«نجمة»: غنيمة كاتب ياسين

في روايته «نجمة» يستحضر كاتب ياسين ثنائية الأسطورة والواقع في الجزائر، فيكسر سطوة المستعمر الفرنسي ويجعل من اللغة الفرنسية غنيمته الشخصية.

أواخر أكتوبر سنة 1989، تسافر امرأة تدعى زليخة من فرنسا إلى الجزائر حاملة بين أحضانها جثمانين: أخوها «مصطفى كاتب» مدير المسرح الوطني الجزائري والآخر ابن عمها الأديب «كاتب ياسين».

لا أحد يعلم ما كان يجول بخاطر زليخة أمام الجثتين، فقد شاءت الصدفة أن يموت الاثنان في يوم واحد. بدت زليخة وهي مجللة بالأسى امرأة آتية من المجهول، آتية مع جمهرة من الوجوه، تحمل في ملامحها شيئًا من الأسطورة وشيئًا من الذاكرة.

امرأة شاءت لها الأقدار أن ترافق من خلَّدها نجمةً في الأدب والذاكرة إلى مثواه الأخير. ولم تكن المراسم دفنًا بل احتفالية شعبية زغردت فيها النساء وحضرن الدفن مع الرجال متجاهلات العرف والتقاليد.

«مأساة سطيف» الشخصية

ولد كاتب ياسين بقسنطينة في الخامس والعشرين من يناير سنة 1929، من أسرة أمازيغية تعود أصولها للأوراس ثم انحدرت لقسنطينة وتعربت. أسرة مثقفة مهدت له أولى خطواته نحو الكتابة الإبداعية. اشتغل والده وكيلًا بالمحاكم الشرعية، ما يعادل مهنة المحاماة، كما كان جده لأمه قاضيًا. وبرعت والدته في مساجلاتها الشعرية مع والده وفي الحكي الشفهي وتصوير مشاهدها المحكية بطريقة مسرحية.

«كانت مبدعة في المسرح، بل كانت هي المسرح وكنت مبتهجًا لكوني المشاهد الوحيد.» هكذا يصف كاتب ياسين نافذته الأولى نحو الخيال التي فُطم عليها. توقع الكثيرون لكاتب ياسين مستقبلًا أدبيًّا لكن الجميع توقع أن يكون ناطقًا باللغة العربية. فهي اللغة المحكية داخل البيت وفي «المسيد» الذي تردد إليه في صغره لتعلم القرآن الكريم.

إلا أن اللغة الفرنسية ستفرض نفسها على ثقافته بعد التحاقه بالمدرسة الفرنسية، على غرار باقي أبناء الطبقة البرجوازية التي ينتمي إليها.

انتقل كاتب بداية الأربعينيات إلى ولاية سطيف لإتمام دراسته. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية خرج الفرنسيون إلى الشارع فرحين بانتصار الحلفاء على النازية. ورافقت فرحتهم هذه مظاهرة شعبية جزائرية معاكسة منددة بالاحتلال ومطالبة بالاستقلال. فوقعت المواجهة الحتمية التي أودت بحياة الآلاف من الجزائريين.

حضر كاتب ياسين هذه المواجهة وقضى شهرين بالسجن بعد قبض الشرطة الفرنسية عليه. وشكلت مذبحة سطيف منعطفًا في وعي المراهق، ومكنته تجربة السجن القصيرة من الالتقاء بنماذج من الشعب الجزائري كان لوقتٍ قريب بعيدًا عنها، و بعيدًا عن إدراك حجم المأساة التي تعيشها البلد.

رافق هذا الوعي مأساة والدته التي تدهورت حالتها النفسية وقادتها الى الجنون معتقدة أنها فقدت طفلها في أحداث سطيف. هذا المنعطف الحاسم في حياة كاتب ياسين دشن انطلاقته الأدبية بديوان شعر «مناجاة».

اللقاء الأول بنجمة

لم يستطع الأب حماية ابنه من الانخراط في السياسة، ولا الوقوف أمام فضوله لفهم الأوضاع التي تمر بها الجزائر. كما لم يستطع إخفاءه عن أنظار الشرطة الفرنسية التي بدأت تلاحقه كظله، ففضَّل إرساله إلى عنابة لإكمال دراسته. 

رحلة إلى الجزائر، إلى بلاد المليون شهيد

تبدأ ثمانية سلسلة لتوثيق الوطن العربي، نأخذكم كل مرّة في رحلة بين الشوارع والأزقة، نقابل فيها عربًا يشبهوننا وإن كنا نسينا ذلك. لنتشارك الأحلام والأفراح والأحزان. نتقارب ونتعارف، ونكون الجيل الذي يبنى مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة. وهذه المرّة إلى أرض الأحرار، الجزائر.

22 مارس، 2018

وهناك في عنابة استضافه أحد أعمامه، وستكون زليخة ابنة عمه أول المستقبلين. كان اللقاء، إلى جانب وعيه السياسي والشعري، شرارة ثالثة فاصلة في مساره الأدبي. فزليخة بقت في ذاكرته المرأة المعشوقة والتي سيخلدها قلمه تحت اسم «نجمة».

في ديوانه الأول «مناجاة» أسس كاتب ياسين على مهل وجوده الأدبي في الجزائر، وتطور هذا الوجود مع انتقاله إلى فرنسا. تنوعت كتاباته بين المقال والقصيدة، كما استكشف المسرح الذي عدَّه الوعاء الأمثل لأفكاره السياسية، وصورة الكتابة الأقرب للشعب خصوصًا بعد التقائه بفنانين شيوعيين ولقاءه الأهم بجان بول سارتر. وكان لتجواله الأوربي والآسيوي والعربي فضلٌ في انفتاحه على القضية الكولونيالية.

وفي خضم هذا النشاط الكبير، وبينما تخوض الجزائر حربها الأخيرة للتحرير، نشر ياسين روايته الشهيرة «نجمة» سنة 1956. فأصبح بعدها أحد آباء الأدب الجزائري المعاصر وأحد أهم الكتاب الفرنكوفونيين ومجددي الفن الروائي أوربيًّا.

تحرير الرواية الجزائرية 

عرف الأدب الجزائري على مر العصور والحضارات والثقافات التي مرت على أرضه تفاعلًا وتباينًا كبيرين أثارا بشكل جدي إشكالية الهوية واللغة. ورغم الإشكالية صيَّر هذا التعدد الأدب الجزائري أدبًا ثريًّا بروافده الأمازيغية والعربية ثم الفرنسية. وبعيدًا عن التراث الشفهي الأصيل والشعر العربي الذي تطور متأثرًا بالنهضة العربية القادمة من الشرق، أركز على فن الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية.

تعود أولى مؤشرات النثر الروائي في الجزائر إلى عشرينيات القرن الماضي. نصوصٌ غلبت عليها روح المستعمِر وقدمت الجزائري بصورة استشراقية تحقيرية تنتقص من شخصه، أو تخويفية تراه شخصًا عدائيًا، أو تموج بتخيلات فلكلورية. لم تكن تلك النصوص سوى استنساخًا للرواية الفرنسية بأسلوبها ولغتها، وتضع الفرنسي البطل الأوحد في حين تنحِّي الجزائري على الهامش كذات ثانية تابعة.

مع بداية الأربعينيات بدأت أولى المحاولات للخروج من هذا التنميط الذي لحق الجزائري. ووصلت الرواية الجزائرية سنوات الخمسينيات إلى مخاضها الأخير مع ميلود فرعون وروايته «ابن الفقير» التي صدرت سنة 1950.

ثم بدأت بعدها محاولات التحديث مع محمد الديب وثلاثيته «النول، الحريق، الدار الكبيرة» ونشر أولى أجزائها سنة 1952. ويأتي بعدهما مالك حداد وشعريته المميزة. وينتهي المخاض بميلاد الرواية الجزائرية المعاصرة أخيرًا مع «نجمة» كاتب ياسين.

«أما نجمة فهي شيءٌ آخر، شيءٌ جديد، إنها على النقيض من ذلك تمامًا.» هكذا يصف الناشر الفرنسي رواية «نجمة» في تقديمه لأول إصدار لها. ميَّزها عن كل الأعمال السابقة حول الجزائر، التي حسب ظن الناشر الفرنسي، لم تأت بجديد لم تسبقها إليه الأعمال العالمية المختلفة. يكفي فقط أن نغير الجزائر ببلد آخر فتبقى الحكاية قائمة.

في حين كانت «نجمة» روحًا عربية تقف وقفاتها الشعرية على الأطلال كتلك التي وقفها امرئ القيس. كانت قصيدة شعرية تستقي غنائياتها من الأرض الجزائرية ومن أفواه رجالها ونسائها وذاكرتهم. بهذا تتفرد «نجمة» عما سبقها من النثر المرتبط بالجزائر.

اللغة الفرنسية غنيمة حرب

أتت «نجمة» رسالة واضحة للمتلقي الفرنسي قبل نظيره الجزائري، خصوصًا وقد نشرت في أوج حرب التحرير، لتؤكد أنَّ للجزائري هوية قائمة بذاتها. إذ تبتعد كل البعد عما فرضه المستعمر الفرنسي بكل مؤسساته السلطوية والثقافية من صور مشوهة ومذلة. 

ورغم ما تثيره الرواية من إشكالية اللغة المهيمنة، فإن كاتب ياسين كان واعيًا لهذه الإشكالية وفطنًا في التعامل معها. فيقول إن الأمر لا يعدو كونه برقماتيًا يعود بالنفع على الجزائر؛ فالفرنسية بالنسبة لكاتب ياسين لم تعد لها أي سلطة على المثقف الجزائري. بل أصبح الأخير يتعامل معها كغنيمة حرب يستغلها كما يشاء ويتصرف بها بما تقتضيه هويته وثقافته. 

فهو يبتعد عن فرنسية هوقو ويقتات من رامبو وبودلير حقولهما اللغوية المتمردة ويثريها بحقول من تراثه الجزائري. هكذا:

يستخدم كاتب ياسين اللغة الفرنسية سلاحًا يؤكد به للفرنسي أنه ليس فرنسيًّا. فهو يعبر عن الروح الجزائرية، يعبر عن ظاهرة لا ترتبط بأي شكل من الأشكال باللغة الفرنسية لكنها توصف من خلالها. Click To Tweet

بل ذهب لأبعد من ذلك. سيغير هذه اللغة ويخترق أساسياتها و يهدم قواعدها بخلقه عالمًا جديدًا لا تشكل فيه اللغة سوى جسر سيبتعد عنه فيما بعد ويعود إلى أحضان لغاته الأصلية. هو مارس مع اللغة الفرنسية ما وصفته إحدى شخصياته في «نجمة»: «ولكنه لا يلفظ أبدًا كلمة فرنسية دون أن يشوهها، كما لو كان يفعل ذلك عن مبدأ.»

نجمة تغتال الغريب 

هكذا نقرأ «نجمة» على صعيدين. فهي أولًا نضال حتمي وجد كاتب ياسين نفسه مجبرًا عليه لتقديم قراءة للتاريخ تختلف عن تلك التي قدمها المستعمر. فيضع نصب عينه ألبير كامو ككاتب فرنسي يشاء البعض أن يعتبره ممثلًا للأدب الجزائري. رأيٌ يرفضه كاتب ياسين جملةً وتفصيلًا وما «نجمة» سوى تأكيد لهذا الرفض. 

فقد منح صوتًا للجزائري الذي اغتاله ألبير كامو في «الغريب». بل قدم تصورًا مختلفًا للجريمة، وجعل أحد شخصياته في «نجمة» يقتل فرنسيًا بطريقة عبثية أيضًا. فكلا العملين قُدما على أرض جزائرية تتصارع فوقها أصوات انتهت كل منها بتقديم وجهة نظر.

مع ذلك، لم يهدف كاتب ياسين من روايته «نجمة» توثيق شهادة تاريخية لهذا النضال، فقد سبقته لذلك أسماء أخرى. بل كان هدفه إثبات مقدرة الجزائري على الكتابة الإبداعية والتجديد فيها، وهنا الصعيد الثاني الذي تُقرأ من خلاله رواية «نجمة».

ولا نعلم تحديدًا إن تماهت رغبته هذه مع فكرة الرواية الجديدة التي بدأت تظهر أولى علاماتها في فرنسا مع أنصار روب قرييه ونتالي ساروت. أم أتت وفق تصور خاص بالكاتب قائم على شاعريته المستفيضة، وقائم أساسًا على شذرات بدأت تتبلور كرواية حين ضمن لها ناشرًا. 

هذه الشذرات ليست سوى تجسيد للتمزق الذي كان ياسين يعانيه بين أرضين وبين هويتين وثقافتين. فأتى العمل بعيدًا عن الواقعية البلزاكية وقريبًا من سيرته الذاتية التي يتقابل فيها ما هو خيالي بما هو واقعي. وتبقى «نجمة» كما وصفها ياسين «ليست ما يوصف بالرواية، وسأستمر في محاولاتي لتدمير الحدود التي تقيد الأدب.»

بطلة حاضرة في غيابها

لم تشبه شخصية نجمة رفيقاتها في الأدب الكلاسيكي. لم تكن مدام بوفاري ولا آنا كارنينا، كما لم تشبه إحدى نساء دوستويفسكي ولا بشكل أقرب نساء نجيب محفوظ. إذ رغم استحواذها على العنوان فالشخصية أقرب إلى الظل منه إلى النور. نشعر بوجودها خلف كل حدث وتفصيل وذكرى، ونقترب من وجودها الميتافيزيقي أكثر من وجودها الحقيقي. كانت نجمة حاضرة في غيابها.

فنجمة هي الشخصية المحورية للعمل دون أن يكون لحضورها مساحة تليق بهذه المكانة. شخصية هاربة على الدوام تمثل هذا البلد الذي يتحرك دائمًا باحثًا عن نقطة البداية. ابنة امرأة فرنسية وأب جزائري مجهول، يلاحقها أبطال العمل الأربعة وتؤرق مناماتهم وصحوهم. ومن خلال هذه الملاحقة سنتعرف على ظروفهم التي تعكس ظروف البلد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية.

تجد نجمة أصالتها في قرابة الدم. فهي زليخة التي فتحت للمراهق الشاب باب أهلها، وقاده الباب إلى الشعر الذي يعده المكون الأساسي لفهم ذاته والكشف عن خفاياها. كانت زليخة بمثابة النجمة التي تقوده في تخبطه ما بين السياسة والشعر والغرام. وهكذا تولدت كشخصية في الرواية باسم «نجمة» لكنها كانت أكثر من ذلك.

ثنائية الألم الأسطورية 

كانت نجمة كيانًا يحيل إلى الوطن كما يحيل إلى الذات وإلى الحلم البعيد المستحيل. كانت بمثابة السندريلا والكاهنة، الطائر الجريح والغول، كما كانت الغواية والبراءة. شكلت نجمة بالنسبة لياسين ما شكلته سلامبو بالنسبة لقوستاف فلوبير، امرأة تفرِّق ما سعت إلى توحيده. 

فنجمة في حركة دائمة والتفاتات مستمرة، لا تكترث بما يحدث حولها وكأن حواسها خلقت لتكتشف بها ذاتها فقط. يصيب سحرها الجميع ويؤثر على الطبيعة والأرض. كانت نجمة بجسدها تملك السلطة، وهذا التنميط للأنثى لا يعدو أن يكون استغلالًا مبتذلًا للأسطورة يستغلها الكاتب الرجل لبلوغ رمزية ما. تنميطٌ غالبًا ما يميل لجعل المرأة فاعلة بالجسد فتُحرَم بالتالي من النقاش والتحدث.

إذ نادرًا ما سنسمع نجمة تتحدث. نتعرف عليها ونراها من خلال عيون الآخرين وشهواتهم وإخفاقاتهم. لكن رغم غيابها تظلُّ نجمة أسطورة ترمز للوطن الممزق بالحروب والهويات والمآسي، كما ترمز للعادات والتقاليد وللعِرض الذي تراق من أجله الدماء. أمَّا كبعدٍ وجودي فهي تشكل لكاتب ياسين السعي الدائم لبلوغ الكمال، ما يفسر وجودها في أعمال سابقة على الرواية ولاحقة.

لکنها لم تكن الأسطورة الوحيدة في العمل. فقد رافقتها أسطورة القبيلة «قبلوت» وشيخها المؤسس القادم من الشرق. قبيلة تشتت رجالها وأضاعوا إرثهم وباعوا أرضهم و فقدوا بالتالي فرصة توسيع ملكهم وتثبيته. شكلت الأسطورتان ثنائية الماضي السحيق والحاضر الأليم، الأرض وعنصرها البشري. 

من خلال هذه الثنائية سعى كاتب ياسين إلى تجنب الذاكرة الحية المتمثلة بأحداث سطيف وما خلفته من جرح مفتوح عاش معه طيلة حياته. إذ شكَّلت نجمة الأم التي التهمها الجنون، وشكَّل رجال قبلوت الأب الذي أضاع أمواله في الخمر والفجور. وبشكل ما عمد كاتب ياسين إلى إسقاط الشخصي على العام في متاهة أسلوبية تاه فيها الزمن كما تاهت الشخوص.

إسقاط المتاهة في بناء الرواية 

عاب بعض القراء على «نجمة» تعقيدها واعتبروها دوامة من الأحداث والشخصيات التائهة في فضاء لا تمضي فيه الحكاية على خط زمني أفقي. إذ تتعدد الأزمنة لولبيًّا وتترك القارئ في حيرة بالغة. تعمَّد الكاتب هذا الشكل الروائي كمتاهة يُدخِل فيها القارئ ويتركه يتخبط بين فصولها واضعًا له علامات معينة تساعده على تتبع العمل كخريطة ذهنية.

بالنسبة لياسين كانت «نجمة» وفية جدًا لموضوعها الأثير وهو الجزائر، فجاءت تمامًا في تعقيد هذا البلد وتنوع ثقافاته وهوياته وصراعاته. إذ تتعمد الرواية إسقاط القارئ في هذا التشويش المستمر فيعجز عن السيطرة على النص المتحرك دائمًا في سعيه لبلوغ النجمة.

فياسين لا يريد في معالجته إعادة قراءة تاريخ الجزائر من النقطة الأصل وتحميله كل النتائج الحالية. ما يريده أن يوصل للقارئ، بشعرية متناهية الرقة، الانطباعات المتتالية حول هذا التاريخ ومدى ارتباطها بالذات الجزائرية.

لهذا تفتقر «نجمة» للبناء الكلاسيكي المعهود في الرواية. فهي أشبه بلوحة فنية تجريدية وتميل إلى نموذج روايات الكاتب الأميركي ويليام فوكنر. وبعد الفصول الأولى التي تأتي شبه هادئة نتوه في زمن هلامي يتلاحق فيه الحاضر والماضي والمستقبل. وفيه تبدو الشخصيات الأربع، الأخضر ومراد ومصطفى ثم رشيد، شخصيات تمسك بمربع يجمع بين أركانه تفاصيل أخرى تهم الحيز الجغرافي الزمني للجزائر.

فنرى من خلال هذه الجهات الأربع الفترات المصيرية التي مرت على الجزائر بداية من الرومان والعرب ثم الأتراك وأخيرًا فرنسا. كما نرى من خلالها البطون الأربعة لقبيلة قبلوت والتي يحلق جدُّها الأكبر كنسر وجاثوم حول الأصدقاء الأربعة. ومن خلال هذه الجهات نرى أيضًا السلف القريب المتمثل في الآباء الأربعة الذين يقودهم سي مختار كآخر حامل للذاكرة. وكل هذه الجهات تسعى لنجمة واحدة لعلَّها تقودها نحو مصيرها الأخير.

دائرة العود الأبدي 

يتشكل الزمن إذن من خلال الشخوص وسردها، فيكون لكل شخصية زمنها الخاص النابع من رؤيتها للأحداث. ومن خلال تفاعل الشخصيات تحاول تعقيدات الزمن جمع شظايا الذاكرة العائلية. هذا التعقيد ليس سوى صورة مربكة لما يقع في حاضر زمن كتابة الرواية. فالزمن في «نجمة» يبدأ من النهاية ليعود مجددًا إلى البداية كدائرة تسعى لكمالها.

يبدو هذا جليًّا في تقسيم ياسين للعمل إلى تسعة فصول. وكل فصل يتوزع على اثنتي عشرة فقرة، باستثناء الفصل التاسع الذي يختمه بالفقرة الحادية عشرة لنعود من جديد إلى البدء.

وما يزيد هذا التعقيد كثافة تفرد كل شخصية بصوتها وبطريقة سردها الخاصة. فنتوه مع كثرة الرواة والأصوات، كما نتوه مع التنويعات الشعرية والنثرية التي أتت مربكة في أحيانٍ كثيرة، خصوصًا متى اتجه الكاتب إلى فرض تداعٍ حر يميل إلى الهذيان.

تنتهي «نجمة» من حيث بدأت. وتبقى في رحلتها الطويلة تنير درب الساعين للحرية وقصيدة تعكس رؤية شعب وأمة، وإرثًا تركه كاتب ياسين للجزائريين، كل الجزائريين. فقد وجد ياسين برفقة الرجال الأميين الفلاحين والعمال شعريته وإلهامه، كما وجد برفقة نساء حياته لغته وأحلامه.

وإن كانت الرواية تُفهَم من النخبة المثقفة بإعمال العقل فهي تُفهَم من الإنسان البسيط  بالقلب والوجدان. وهؤلاء البسطاء كانوا أول من استقبل رفاته ورافق زليخة لدفن أحبائها.

الأدب العربيالاستعمارالجزائرمراجعاتالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية