلوك العالم ولن يؤثر في مجريات الأحداث. كنت أتمنى ألّا ينتهي العالم قبل أن أفرغ من بناء منزلي ويفوز الاتفاق بالدوري السعودي، وعلى الأرجح فإني في طريقي إلى التنازل عن هذين الحلمين الصغيرين؛ لأن تحقيقهما بات أصعب من إقناع أمريكا بأن الصهاينة لصوص تاريخ وجغرافيا. 

إن كنتَ تجد قوت يومك وتنام مطمئنًا فهذا يكفي لتعبر الحياة إلى الضفة الأخرى في سلام، وإن لم تكن كذلك فإن النجاة من مخاوفك ستكون في الضفة الأخرى، لا يفصل بينك وبينها سوى الوقت الذي ستقضيه على قيد الحياة. فلا تتخل عن تفاؤلك بأن النهاية وشيكة والسلام الأبدي آتٍ، ولا تلتفت إلى أحاديث المتشائمين الذين يروجون لفكرة أنه لا يزال في الحياة متسع للحياة.

نشرة الساخر
نشرة الساخر
منثمانيةثمانية

الحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!