التنمية والمجتمع المحلي: هل آن الآوان للتفكير في تنمية من تحت؟

بعد الحرب العالمية الثانية انتشر مفهوم خاطئ عن التنمية، لكن ماذا لو قلب المفهوم لتنمية من تحت تراعي المجتمع المحلي وخصوصيته؟

يقترن مفهوم التنمية بالعديد من المفاهيم مثل: النمو والتقدم والتحديث. إلا أن ما يميز مفهوم «التنمية» تجاوزه هذه المفاهيم. فإذا كان النمو يتعلق أساسًا بما هو اقتصادي، أي قائم على عوامل رئيسة كتراكم رأس المال والنمو السكني والتقدم التكنولوجي؛ فإن التنمية تتعلق كذلك بالتغير على مستوى البنيات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المحلي، لا الاقتصادية فحسب.

كما ينبغي الحرص من خطورة إقران مفهوم «التنمية» بمفاهيم من قبيل «التقدم»، والذي يفصح عن المسار التطوري للمجتمعات. إذ يفيد بوجود مجتمعات متخلفة ينبغي أن تسلك مسارًا معينًا لتصبح مجتمعات أكثر تحضرًا. في حين أن «التنمية» لا تتضمن بالضرورة هذا المسار التطوري الذي بررته الدول الكولونيالية إلى وقت قريب، بهدف استغلال ثروات العديد من البلدان الإفريقية والآسيوية.

قد يطول الحديث عن مفهوم التنمية بطول مسارها التاريخي. وعمومًا، يمكننا تعريفها على أنها عملية تغيير ذات طبيعة معيارية من الناحية القيمية، لا تحيد عن كونها مسارًا تجديديًّا وديناميًّا طويلًا وغير يسير؛ يرمي بالوصول إلى وضع مثالي، مخالف لما كان عليه الحال في الماضي.

النموذج التنموي الغربي 

بدأ الاهتمام بمفهوم التنمية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، وما صاحبها من حركات وطنية تحررية في دول أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا. وكان هدفها الأساسي التخلص من الاحتلال وتحقيق الاستقلال. 

ولأن العالم آنذاك انقسم إلى قطبين سياسيين -الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي-، فإن النظريات حول «التنمية السياسية» تتعدد وتتنوع. ومتى ما طرحنا السؤال: أي نموذج تنموي سنتّبعه؟ كنا سنتلقى عدة أجوبة.

تميزت هذه المرحلة، إلى حدود الثمانينيات، بتدخل الدولة في البرامج التنموية لبلدانها. فنجد أن العديد من الدول الإفريقية على سبيل المثال تبنت النموذج التنموي الغربي الذي اعتمد على نظرية التحديث، والتي مفادها -كما يشرح رضوان زهرو- بأن «التنمية ستحدث في العالم الثالث عن طريق نقل الأفكار والقيم الغربية، والتوسع في عملية التصنيع». كما أن النموذج الغربي دعم الاستثمار الخاص، ودفع بدول العالم الثالث إلى الانخراط في السوق العالمية، ودعمها عبر قروض لتحقيق التنمية اللازمة. 

لكن بدلًا من تحقيق دول العالم الثالث للتنمية والتغلب على الصعوبات المتراكمة التي كانت تعاني منها، عمّق الاعتماد على هذا التحديث من أزمتها، وجعلها تغرق في مديونية ضخمة، ومنه أودى بها لتعميق تبعيتها للعالم الغربي، بالإضافة إلى إلحاق ضرر كبير بالموارد الطبيعية لهذه البلدان التي تميزت بها سابقًا. 

التنمية من فوق: المغرب أنموذجًا 

كان المغرب من بين البلدان التي لجأت إلى نموذج «التنمية من فوق». فصورة الاقتصاد المغربي اليوم صورة تشكلت من خيارات أساسية أطلقتها الدولة التي راهنت على النموذج التنموي الليبرالي. فركزت على تشجيع الاستثمار في القطاع الخاص والانفتاح على السوق العالمية، عبر إطلاق سياسات عمومية متعددة ومتنوعة بهدف تأمين نجاحها.

عانى المغرب في الستينيات من أزمة مالية خانقة، فاضطرت الدولة للموافقة على تدخل البنك الدولي سنة 1964 لأول مرة، ووضع مخططات للدفع بعجلة الاقتصاد المغربي. وركزت المخططات التنموية أساسًا على اقتصاد السوق المبني على قاعدتي المنافسة وتشجيع القطاع الخاص.

كما ركزت هذه المخططات على تشجيع الصادرات من السلع بدل تعويض الواردات منها. إلا أن هذه المخططات ساهمت في تعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والترابية بين الجهات الجغرافية للمملكة الغربية. 

واصلت المملكة المغربية بعد ذلك الانخراط في سلسلة من النماذج التنموية. وحاولت تحسين مؤشر التنمية عبر العديد من المخططات التي استهدفت قطاعات مختلفة، وأطلقت الكثير من المبادرات التنموية، التي انتهت بتصريح ملك المغرب «محمد السادس» لدى افتتاح السنة التشريعية سنة 2017 بوصفه النموذج التنموي الوطني:

«غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية.»

يرفع انخراط المغرب لسنوات في هذا المسلسل السياسي والاقتصادي حجم مديونية المملكة المغربية إلى ملايين الدولارات، ديون راجعة «لاختياراته الاقتصادية والمالية […] بحثًا عن وضع مريح في العلاقة مع الخارج»، مما يهدد بانفجار نسبة البطالة والفقر والتضخم. 

إن البرامج التي اقترحتها منظمات وهيئات كالبنك الدولي، والتي تتبناها الدول، قد تتحول فجأة من آلية لتفعيل التنمية إلى عائق من عوائق التنمية، بل ومصدرًا مُهَدِّدًا لسيادة الدولة على مختلف مواردها، ومتدخّلًا مباشرًا في اختياراتها الاقتصادية وقراراتها السياسية. 

لكنّا إذا ما أثبتنا فشل نظريات التحديث والليبرالية، ثم نظريات النيوليبرالية في تحقيق التنمية في العديد من دول العالم الثالث حتى الآن، فهل يمكن تحقيق التنمية بمعزلٍ عن الهيئات العالمية وبدون تدخل مباشرٍ من الدولة؟ 

التنمية من تحت: استثمار موارد الدول 

في عام 1982، أصدر كل من تايلور وستور كتابًا بعنوان «التنمية من فوق أو تحت؟ اصطلاحات التخطيط الإقليمي في الدول النامية» (Development from Above or Below?: Dialectics of Regional Planning in Developing Countries)، أعادا فيه تحديد التنمية باعتبارها تعبئة للأفراد والجماعات نحو تحقيق المنفعة المشتركة بمعناها الاجتماعي والسياسي، والاقتصادي فحسب. هنا برز دور مُختلَف الأفراد والجماعات غير الرسمية في تحقيق التنمية، وهو الأمر الذي سيغير من طبيعة البرامج التنموية.

إذ بدلًا من اعتماد نموذج واحد لبرامج التنمية وتطبيقه على العديد من الدول النامية، يستثمر برنامج التنمية وفق مفهوم تايلور وستور الموارد التي تتميز بها تلك الدول مع مراعاة خصوصياتها وبهدف الاستجابة لاحتياجاتها -التي ليست بالضرورة مطابقة لاحتياجات الدول الأخرى.

وبالتالي يتطور شكل تنموي يحمل أبعاده الخاصة المرتبطة بدولة معينة، بل بمنطقة داخل الدولة الواحدة، مما سيضمن إلى حد كبير تحقيق الأهداف التنموية المسطّرة، مادام ينبثق من صلب الثقافة المحلية ومتكيف مع تعقيداتها، ومقبولٌ لدى سكان المجتمع المحلي.

البرازيل أنموذجًا: الفلاحون بدون أرض

ظهرت أهمية التفكير في نموذج «التنمية من تحت» في العديد من الدول، من بينها البرازيل، والتي عرفت الاحتلال البرتغالي لسنوات، استطاع فيها الاحتلال إعادة توزيع الأراضي الزراعية. لتصبح تحت تصرف بضع عائلات موالية له، مُجرِّدًا بذلك مئات الفلاحين من أراضيهم.

بعد الاستقلال، فرضت الدولة عدة إصلاحات زراعية. إلا أن هذه الاصلاحات زادت من تركيز الأراضي في يد الطبقة الغنية، وتشرّد العديد من الفلاحين الصغار الذين لم يكن بمقدورهم مسايرة هذه الإصلاحات. 

في هذا السياق برزت حركة «الفلاحين بدون أرض» -التي تأسست عام 1984- باعتبارها حركة اجتماعية انطلقت من قاعدة أساسية: حق الفلاحين الفقراء في استغلال أراضٍ غير منتجة واستصلاحها وجعلها مصدرًا للدخل. ويأتي هذا الحق من منطلق الدستور البرازيلي الذي ينص على أن الأراضي الزراعية ينبغي أن تؤدي وظيفة اجتماعية. وتعد هذه القاعدة خطوة أولى نحو تقليص حجم التفاوت الاجتماعي التي عانى منه البلد ولا يزال.

وإلى حدود سنة 2006، كان ما يقرب ستمائة مخيم على الأراضي البرازيلية، تسكنه حوالي 80 ألف أسرة في انتظار أرض لها. ومنذ عام 1984، نجحت الحركة في توفير 1600 مستعمرة، تبلغ مساحتها الكلية سبعة ملايين هكتار، لأكثر من 350 ألف أسرة.

وبالإضافة إلى تأمين التعليم والصحة والأنشطة الثقافية وحماية البيئة في جميع المستعمرات التابعة للحركة بالبرازيل؛ تشكلت خمس وثمانون تعاونية، وأنشئت 400 جمعية للإنتاج والتسويق والخدمات، وأُطلقت ست وتسعين ورشة عمل صغيرة ومتوسطة لتجهيز الأغذية الزراعية.

تمسكت حركة «الفلاحين بدون أرض» بأهدافها، وأكدت على دورها في استصلاح الأراضي الزراعية، متجاوزة مفهوم «الملكية الخاصة» ومطالبة بحق العمل في الأرض. ولذلك فهي لا تبيع الأراضي، بل تستصلحها، معبرة أن «الإصلاح الزراعي العادل هو إصلاح ينقلب على النظام الأبوي المترسّخ في مقاربة الأرض، ويفرض نظامًا جديدًا لا يضمن حقوق الفلاحين فحسب، بل ظروفًا متكاملة تتيح تطوير إنتاج السلع والخدمات.»

وهكذا، بمناداتها أيضًا بالحفاظ على الموارد الطبيعية وتحقيق المساواة الطبقية والجندرية، نجحت الحركة في ترك بصمة تنموية داخل المجتمع المحلي، عجزت الحكومة البرازيلية لسنوات طويلة عن تحقيقها. 

تونس أنموذجًا: واحات جمانة

أما عربيًّا، فتظل تجربة «واحات جمنة» من التجارب الرائدة على مستوى الاقتصاد التضامني، ونموذجًا للتسيير الذاتي. ومثلها مثل بقية البلدات التونسية، خضعت جمنة -وهي بلدة تقع جنوب تونس، بالكاد يتجاوز عدد سكانها 7000 نسمة- للاحتلال الفرنسي ما بين سنة 1881 إلى غاية 1956.

لتُفوّت واحاتها لشركة خاصة بعد الاستقلال. بعد ذلك، فُوّتت الأراضي للمستثمرين الخواص، واستمر هذا الوضع في البلدة إلى 12 يناير 2011، حين اقتحم السكان جمنة مطالبين الحكومة باسترجاعها. شكل السكان إدارة مؤقتة لهذه البلدة، انبثقت عن اللجنة المحلية لحماية الثورة ودعمها، باعتبارها شكلًا تنظيميًّا ومحليًّا. وانطلاقا من نية إرجاع الأراضي للمستفيدين المحليين، تأسست جمعية «حماية واحات جمنة».

وبينما كان استغلال المستثمرين الخواص لواحات جمنة استغلالًا ربحيًّا بامتياز، استطاعت الجمعية تحقيق قفزة نوعية للتنمية داخل هذه البلدة. حيث استطاعت مضاعفة الأرباح السنوية التي كان المستثمرون قبلهم يجنونها من بيع التمور.

إذ طبّقت الجمعية مقاربة تشاركية تهدف إلى إشراك عدد أكبر من الأفراد في هذه العملية، والحرص على الشفافية في معاملاتها. ويكفي أن الأهالي أصبح بإمكانهم الاطلاع على الحسابات المتعلقة بعملية البيع، كما أنه صار بمقدورهم إبداء مختلف الاقتراحات والملاحظات.

ونجحت جمعية «حماية واحات جمنة» في توفير أكثر من مائتي فرصة عمل، بالإضافة إلى وقوفها على إنشاء عدة منشآت بالبلدة كالسوق المغطى وقاعات مختلفة للرياضة ودروس الدعم المدرسي. كما شرعت بتمويل بعض المهرجانات الثقافية والأنشطة الأخرى، أنشطة لا تهم أفرادًا معينين بقدر ما تهم المجتمع المحلي ككل. 

وبينما كانت واحات جمنة رمزًا للفساد، حين مُرّرت إلى الخواص بطريقة تثير العديد من علامات الاستفهام، ها هي تتحول إلى نموذج يُضرب به المثل. إذ استطاع المجتمع المحلي -والذي تمثله جمعية من جمعيات المجتمع المدني- رفع مردودية الواحات وجعلها مصدرًا لسد العديد من حاجيات الساكنة.

التنمية وخصوصيات المجتمع المحلي

تُعرّف التنمية حسب الباحث فرانسوا بيرو بـ«مجموع التغيرات الذهنية والاجتماعية لساكنة ما تجعلها قادرة على تحقيق نمو ناتجها الحقيقي والكلي بشكل تراكمي ومستدام». وبالتالي يبدو أن التجارب التنموية المتمثلة في تجربتي «حركة الفلاحين بدون أرض» و«واحات جمنة» أكثر نجاعة، كونها تجارب جسّدت مختلف تغيرات الساكنة ومدى قدرتها على تحقيق نموها بعيدًا عن تدخل الدولة وفرض سياسات معينة، قد لا تكون بالضرورة مناسبة للمجتمع.

مما يدفعنا لإعادة النظر في إمكانيات الأفراد الذين يمثلون المجتمع المحلي في تحقيق تنمية ناجحة تستجيب لحاجيات الساكنة، تنمية تنطلق من خصوصياتهم التاريخية والثقافية والاقتصادية. وتعود عليهم بالنفع. فدعنا الآن نعيد طرح سؤالنا الذي انطلقنا منه بصيغة أدق: هل آن الآوان للتفكير في تنمية تُراعي الخصوصيات المحلية، منطلقة من أفراد المجتمع لا من سياسات عليا؟ 

الاقتصادالتنميةالزراعةالمغرب العربيالرأسمالية
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية