فخ «سداد» للتجارة الإلكترونية

يبحث عبدالرحمن أبومالح في أسباب عجز «سداد» عن مواكبة التطور في خيارات الدفع الإلكتروني، والقصور الناتج في نمو قطاع التجارة الإلكترونية.

في منتصف الستّينيات، وقعت شركات الطيران في مشكلة عظمى. لم تكن في الطائرات ذاتها، إذ كانت في ذروة ازدهارها. فقد كشفت بوينق عن طائرتها 747، واکتظت المطارات بالمسافرين بشكل لم يسبق له مثيل.

وهنا كانت المشكلة، عدد مسافرين أكثر يعني صفوف انتظار أطول. وفي ذلك الوقت، كان المسافر يدفع قيمة التذكرة في المطار، وكانت بطاقة الصراف مختلفة تمامًا. بطاقة مستطيلة مكتوب عليها اسم صاحب البطاقة وبعض الأرقام. 

ولكي تدفع، عليك أن تقدم البطاقة لموظف التذاكر وتنتظر. فيتصل الموظف بالمصرف وينتظر. وعندما يجيب موظف المصرف، يقدم موظف التذاكر بيانات البطاقة، ويسحب موظف المصرف النقود من الحساب.

وهكذا تُدار العملية يدويًا لكل مسافر يود شراء تذكرة! لك أن تتخيل الوقت والجهد والمال الذي يهدر من أجل تذكرة سفرٍ واحدة.

حينها، كان على الشركات إيجاد حل لهذه المشكلة. قُدِّمَت الكثيرُ من الحلول، كان أفضلها شريط مغناطيسي خلف البطاقة يحمل جميع بياناتها. ولكي يتأكدوا من جدوى الفكرة، طُلبَ من «أميركان إكسبرس» المساهمة في التجربة مع شركة الطيران «أميركان آيرلاينز». واستخدموا مطار شيكاقو الدولي مكانًا للتجربة. 

كانت التجربة ناجحة بكل المقاييس. فاستخدام التقنية جعل تجربة السفر والشراء مختلفة تمامًا، ما ساهم في ازدهار الاقتصاد عمومًا.

ظلَّ العالم يستخدم هذه التقنية ويساهم في تطويرها وتطويعها بناءً على متطلبات الزمن. ومنذ بداية الإنترنت، تعمل المصارف والمؤسسات الحكومية في العالم على تطويع البطاقات لتدعم الشراء عبر الإنترنت. فكان كلّ ما على المستخدم فعله إدخال رقم بطاقة الصرّاف أو البطاقة الائتمانية، وتاريخ الانتهاء والثلاث أرقام خلف البطاقة ليتمكن من الشراء عبر الإنترنت بكل سهولة.

ما فعلته الدول تجاه هذا الأمر قبل التجارة الإلكترونية، جعل البطاقات الائتمانية شيئًا أساسيًا في المحفظة

ففي أميركا، كلّ بطاقة صراف بطاقة قابلة للشراء عبر الإنترنت ولا يوجد هناك خيارٌ لإيقافها أو تفعيلها. فعندما بدأت المتاجر الإلكترونية في الانتشار كانت عملية الدفع سهلة ومتاحة للجميع. لم تكن وسائل الدفع مشكلة لدى المتاجر الإلكترونية في أميركا وأوربا. بينما نحن، وحتى 2017، لا نزال نعاني من مشكلة عدم توفّر وسائل الدفع عبر الإنترنت بشكل سهل وبسيط. ما جعل قطاع التجارة الإلكترونية يستسلم لخيار الدفع عند الاستلام.

بحثت في هذا الموضوع وسألت مازن الضراب، مؤسس «بحر التجارة» ورئيسها سابقًا والرئيس التنفيذي لـ«قدرة». وعندما تتحدث مع مازن عن التجارة الإلكترونية تعلم مدى اهتمامه بالقطاع، وشغفه بالمساهمة في تطوّره في المنطقة، فيقول:

«الدفع عند الاستلام نتيجة عدم وجود خيارات الدفع السهلة، والتي في غالب الدول المتقدمة هي البطاقات الائتمانية. ما فعلته الدول تجاه هذا الأمر قبل التجارة الإلكترونية أنها جعلت البطاقات الائتمانية شيئًا أساسيًا في المحفظة. وهذا ليس الحال في السعودية وبعض الدول النامية. لأنّ العملية هنا تُحكَم من مؤسسات النقد وتلك المؤسسات لا ترغب بوجود البطاقات الائتمانية لدى الكل.»

بطاقات الصرّاف الموجودة في جيوب من في السعودية مدعّمة بالتقنية.. إلاّ أنّها غير مفعلة

ويتضح حتى اليوم مدى رغبة مؤسسة النقد السعودي في إبقاء الناس بعيدًا عن البطاقات الائتمانية، أو حتى بطاقات الصراف المدعومة بالشراء عبر الإنترنت. فاليوم، بطاقات الصرّاف السعودية مدعّمة بالتقنية التي تمكنهم من الشراء عبر الإنترنت. إلاّ أنّ المؤسسة لم تجبر المصارف أو تحثها على تفعيلها.

بل تشترط المؤسسة على المصارف شروطًا عديدة لتفعيلها. واكتشفتُ تلك الشروط عندما سألت أحد المنسوبين لقطاع المصارف، والذي سأكنّيه (صاد). 

وفي حديثه كاملاً عن القضية اتضَّح مدى التشديد الذي تفرضه المؤسسة على المصارف ومن في شأنها حيال أي خدمة تود المصارف تقديمها. حيث أنّ «مؤسسة النقد لا تمنع المصارف من تفعيل الـ”Debit” في بطاقات الصراف (أي «مدى» للشراء عبر الإنترنت). إلا أن إجراءات مؤسسة النقد تتأخر كثيرًا، وأبسط الطلبات تأخذ من البنوك على الأقل ثلاثة شهور.»

ولا أجد أي معنى لتدقيق المؤسسة والتأخير على المصارف والقطاع. فيتابع (صاد): «أي شيء تفعله هنا في السعودية، يجب أن تأخذ الموافقة من مؤسسة النقد. في الخارج، يأخذ المصرف المخاطرة بدون العودة لمؤسسة النقد.» العجيب في السعودية أنّ مؤسسة النقد -المشرّع والمنفّذ والمراقب- تقدّم منتجات منافسة للمصارف لتصبح الحاكم والمحكوم في آنٍ واحد.

فقد أنشأت المؤسسة شركة مملوكة بالكامل لها أسمتها «سداد». وتقدم من خلال هذه الشركة حلولاً مالية للحكومة والشركات والأفراد. وقد أنشأت نظام «مدفوعات سداد» في السابق، ومؤخرًا أطلقت نظام «حساب سداد». هذه الشركة ليست منظمة خيرية، إنّما شركة ربحية تعمل تحت مظلة المؤسسة.

تُسوّق المؤسسة لـ«حساب سداد» على أنّه «يمكّنك من التسوّق عبر الإنترنت لدى عدد كبير من المتاجر التي تزداد يومًا بعد يوم. أنجِزْ عملية الشراء بكل سرعة وسهولة وأمان.» إذن فهو حلٌّ للدفع عبر الإنترنت، وتستطيع إنشاء الحساب من خلال صفحة حسابك في المصرف الخاص بك.

«حساب سداد لا يعدّ منافسًا لنا»

يذكر لي عبدالعزيز الجوف، مؤسس شركة «باي تابز» (PayTabs) ورئيسها التنفيذي، أنّ المؤسسة قدّمت «سداد» كدعم للسوق والتجار. فالمؤسسة تقدم «حساب سداد» بكلفة أقل على التجّار، «فالمعتاد في السوق فرض 2% أو 2.5% كرسوم على البطاقات الائتمانية. وسداد تأخذ 1.5% رسوم على العملية.»

في حين أنّ عبدالعزيز كان متفائلاً بـ«حساب سداد» ومميزاته، أجد الكثير من المشاكل في «حساب سداد» ودعم المؤسسة لقطاع التجارة الإلكترونية. ولا ريب أن يتفاءل المستفيد من «حساب سداد». فأي «تاجر عبر الإنترنت يذهب لـ”باي تابز” أو غيرها يحصل على “حساب سداد” فورًا… و”حساب سداد” لا يعدّ منافسًا لنا.»

من مشاكل «حساب سداد» ما ذكره مؤسس موقع عالم التقنية، سعود الهواوي: «فيه مشكلة، لأجل أن أدفع لازم أعبّي فلوس من حسابي إلى “حساب سداد”. فأتمنى أنه يخصم مباشرة من حسابي.» 

هنا أنت أمام خيارين للدفع، إمّا أن تضع مبلغًا في «حساب سداد» مسبقًا، ولا تستطيع استخدامه إلا بالشراء من خلال سداد فقط. وبهذا أنت تخصم مبلغًا من حسابك الجاري لحساب آخر لا تدري متى ستستخدمه أو كم المبلغ الذي ستحتاج. والخيار الآخر، الدخول على حسابك المصرفي وتحويل مبلغ لـ«حساب سداد» وتعود للمتجر لتشتري منه. فتؤدي هذه المهمّة كلّ مرة تود شراء منتج.

والمشكلة الأكبر أنّ التجارة الإلكترونية ليست حصرًا على السعودية. ومن يدخل عالم التجارة الإلكترونية والأسواق لن يتوقف على متاجرنا الناشئة. الأكيد، أنّك تود الشراء من أمازون وأبل والمتاجر الأوربية والصينية وغيرها. وكيف لك أن تشتري بحساب سداد هناك؟ لا يمكن.

فتح الإنترنت العالم على بعضه وأصبحت الأسواق والمنتجات أمام عينيك أينما كنت. لا تستطيع أي حكومة اليوم إجبار مواطنيها على الشراء من الشركات المحلية فقط.

اتصلت بمؤسسة النقد السعودي عدّة مرات، وراسلتهم رسميًا، وتجاوبوا معي بالمماطلة

في بحثي، لم أجد متجرًا صغيرًا يقدم خدمة «حساب سداد». تواصلت مع بعض الشركات الكبرى التي تدعم «حساب سداد» لمعرفة عدد العمليات التي ينفذها ولم أجد ردًا. واتصلت بمؤسسة النقد السعودي عدّة مرات وراسلتهم رسميًا وتجاوبوا معي بالمماطلة لمدة شهر كامل. إلى أن أخبرتني المؤسسة أنّها ردّت على أسئلتي، فأصبحت أسأل، أين هي الأجوبة على الأسئلة؟ فإذا بي في دائرة أسئلة تخلفها أسئلة.

المعضلة أنّ الاقتصاد لن يقوم على تقنيات كهذه، فاليوم تواجه الشركات المحلية صعوبات تهددها بالخروج من السوق. وهذا لاعتمادها على خيار الدفع عند الاستلام الذي يجده الخبراء العائق الأكبر لتطور قطاع التجارة الإلكترونية.

ليس هذا فحسب، فقد التقى مازن الضراب بمؤسس أمازون ورئيسها التنفيذي جيف بيزوس، وسأله عن المصاعب التي تواجهها الشركة لدخول أسواق كأسواقنا، فأجاب:

أصلِحْ المدفوعات، وبعدها كثيرٌ من الأمور ستمضي.

نعم، «أصلح المدفوعات، وبعدها كثيرٌ من الأمور ستمضي.»

ما دامَ 75% من العمليات تُنفَّذ في سوق التجارة الإلكترونية السعودية من خلال الدفع عند الاستلام، سنبقى في الصف الخلفي من العالم. وقد يخطر في بالك أن تقول أنَّ «حساب سداد» حلٌّ لتقليص هذه النسبة. أنا سألت السؤال ذاته، ويجيب مازن: 

«حساب سداد حلٌّ جميل، لكن لن يحل مشكلة الدفع عند الاستلام، بل سيحل مشكلة الحوالات البنكية. فنسبة 70% إلى 75% من المدفوعات عبر الإنترنت في السعودية تُحصَّل عن طريق الدفع عند الاستلام، وهي بذلك مصيبة أمنية. فنحن لا نعلم أين تذهب النقود. والأدهى والأمرّ، أننا لا نعلم ما العمليات التي حدثت. فاليوم لا تجد أي إحصائيات عن التجارة الإلكترونية في السعودية لأن كل العمليات تتم خارج المنصة الإلكترونية… لأن ما عندي تفاصيل العمليات.»

ما الحل إذن؟

لا نعيد بناء العجلة، بل نأخذ ما وصل إليه العالم اليوم من حلول ونستخدمها ونفعّلها وندعمها. يجمع الكل على أنّ الدفع من خلال البطاقات الائتمانية وبطاقات «مدى» أسهل وأفضل من «حساب سداد». إذن ما المانع من استخدامها؟ لماذا يصرّ «المشرع الرسمي، وهي مؤسسة النقد، ما سمح أنه يتم، ولا يريد أن يسمح بها عبر الإنترنت.» 

يكمل مازن فيقول: «لدى المشرّع أسباب معينة إلا أنّها غير وجيهة الآن. أو فلنقل أنّ المؤسسة لا تقارن المخاطر التي من أجلها حجبوا الخدمة بالمنافع التي سنجنيها كتجار ومشترين.»

اليوم، بدأت كبرى شركات التقنية تقدّم حلولاً ذكية وآمنة للدفع عبر الإنترنت. تقود هذه الشركات أبل وقوقل وسامسونق. نجد خدمة «أبل باي» تغزو متاجر أميركا وبريطانيا وفرنسا وسنقافورة وغيرها. ماذا ينقصنا، أو يزيدنا، حتى نمنع هذه الخدمة؟  Click To Tweet

يقول (صاد) إنّ المؤسسة في حديث واجتماعات مع أبل حيال قبول أو رفض «أبل باي»: «نحن في اجتماعات مع أبل لدراسة دخول «أبل باي» للسعودية من عدمها. وسيظهر خلال شهرين قرار المؤسسة… بنعم أو لا.» ويتابع: «ساما (مؤسسة النقد السعودي) لا ترفض، لكن تعطيك اشتراطات قد تقتل المشروع.»

يتوقّع (صاد) في حال دخول أبل للسوق أنّ «99% من المشاكل انحلت.» وماذا عن حساب سداد؟ «يدق عود.»

اليوم «إذا كنت صاحب متجر، ولم تفعّل خيار الدفع عند الاستلام، لن يشتري أحد منك.»

بصرف النظر عن الحلول التي قد تأتي من الخارج، فحتى الحلول التي تود المصارف السعودية إضافتها تجد مقاومة وتعقيدات من المؤسسة. يقول (صاد): «أصدرت مؤسسة النقد في أبريل عام 2009 لائحة قوانين الخدمات المصرفية الإلكترونية (e-banking rules) وستقرأ في الصفحة رقم 7 في الفقرة 2.1: أي منتج جديد، أو أي تغيير في اسم المنتج، يجب أن يُرسل إلى مؤسسة النقد. 

يعني هذا إجراءك دراسة «تقييم مخاطر» (Risk Assessment)، و«تقييم أمني» (Security Assessment)، وتكتب تعريفًا بالمنتج وتأخذ موافقة داخلية وأحيانًا تأخذ موافقة من الرئيس التنفيذي لأنه يعد خطابًا موجهًا لمؤسسة النقد.»

لا ينعكس أثر قرارات المؤسسة اليوم على نفسها وحسب، بل تضر أيضًا بالاقتصاد والتجارة والمستقبل.

بطء نظام الحوالات المالية «سويفت» في عصر السرعة

نعيش اليوم ذروة الثورة التقنية في التواصل وقواعد البيانات، فكيف لا يزال نظام الحوالات المالية «سويفت» متخلفًا عن عصر السرعة؟

16 أغسطس، 2021

بفعل قرارات المؤسسة، فاليوم «إذا كنت صاحب متجر ولم تفعّل خيار الدفع عند الاستلام، لن يشتري أحد منك إلا إن كان مضطرًا على منتجك ولم يجد سواك يبيعه إياه. بينما الأصل في التجارة الإلكترونية تسهيل عملية شراء الأشياء. ما أبغى أروح وأنزل وأتسوق، أبغى أتنقى على كيفي. واللي صاير اليوم أنني لا أشتري عبر الإنترنت إلاّ في حالة عدم عثوري على المنتج في السوق. واضطريت اضطرارًا له.»

الاقتصادالتجارة الإلكترونيةالحكوماتالسعوديةتحقيقالرأسمالية
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية