العواقب الحقيقية للزائفات

في حين ينادي البعض بضرورة تحرّي الدقة في نقل الأخبار والمرئيات، فإنهم يتناسون أنَّ الحقيقة ليست هي المُنى هنا، بل المنى إحداث أثرٍ ما. 

في بدايات الحرب الأوكرانية، وأثناء تصفحي اليومي لريدت، وقعت على مقطع رديء الجودة يظهر فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثًا مع طيّارات روسيات. يزعم المنشور أن المقطع زائف، وأن بوتين يستخدم في الحقيقة شاشة خضراء تُظهره كما لو أنه جالسٌ مع الطيّارات بغية خداع جماهير وسائل التواصل الاجتماعي، في حين أنه في الحقيقة متخف عن الأنظار خشية اغتياله. 

ودليلًا على هذا الزعم، يشير عنوان المنشور إلى مرور يد بوتين من خلال المايكروفون الواضع أمامه وهو يتحدث.

ليس ما يثير الاهتمام هنا الإشاعة بحد ذاتها، بل انتشارها حدًا جعل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يظهر في مقطع وهو يتعمَّد تحريك المايك الذي أمامه لإثبات أنَّ المايك حقيقي.

تثبت النسخة عالية الجودة من مقطع بوتين أنَّ مرور يده عبر المايكروفون ليس إلا وهمًا تسببت به رداءة الجودة، إلا أنَّ ذلك لم يضع حدًا للشائعة ولشرعنتها على أعلى مستويات الحكومة الأوكرانية. وصارت هذه «الحقيقة» أساسًا لتحليلات تتناول وضع بوتين داخل روسيا وخارجها.

ليس الهدف من المثال أعلاه التنبيه إلى ضرورة عدم تصديق كل ما نراه، فقد باتت هذه الفكرة مبتذلة للغاية. بل يتمثل الهدف في تسليط الضوء على العواقب الحقيقية لما هو ليس بحقيقي. وسواء أمرَّت يد بوتين عبر المايكروفون فعلًا أم لا، فقد أصبح للشائعة عواقب ملموسة. 

وفي حين ينادي البعض بضرورة تحرّي الدقة في نقل الأخبار والمرئيات عمومًا، فإنهم يتناسون أنَّ الحقيقة ليست هي المُنى هنا، بل المقصود إحداث أثرٍ ما. 

أقول ذلك بعد مرور عقدٍ من الزمن على نشر وثائقي كوني 2012 القصير على يوتيوب. انتشر المقطع وقتها كالنار في الهشيم، وحرَّك الكثير من الشعوب والمنظمات العالمية في سبيل وضع حد لأمير الحرب جوزيف كوني وفعائله. 

ورغم أنَّ كوني لا يزال حرًا طليقًا، ورغم كل حملات الاستنكار التي نالت من الوثائقي وزيف محتواه واختزالياته المجحفة للتعقيد في إفريقيا الوسطى، فإن من المستحيل تجاهل ما كان للوثائقي من عواقبَ شرعنت الإمبريالية الغربية في أوغندا

في الواقع، للأوهام أو أنصاف الحقائق آثار ملموسة وحقيقية. ولو اقتصرنا في فهم الظواهر وتحليلها فقط على تقصي حقيقة حدوث الشيء، لظلت أبواب الآثار الحقيقية للزائفات والإشاعات مغلقة في وجوهنا.

الأخبارالسياسةوسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.