الجرح الغائر لأميركا اللاتينية: صفحات من تاريخ العبودية

الجرح الغائر لأميركا اللاتينية: صفحات من تاريخ العبودية

لالوليد محمد
4 فبراير، 2019

في عام 1492م، احتفل فرناندو (Ferdinand) ملك أراغون وإيزابيلا (Isabella) ملكة قشتالة، اللذان قد تجاوزا بزواجهما تمزّق المملكتين، بانتصارهما على غرناطة، آخرِ معاقلِ المسلمينَ في أسبانيا. كانت الحرب قد أنهكت وأفرغت الخزانة الملكية، كانت تُعتَبرحربًا مقدَّسةَ، حربًا ضد الإسلام.

اجتمعت الحشود لترى أعلامهما المرفوعة فوق أسوار غرناطة، ودقّت الأجراس في أوربا فرحًا بهذا الانتصار. قُدِّم كريستوفر كولومبوس (Christophorus Columbus)، الأدميرال الإيطالي، في احتفال كبير في غرناطة، وبعده بعام أبحرَ بحثًا عن طريق تجاري جديد للهند، ولكنه بدلًا من ذلك اكتشف الأميركيتين.

وبدعم هذه الرحلة، كان فرناندو وإيزابيلا قد سارا خطوة من دون قصد نحو السيطرة الأوربية على العالم. لم تتباطأ الكنيسة في إضفاء طابع القداسة على غزو الأراضي المجهولة في الطرف الآخر من البحر. وقام البابا إلكسندر السادس بتقسيم العالم من القطب إلى القطب بين الإسبان والبرتغاليين، وأعطى فيرناندو وإيزابيلا التفويض بشن “الحرب العادلة” ضد السكان المحليين الذي يقاومون المستعمرين الأوربيين.

الدهشة الأولى

عندما وصل كولومبوس جزر سان سلفادور (San Salvador) المرجانية، أذهلته شفافية الكاريبي الزاهية، والمشاهد الخضراء، وعذوبة ونقاء الهواء، والطيور الرائعة، والفِتْية “ذوو الجسم الممشوق.. أناسٌ بالِغو الجمال وشديدو الوداعة“، الذين يقطنون تلك الأماكن. وقد أهدى السكان المحليّون -عن حسن نيّةٍ- بعض القبعات الملونة، وبعض قِطَعِ الزجاج التي توضع حول العنق، والكثيرَ من الأشياء ذات القيمة القليلة، والتي جعلتهم سعداء جدًا. لقد أظهر الغزاة لهم السيوف، لم يكونوا يعرفوها، فأمسكوا بها من الأنصال، وجرحوا أنفسهم.

يقص الأدميرال في يوميات الرحلة:

“لقد كنت منتبهًا وحاولت معرفة ما إذا كان ثمة أثر للذهب، ورأيت بعضهم يحملون قطعة معلقة من ثقب في أنوفهم، ومن خلال إشاراتهم فهمت أنه في حال السير جنوبًا أو بالدوران حوال الجزيرة، فإن هناك ملك لديه أواني كبيرة من هذا المعدن، لأن من الذهب تصنع الكنوز، ومن يمتلكه يفعل كل ما يشاء في الدنيا ويصل إلى إدخال الأرواح إلى الجنة”

ظل كولمبوس في رحلته الثالثة يعتقد بأنه يتجول في بحر الصين عندما ولج شواطئ فنزويلا.

عندما كان الإسبان يصلون إلى منطقة جديدة، كانوا يقرؤون بيانًا رسميًا بالإسبانية، ليُعلموا السكان المحليين، بلغةٍ لا يفهمونها، أن البابا قد منح الإسبان أرضهم، وأن عليهم أن يستسلموا للكنيسة وللملوك الكاثوليك، كان إنذارًا واضحًا وبليغًا يحثهم على اعتناق العقيدة الكاثوليكية المقدسة:

“إن لم تفعلوا، أو أبديتم في ذلك إبطاءً بسوء نية، فإننا نشهدكم بعون الرب، بشنِّ الحرب عليكم بسطوة، في كل مكان وبكل الطرق الممكنة لطاعة الكنيسة وصاحبة الجلالة، سنأخذكم ونأخذ زوجاتكم وأبناءكم، ونجعلكم عبيدًا، وسنستولي على بضائعكم وسنلحق بكم كل ما نستطيعه من الأذى”

لم يكن الإسبان بحاجة إلى استيراد العبيد الأفارقة

فقد قاموا باستعباد السكان المحليين للعمل في المناجم لزيادة ثرواتهم. في نهاية القرن السادس عشر، كان الإسبان يشحنون سنويًا في البحر ما يعدل 300 مليون گرام من الفضة، ومليوني گرام من الذهب. لم يشعروا بأدنى قدر من تأنيب الضمير لطريقة تعاملهم مع السكان المحليين، فبالكاد كانوا يعتبرون هؤلاء “المتوحشين، الهمج” بشرًا.

كان الذهب والفضة المفتاحين اللذين استخدمتهما النهضة لفتح أبواب الجنة في السماء، وأبواب النزعة التجارية الرأسمالية على الأرض. اختلطت ملحمية الإسبان والبرتغاليين في أميركا اللاتينية بين نشر الديانة المسيحية، ونهب الثروات المحلية. لقد كانت السلطة الأوربية تنتشر وتمتد لتطوّق العالم. فالأراضي البكر، الكثيفة بالغابات والمخاطر، كانت تثير جشع وشهوات القادة، الفرسان والنبلاء، والجنود بأسمالهم؛ لكسب غنائم الحرب الرهيبة.

حينما حل الإسبان في أميركا، كانت إمبراطورية الإنكا في قمة ازدهارها، وكانت سلطتها تمتد اليوم في ما يُعرف بالبيرو، وبوليفيا، وتغطي أجزاء من كولومبيا وتشيلي وتصل حتى الشمال الأرجنتيني والغابات البرازيلية، وكانت وحدة الأزتيك قد بلغت مستوى راقيًا من الكفاءة في وادي المكسيك، أما أميركا الوسطى فكانت حضارة المايا متصلة في الشعوب التي ورثتها، والمنتظمة في العمل. لقد تركت هذه المجتمعات شواهد كثيرة على عظمتها: تركت آثارًا دينية مشيدة بحكمة تفوق حكمة الأهرامات المصرية، وإبداعَ تقنيات فعالة في الصراع ضد الطبيعة، وأعمالًا فنية تشي بعبقرية فريدة.

يمكن مشاهدة مئات الجماجم التي أُجريت لها عمليات معقدة وعلاج بشرائح من الذهب والفضة من جانب جراحين الإنكا. وكان في شعب المايا فلكيون عظماء، فلقد قاسوا الزمن والمسافة بشكل دقيق، واكتشفوا قيمة الرقم صفر قبل أي شعب آخر في التاريخ. وقد أذهلت قنوات الري والجزر الصناعية التي خلفها الآزتك هرنان كورتيس (Hernan Cortes)، رغم أنها لم تكن مصنوعة من الذهب. لقد أمكن عمل هذه المصاطب وقنوات الري، في تلك الامبراطورية التي لم تعرف العجلة، ولا الحصان، ولا الحديد، بل عن طريق التنظيم المتحقق من تقسيم العمل، وأيضًا بفضل قوة الدين الذي يحكم علاقة الإنسان بالأرض المقدسة وبالتالي يجب أن تكون حيّة على الدوام.

دمر الغزاة أسس تلك الحضارات. وكانت الحضارة التي فتكت بتلك الأراضي قادمة من الجانب الآخر للبحر تعيش حالة انفجار خلّاق لعصر النهضة. وكان مفكرو عصر النهضة “الإنسانيون” منحازين للمشروع الاستعماري. في كتاب يوتوبيا لتوماس مور (Thomas More)، الذي يحكي عن مجتمع مثالي متخيّل في جزيرة معزولة ، يذهب اليوتوبيون إلى الحرب لصد الهجمات عن أراضي أصدقائهم، أو لتحرير البشر المقهورين من الظلم والعبودية باسم الإنسانية.

إلى هنا تبدو الصورة مشرقة، ولكن كانت هناك حدود لهذه السياسة الخيّرة: فحين يزداد عدد السكان ويصبح أكبر من قدرة الجزيرة على الاحتمال، يشعر اليوتوبيون بأنهم مخوّلون بإرسال السكان لبناء مستعمرات على اليابسة، حيثما وُجدت أرض غير مزروعة أومستفاد منها من قبل السكان المحليين.

يزرع اليوتوبيون هذه التربة المتروكة، التي كانت مجدبة ومقفرة، ويجعلون هذه الأرض تنتج الخير الوفير. يمكن للسكان المحليين الودودين أن يندمجوا في المستعمرة، إلا أن اليوتوبيون لم يشعروا بأي درجة من تأنيب الضمير عند قتال من يقاومهم:

“من المبرر تمامًا قتال أولئك البشر الذين يتركون أرضهم متعطلة ومهملة ثم يمنعون الآخرين من الاستفادة منها وامتلاكها، فوفق قانون الطبيعة، يجب على الآخرين الاستفادة من هذه الأرض”.

كانت أوربا تعاني المجاعات ولم يعد بإمكانها أن تستوعب التزايد السكاني، ولذا فقد كان الإنسانيون مثل توماس مور مغتاظين من فكرة وجود أراض صالحة للزراعة غير مستغلة.

لقد هُزم السكان الأصليون، في البداية، بسبب الذهول. تناقلت الأخبار عن تلال ضخمة تتحرك في البحر، تُطلق أصوات مرعبة تصم الآذان، يخرج من أحشائها شيء مثل كرة من الحجر تمطر لهيبًا. لقد ظن السكان الأصليين أن الآلهة تعود منتقمة، لتصفية الحسابات. جالبةً معها  دروعًا، وأغطيةَ سروج مزركشة تصد الحراب والحجارة، وأسلحة تطلق برقًا قاتلًا محوّلة الجو ظلامًا بأدخنة لا يمكن استنشاقها.

كما أن الغزاة كانوا يمارسون، ببراعة سياسية، أسلوب الخيانة والتآمر. لقد عرفوا على سبيل المثال، استغلال سخط الشعوبة الخاضعة لسيطرة الآزتك والانقسامات التي كانت تمزق سلطة الإنكا. فأصبح المتمردون حلفاءَ لكورتيس، واستخدم بيزارو الحرب بين وريثي إمبراطورية الإنكا، الأخوين المتعادين لصالحه. كسب الغزاة أعوانًا من بين الطبقات الوسطى السائدة، من كهنة، موظفين وعسكريين، وعندما تم الإجهاز عليهم، وصلوا إلى القيادات العليا.

البطلان الفاتحان

كان هرنان كورتيس وفرنشيسكو بيزارو (Francisco Pizarro)، البطلان الفاتحان، رجالًا من طبقة اجتماعية دنيا ذهبا إلى العالم الجديد ليصبحوا نبلاء إسبان. حين وصل كورتيس إلى تينوتشيتيتلان (Tenōchtitlan)، عاصمة الأزتك، دخل الإسبان إلى دار الخزنة وصنعوا كرة ضخمة من الذهب، وأضرموا النار في كل ما تبقى، مهما كانت قيمته، ليحترق كل شيء. أما بالنسبة للذهب فقد حوله الإسبان إلى قضبان. سقطت المدينة مدمرة، مشتعلة ومغطاة بالجثث. لم تكن المشنقة والتعذيب كافيين. لم تكن الكنوز المنهوبة تشبع غليل خيالهم، وظل الإسبان لسنوات يحفرون قاع بحيرة المكسيك بحثًا عن الذهب والأشياء النفيسة التي افترضوا أن ”الهنود“ أخفوها هناك.

بعد أن أُعدم زعيم الإنكا أتاوالبا (Atahuallpa) على يد بيزارو، انقض على كوسكو عاصمة إمبراطورية الإنكا فائقة البهاء، لكنهم سرعان ما خرجوا عن ذهولهم وشرعوا في نهب معبد الشمس. وبينما كانوا يتصارعون، ويتقاتلون فيما بينهم، وكل يحاول الخروج بنصيب الأسد من الكنز، كان الجنود يدوسون الجواهر والتصاوير، ويطرقون الأدوات الذهبية بالمطارق لتصبح ذات حجم أسهل وأيسر حملًا.

واليوم في الثوكالو، في الميدان الضخم في قلب عاصمة المكسيك، ترتفع الكاتدرائية الكاثوليكية فوق أطلال أهم معابد الأزتك، ويقع قصر الحكومة فوق مقر الزعيم الأزنتيكي الذي شنقه كوارتيس. وفي كوسكو لم يستطع الفاتحون هدم جدرانها الضخمة، يمكن اليوم أن يُشاهد على أبواب المباني الاستعمارية، البرهان المعماري على حضارة الإنكا الشامخة.

كانت هناك عوامل أخرى ساعدت بشكل موضوعي على انتصار الغزاة. كالخيول والبكتيريا، على سبيل المثال. كانت الخيول قد انقرضت من تلك البلاد. وعندما عادت للظهور من خلال الغزو، أسهمت في إضفاء قوة سحرية للغزاة على مرأى من عيون الهنود المذهولة. وحسب إحدى الروايات، عندما رأى زعيم الإنكا أتاوالبا الجنود الإسبان الأوائل، وهم يمتطون خيولًا متوثبة مزيّنة بالأجراس والريش، تجري مثيرة الرعود والغبار بحوافرها السريعة، سقط على ظهره من الدهشة.

أما بالنسبة للبكتيريا والفيروسات، فقد كانا أشد الحلفاء فعالية. فمما جلبه الأوربيين معهم، الأوبئة الإنجيلية، الجدري، الجذام، الحمى الصفراء وغيرها من الأمراض الرئوية والمعوية والتناسلية. صار الهنود يموتون كالذباب، ولم تكن أجسادهم تمتلك الدفاعات الكافية ضد الأمراض الجديدة. أما من نجا منهم فقد أصبح ضعيفًا وغير نافع. يقدّر الأنثروبولوجي البرازيلي دارسي ريبيرو أن أكثر من نصف السكان الأصليين لأميركا، وأستراليا، وجزر المحيط ماتوا نتيجة العدوى بعد الاتصال الأول بالرجل الأبيض.

فضة بوتوسي: التل الذي بكى

عندما كان أحد الهنود، يقتفي آثار حيوان لاما هارب. اضطر لقضاء الليل في تل المدينة البوليفية بوتوسي (Potosí). أشعل نارًا كي لا يموت من البرد. فأضاءت النار عرقًا أبيض برّاق، ليندفع على إثرها السيل الإسباني. لقد كان التل، الذي يقع على ارتفاع نحو الخمسة آلاف متر، بمثابة مغناطيس شديد القوة، لكن الحياة أسفله كانت قاسية لا ترحم. كان البرد يلسع وكأنه ضريبة مفروضة، وفي غمضة عين نشأ مجتمع مزدهر غني وغير منظم. وبلغت المدينة قمة ازدهارها وصعود المعادن. لقد أصبحت بوتوسي “شريان المملكة الرئيسي”.

كان الإسبان يجوبون مئات الأميال بحثًا عن أيادٍ عاملة. وكان الكثير من الهنود يموتون في الطريق، قبل بلوغ بوتوسي. وكان زعماء الهنود ملزمين على إعطاء رجال جدد من سن الثامنة عشرة إلى سن الخمسين مكان الذين يموتون. خلال ثلاثة قرون، كان تل بوتوسي الغني قد أحرق ثمانية ملايين روح. لقد كان الهنود ينتزعون من التجمعات الزراعية ويساقون، مع زوجاتهم وأولادهم نحو التل. ومن بين عشرة يمضون نحو القفار العالية الباردة، سبعة لم يكونوا يعودون أبدًا. ومن خلال خمسة آلاف نفق استطاع الإسبان انتزاع ما يمكن انتزاعه من التل.

من الفضة استطاعت بوتوسي تشييد المعابد والقصور، والأديرة وبيوت القمار، كانت مسببة للمأساة، وأسالت الدم والنبيذ، وأشعلت الجشع وأطلقت العنان للتبذير والمغامرة. وجمعت الكثير من الرسامين والحرفيين. وسار السيف والصليب متلاصقين خلال الغزو الاستعماري. ومن أجل نهب فضة أميركا، اجتمع في بوتوسي القوّاد والنسّاك، مصارعي الثيران والرسل، الجنود والرهبان. وراحت أحشاء التل الثري بعد تحويلها إلى سبائك تغذي تطور أوروبا بشكل أساسي. وأصبحت بحلول عام 1650م واحدة من أكبر المدن وأغناها في العالم.

مجتمع بوتوسي المريض بالبذخ والتبذير، لم يترك لبوليفيا (Bolivia) سوى ذكرى أمجاد الماضي، وأطلال ودمار كنائسه وقصوره، وثمانية ملايين جثة للسكان الأصليين. إن أي ماسة من الماسات التي كانت تزين درع فارس غني، كانت تساوي أكثر مما يمكن لهندي أن يكسبه مدى حياته في العمل بنظام السُّخْرة، في أيامنا هذه. هرب الفارس بالماسة، ويمكن لبوليفيا -والتي هي واحدة من أفقر دول العالم- عبثًا يبعث على الشجن، أن تتباهى بأنها غذّت ثروة البلدان الأغنى. هذه المدينة التي حُكم عليها العيش على الحنين، ويعذبها البؤس والبرد، ما زالت جرحًا مفتوحًا للنظام الاستعماري في أميركا.

سكان بوتوسي الآن أقل بثلاث مرات عنهم منذ أربعة قرون. تبرز من المنازل هناك شرفات ضخمة من الخشب تلتصق ببعضها من رصيف إلى آخر بحيث يمكن للجيران أن يتعانقوا أو يتشاجروا دون الحاجة إلى النزول إلى الشارع، ما زالت القناديل القديمة ذات الضوء الشاحب، باقية في كل أنحاء المدينة. لم يبق في بوتوسي سوى أشباح الثروة الميتة. وأمام التل يرتفع الشاهد على الخراب. إنه جبل يحمل اسم هواكاجتشي، الذي يعني باللغة القديمة: “التل الذي بكى”.

إقليم ميناس غرايس: غابة الذهب

لقرنين من الزمن بدءًا من اكتشاف أميركا، ظلت تربة البرازيل، ترفض بعناد منح المعادن لملاكها البرتغاليين، وغطى استغلال الخشب، الفترة الأولى من استعمار السواحل. بخلاف أميركا الإسبانية بدت البرازيل خالية من الذهب والفضة، ولم يكن البرتغاليون قد وجدوا حضارات هندية ذات مستوى راقٍ من التطور، بل وجدوا قبائل متفرقة، تجهل المعادن. لاحظ الغزاة أن مجاري الأنهار تحتوي على آثار ذهب مترسبة، كان المطر منذ آلاف السنين قد برى عروق الذهب من الصخور ورسبه في الأنهار، وفي قيعان الأودية، وفي منخفضات الجبال، وتحت طبقات الرمل. وأخذت الأراضي الشاسعة تتكشف فيها رواسب الذهب عبر هزيمة وإبادة الهنود. وهكذا فجأة، دخل إقليم ميناس غرايس (Minas Gerais) التاريخ.

كان سكان البرازيل عام 1700م ثلاثمائة ألف، وبعد ذلك بقرن من الزمن، في ذروة سنوات الذهب، كان السكان قد تضاعفوا أحد عشرة مرة. وهاجر إلى البرازيل ما لا يقل عن مئتي ألف برتغالي خلال القرن الثامن عشر، أصبح عدد السكان، أكبر من العدد الذي جلبته إسبانيا إلى كل مستعمراتها الأميركية. ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن دورة الذهب كانت تمتص أيادي عاملة من العبيد بكميات ضخمة. يقدّر عدد العبيد السود المجلوبين من أفريقيا بنحو عشرة ملايين. قبل عبورهم الأطلنطي، كان البرتغاليون يعمدونهم جميعًا.

في البرازيل كانوا ملزمين بحضور القداس، رغم أنه كان من المحظور عليهم دخول المحراب أو الجلوس على المقاعد. ولم يزد انفجار الذهب استيراد العبيد فحسب، بل أنه كذلك امتص جزءً كبيرًا من اليد العاملة السوداء المشغولة في مزارع السكر والتبغ في أقاليم البرازيل الأخرى، بحيث بقيت دون يد عاملة.

كانت النقود تزيد عن الحاجة ولهذا كانوا يشيدون الكنيسة بجوار الأخرى. وانتشرت الكنائس الجميلة المزينة على الطراز الباروكي الذي يميز الإقليم. من الخارج كانت المعابد تبدو هادئة. أما في الداخل، فكان يتلألأ روح القدس، بالذهب الخالص في المذابح والأعمدة، وفي الصور المرسومة بالنقش المذهب، لم يكن البناة يبخلون بالمعادن النفيسة، حتى قيل أن الكنائس بلغت ثروات السماء.

لم يتبقّ، على التربة البرازيلية، شيء من الدافع الحيوي للذهب، باستثناء المعابد والأعمال الفنية. في أواخر القرن الثامن عشر، أصبحت البلاد متعبة. سقطت ميناس غرايس بغتة في هاوية الانكماش والخراب. الزائر اليوم للإقليم سوف يشاهد منازل متهاوية من الخشب، وقرى من دون ماء أو كهرباء، وعاهرات متوسط أعمارهن ثلاثة عشر عامًا على جانب الطريق، الذي يضم كذلك الجوعى والمجانين. أما الكنائس فما تزال شامخة فوق الأطلال الاستعمارية، دون وجود أشياء مقدسة، فكل ما يُمكن نهبه قد نُهب. كانت نشوة الذهب من شؤون الماضي، وسميت الأعمال باسماء الأنبياء. لكن لم تعد هناك أية أمجاد للنبوة، وكانت الخيلاء والبهجة قد اختفيا تمامًا، ولم يبق مكان لأي أمل.

تقول الأسطورة أنه في كنيسة نوسا سينيورا، في ميناس غرايس، ما زالت أرواح عمال المناجم الموتى، يحتفلون  بالقداس في الليالي الباردة الممطرة، وتظهر عظام وجه الكاهن بارزة، بينما يرفع يديه عند المحراب الكبير. ولا أحد يستطيع معرفة أي نوع من الابتهالات يُرسلها ذلك الكاهن إلى السماء!

جزر السكر: الذهب الأبيض

كان البحث عن الذهب والفضة، هو الدافع الأساسي للغزو. لقد أحضر كولومبوس في رحلته الثانية، الجذور الأولى لقصب السكّر، من جزر الكناري، وزرعها في الأراضي التي تسمى اليوم جمهورية الدومينيكان، وابتهج حينما أورقت النباتات بسرعة. كان صنفًا مُشتهى من جانب الأوربيين حتى أنه كان يمثل شيئًا رئيسيًا في جهاز الملكات، كان يباع في الصيدليات، ويوزن بالگرام. وكان يعتبر أهم منتج زراعي للتجارة الأوربية. امتدت مساحات القصب على طول المنطقة الساحلية الرطبة والدافئة في شمال شرقي البرازيل، وامتدت فيما بعد في جزر الكاريبي. حضرت فيالق هائلة من العبيد من أفريقيا لتقدم للملك السكر. كان الأراضي بحاجة إلى وقود بشري للاحتراق. خرب الأراضي هذا النبات الأناني الذي غزا العالم الجديد، وجرف الغابات، وأرهق الخصوبة الطبيعية.

إقليم الغابات في شمال شرق البرازيل، الذي خُلق لينتج الغذاء، أصبح إقليمًا للجوع. حيث كان كل شيء ينبت بوفرة طاغية، خلّفت فيه زراعة قصب السكر، أراضٍ مدمرة وكاسحة، صخورًا عقيمة، وتربة منكوسة ومتآكلة. كانت الحرائق التي تفسح الأراضي لزراعة القصب، تدمّر النباتات وتُدمر معها الكائنات الحية. فقد اختفت الغزلان، والخنازير البرية، والدببة، والأرانب وغيرها. تمت التضحية بالكساء النباتي، بالزرع وبالحيوانات مقابل الزراعة الأحادية لقصب السكر، وسرعان ما أنهك الإنتاج الكثيف التربة. إن الشمال الشرقي البرازيلي، في الوقت الحالي، هو الإقليم الأكثر تخلفًا في نصف الكرة الغربي. ويعاني اليوم من تركة الزراعة الأحادية للسكر. بينما نبعت من أراضيه التجارة الأكثر ربحًا للاقتصاد الزراعي الاستعماري في أميركا اللاتينية.

كانت جزر الأنتيل (Antilles) هي جزر السكر. فقد اندرجت في السوق العالمي كونها جزرًا منتجة للذهب الأبيض، وصار مكتوبًا عليها إنتاجه حتى يومنا هذا. كانت الجزر تستفيد قبل ذلك من الزراعة المتنوعة، فقد كانت تنتج، في إطار الملكيات الصغيرة، القطن والتبغ، والبرتقال، والأبقار والخنازير. والتهمت مزارع القصب المحاصيل الزراعية ودمرت الغابات الكثيفة، باسم ازدهارٍ اتضح فيما بعد أنه مؤقت. كان أفضل سكر في العالم ينبت من التربة الخصبة لسهول هاييتي، وهي المستعمرة الفرنسية التي أصبحت اسطبلًا للعبيد، فقد كان السكر كما ذكرت يتطلب أيدي عاملة باضطراب.

حدثت في الجزيرة أول ثورة العبيد بالتزامن مع الثورة الفرنسية، واستطاعت من خلالها إقامة أول جمهورية للعبيد طبقت فعليًا شعارات الثورة الفرنسية، التي تتمثل في الحرية، المساواة، الإخاء. لقد سببت أزمة هاييتي ازدهار السكر في كوبا، التي تحولت بسرعة إلى المورد العالمي الأول.

كان مدة أحد عشر شهرًا كافية للغزاة البريطانيين ليُدخلوا إلى الجزيرة كمية من العبيد كان يمكن أن تدخلها في 15 سنة في الظروف العادية، وتكوّن منذ ذلك الوقت، الاقتصاد الكوبي ليلبي احتياجات الخارج من السكر، أما عوائده فسوف تتمتع بها المصالح الاستعمارية. كان عمال الترسانة ومعمل الصهر والحرفيون الصغار الذين لا يحصون، والذين كان يمكن لإسهامهم أن يكون أساسيًا في تقدم الصناعات، كانوا يقصدون معامل تكرير السكر. وانضم إليهم الفلاحون الصغار الذين كانوا يزرعون التبغ في السهول أو الفواكه في البساتين، بعد أن صاروا ضحايا للتربة التي دمرها القصب الوحشي. تضاعفت في الحقول الكوبية أبراج معامل التكرير، وكان كل معمل يتطلب أراضي جديدة باستمرار.

ليس السكر فقط. وإنما هو تاريخ الكاكاو أيضًا، الذي أنجب ثروة في كاراكاس (Caracas) عاصمة فنزويلا التي تعد اليوم من أخطر مدن العالم، والقطن في مارانياو، ذات العظمة البهية والسقوط المريع. تاريخ مزارع المطاط في الأمازون، التي تحولت إلى مدافن لعمال الشمال الشرقي البرازيلي الذين جُندوا مقابل قروش، تاريخ غابات الأشجار العملاقة المدمرة في شمال الأرجنتين وفي الباراغواي. وهو أيضًا تاريخ البُن الذي يتقدم مخلفًا صحراء مقفرة وراءه، وتاريخ مزارع الفاكهة في البرازيل وكولومبيا والأكوادور، وكذلك بلدان أميركا الوسطى سيئة الحظ.

صار كل منتج يتحول إلى قدر ما، إلى قدر عابر في كثير من الأحيان، للبلدان والأقاليم والبشر. وقد واجهت المناطق التعدينية ذات المصير. بقدر ما يكون أحد المنتجات مطلوبًا بدرجة كبيرة في السوق العالمي، بقدر ما يزيد الشقاء الذي يجلبه للشعب الأميركي اللاتيني الذي يخلقه بتضحياته.

تضحيات الأفارقة

كانت قبائل أفريقيا الغربية تعيش متحاربة فيما بينها، لزيادة أرصدتها من العبيد، من أسرى الحروب. وكانت واقعة تحت السيطرة الاستعمارية للبرتغال، ولم يكن لدى البرتغاليين سفن ولا منتجات صناعية يقدمونها لهذه القبائل في مرحلة ازدهار تجارة العبيد، فتحولوا إلى مجرد وسطاء بين قباطنة تجارة العبيد لدى القوى الأخرى وبين صغار الملوك الأفارقة. وأصبحت إنگلترا هي البطلة الأولى لشراء وبيع اللحم البشري. لقد جعل نقل العبيد ميناء ليفربول، أكبر ميناء في العالم.

وافتتحت نظامًا جديدًا لأرصفة السفن، وازدادت السفن طولًا وصارت مهيأة لحمولات أكثر. كانت السفن تقلع ومخازنها محمّلة بالأسلحة، والمنسوجات والبُن، ومشروب الروم/الجن، والزجاج الملون، والتي ستكون وسائل دفع ثمن البضائع البشرية في أفريقيا، والتي سيكون ثمنها هو السكر، والقطن، والبُن، والكاكاو من المزارع الاستعمارية الأميركية.

كان كثير من العبيد يأتون من الغابة ولم يروا البحر من قبل، وكانوا يظنون أن هدير المحيط هو عبارة عن زئير وحش مخيف، ينتظر أن يلتهمهم. ولم تكن السياط ذات الذيول السبعة تفيد كثيرًا في احتواء القنوط الانتحاري لدى الأفريقيين. كان قد وصل إلى البرازيل ما بين خمسة وستة ملايين من الأفارقة، وكانت كوبا سوقًا ضخمًا للعبيد. فرض الإنگليز سيطرتهم على البحار، وتحولت بريطانيا لتصبح المحرك الأساسي للحملة ضد تجارة العبيد. لقد أصبحت الصناعة الإنگليزية بحاجة إلى أسواق دولية لها قوة شرائية أكبر. فانطلقت البحرية تهاجم سفن تجارة العبيد، بينما ظلت التجارة تنمو لتزويد كوبا والبرازيل.

ما إن تصل السفن الحربية إلى سفن القراصنة، يُلقى بالعبيد في الماء. رفع قمع تجارة العبيد الأسعار وأخذت الأرباح تتزايد بشكل كبير. وكان التجار في منتصف القرن يعطون بندقية قديمة مقابل كل عبد قوي ينتزع من أفريقيا، لإعادة بيعه في كوبا بأكثر من 600 دولار.

وجد في الوثائق القديمة، رسالة لأحد المحامين في الدومينيكان يقول فيها:

“إن الخوف من أن يتمرد العبيد غير وارد، ثمة أرامل في جزر البرتغال رزينات جدًا ومعهن 800 عبد، فالأمر كله يتلخص في كيف يُساسون، ووجدت عند وصولي بعض الزنوج العنيدين، وآخرين هربوا إلى الجبال، فجلدت بعضهم، وقطعتُ آذان آخرين، لم يبقَ هناك المزيد من المتاعب”

كان هناك العديد من التمردات في سانتو دومينغو (Santo Domingo). في الطرف الآخر من الجزيرة، هرب العبيد الفارون إلى أعلى مناطق هاييتي (Haïti) وأعادوا إقامة الحياة الأفريقية في الجبال. أعادوا زراعة الغذاء، وعبادة آلهتهم، وكذلك العادات.

مازال قوس قزح هناك يشير إلى طريق العودة إلى غينيا. الزائر لتلك المناطق اليوم، يستطيع مشاهدة المحاريب المماثلة لمحاريب غينيا، ويمكنه أيضًا مشاهدة ذات الرقصات والاحتفالات عند قبائل أفريقيا الغربية. ومازالت تستخدم لغة الطبول، التي وصفها الكاتب النيجري أتشيبي (Achebe Chinua) في روايته الفاتنة، الأشياء تتداعى:

“جُنّ جنون قارعي الطبول، والجموع الهائلة على حدّ سواء. كانوا يتدافعون إلى المقدمة حيث بدأ المصارعان في الرقص وسط الحلبة. احتدّ تدافع الناس، حتّى إنّه لم يعد يُرى لقارعي الطبول أثر، ولم يعد القرع المحموم، مجرّد أصوت مدوّية من الطبول، وإنما خفق نبضٍ جماعي هادرٌ من القلوب”.

نبتت من شاطئ غرب أفريقيا آلهة الخير والشر التي عبرت القرون والمحيطات، لتتحول إلى الأشباح المنتقمة للمنبوذين، أولئك البشر المهانون الذين يتضرعون في الأحياء البائسة في  ريو دي جانيرو. إن رب المنبوذين ليس هو دائمًا رب النظام الذي جعلهم منبوذين. ورغم أن الديانة الكاثوليكية تضم 94 في المئة من سكان البرازيل، فإن السكان الزنوج يحتفظون في بتقاليدهم الأفريقية حية كما تواصل الحياة عقيدتهم الدينية، متخفية خلف التصاوير المقدسة للمسيحية. ظلت الآلهة الأفريقية حية بين عبيد أميركا، بفعل الحنين، وأساطير وخرافات الأوطان الضائعة، ومن خلال احتفالاتهم، وفي رقصهم، وفي صراعاتهم، عبروا عن ضرورة تأكيد هوية ثقافية كانت المسيحية تنكرها.

الهنود الحمر

منفيون في أرضهم، ومحكوم عليهم بالشتات الأبدي. دُفع هنود أميركا اللاتينية نحو أفقر المناطق، ونحو الجبال الجرداء أو أعماق الصحاري، بقدر ما كانت تتسع حدود الحضارة السائدة. لقد عانى الهنود ومازالوا يعانون من لعنة ثروتهم، وهذا هو مركب دراما كل أميركا الجنوبية. يعشق السياح تصوير هنود الألتيبلانو (Altiplano)، وهم يرتدون أزياءهم الشعبية، لكنهم لا يعلمون أن الزي الهندي الراهن فرضه عليهم الملك الإسباني كارلوس الثالث في أواخر القرن الثامن عشر. والألبسة التي أُجبرت الهنديات على استخدامها هي نسخة من الأزياء الإقليمية للفلاحات الإسبانيات في إقليم الأندلس، وبلاد الباسك. وحصل نفس الشيء مع تصفيفة الشعر، ذات الفرقة في المنتصف.

كان البونغو، الهنود الحمر المكرسين للخدمة المنزلية في بوليفيا، يأكلون بقايا طعام الكلب، الذي ينامون بجواره، وينحنون عند مخاطبتهم لأي شخص أبيض. يعملون كحيوانات جر، يحملون على ظهورهم أمتعة الفاتحين. حتى في أيامنا هذه، يمكن رؤيتهم على هضبة الألتيبلانو الأنديزية، يحملون حتّى بأسنانهم مقابل رغيف جاف. كان تغبّر الرئة أول مرض مهني في أميركا، وفي الوقت الحاضر، لا يكمل عمّال المناجم في بوليفيا الخامسة والثلاثون، لتبدأ رئاتهم برفض الاستمرار في العمل. وفي سلسلة جبال البانتاغونا المشتركة بين الأرجنتين وتشيلي، قي نهاية القرن، كان يقبض الجنود المال مقابل تسليم فروة رأس أو خصى الهنود الحمر.

في المنحدرات الأنديزية القريبة من عاصمة كولومبيا بوغوتا (Bogotá)، نجد أن الأجير الهندي مُلزم بالعمل أيامًا بالمجان حتى يسمح له صاحب المزرعة بأن يزرع أرضه، في الليالي التي يطلع فيها القمر. حتى الهنود، المعزولين في أعماق الغابات لا ينجون، في أوائل القرن الماضي، كان لا  يزال على قيد الحياة 230 قلبية في البرازيل، ومنذ ذلك الحين اختفت 90 منها، مُحيت من الوجود، بفضل انقضاض رجال وشركات الولايات المتحدة الأميركية على إقليم الأمازون، كما لو كان غربًا جديدًا. يموت الهندي دون أن يترك أثرًا وتباع الأراضي بالدولارات للمشترين الجدد. ويظهر الذهب والفضة والمعادن الوفيرة الأخرى في أحشاء الأرض الغنية.

في عام 1968، أثبتت التحقيقات أن مدير إدارة حماية الهنود متهم بارتكاب 42 نوعًا مختلفًا من الجرائم ضدهم، من ضمنها:

  • قتل الهنود بالمدافع الرشاشة بالطائرات المروحية والطائرات الصغيرة
  • إلقاء قنابل الديناميت على قراهم
  • إهداؤهم السكر ممزوجًا بالأسكرتين، والملح بالزرنيخ

إن مجتمع الهنود، في عصرنا، لا يوجد في الفراغ، خارج الإطار العام للاقتصاد الأميركي اللاتيني. يوجد هناك قبائل برازيلية حبيسة الغابة، وتجمعات في الألتيبلانو معزولة تمامًا عن العالم، ومعاقل الهمجية عند حدود فنزويلا. لكن بشكل عام، الهنود مندمجون في نظام الإنتاج وفي سوق الاستهلاك، ولو بصورة غير مباشرة. إنهم يشاركون، بوصفهم ضحايا. في بلد مثل غواتيمالا، على سبيل المثال، يشكلون عصب الحياة الاقتصادية القومية. فعامًا إثر عام، وبشكل دوري، يَهجرون أراضيهم المقدسة، الأراضي المرتفعة، والمزارع الضئيلة، ليقدموا الأيدي العاملة في حصاد البن والقطن والسكر في الأراضي المنخفضة. وأحيانًا يتعاون الجيش بكفاءة في مهمة إقناع المتواني. وحين يعود في ختام بضعة أشهر، وربما ببعض المال  في جيبه، يكون مصابًا بالسل أو الملاريا.

الولايات المتحدة الأميركية وأميركا اللاتينية: لماذا الشمال غني والجنوب فقير؟

لم يعبر الحجاج الأوائل من أجل الاستيلاء على كنوز أسطورية، ولا من أجل سحق الحضارات الهندية غير الموجودة في الشمال، بل لكي يستقروا في العالم الجديد مع عائلاتهم ويعيدوا إنتاج نظام الحياة والعمل، الذي كانوا يمارسونه في أوربا. لم يأتوا للغزو، بل للاستيطان. لقد تركوا إنگلترا لأنهم اعتقدوا أن رئيس الأساقفة أفسد كنيستهم بفرض الممارسات الكاثوليكية، وقد اعتبروا أن هجرتهم خروج جديد، وأن أميركا هي “أرضهم الموعودة”. كانت إنگلترا تعاني اكتظاظًا سكانيًا، وكانت أميركا منطقة واسعة ومهملة، ولأن الهنود في نظرهم، لم يكونوا يملكون فنًّا أو علمًا أو مهارة، وليست لديهم القدرة على التعامل مع الأرض، كان لزامًا على المستوطنين أن يأخذوا الأرض غير المستخدمة.

إن مستوطني نيو-إنگلند (New England)، النواة الأصلية للحضارة الأميركية، لم يتصرفوا كوسطاء استعماريين للتراكم الرأسمالي الأوروبي أبدًا، فلقد عاشوا في خدمة تطورهم الخاص وتطور أراضيهم الجديدة منذ البداية. لقد ساهمت مستعمرات الشمال الثلاثة عشر، كمتنفس لجيش الفلاحيين والحرفيين والأوربيين، الذي دُفعوا إلى خارج سوق العمل في بلدانهم. شكّل عمال أحرار قاعدة ذلك المجتمع الجديد على هذا الجانب من البحر. لم يكن ثمة ذهب ولا فضة في شمال أميركا، ولا حضارات هندية ذات تمركز سكاني كثيف ومنظم من أجل العمل، ولا أراض استوائية ذات خصوبة مدهشة في الشريط الساحلي، لقد أظهرت الطبيعة بخلها، وكذلك التاريخ، وكان ذلك من حسن ظنها.

أخذت تصل عربات الرواد، نحو أراضي الغرب البكر، الذين أخذوا يوسعون الحدود، على حساب مذابح السكان الأصليين. في عام 1862م، أصدر لينكولن (Abraham Lincoln) قانون هومستيد (The Homestead Act)، يمنح كل عائلة قطعة أرض، ويلتزم كل مستفيد بزراعتها خلال فترة لا تقل عن خمس سنوات. انتشرت الملكية العامة بسرعة رهيبة، وتزايد عدد السكان على الخريطة. خُلقت مصادر للعمل الزراعي وفي نفس الوقت تولدت سوق داخلية ذات قدرة استيعاب كبيرة، ألا وهي الكتلة الضخمة من المزارعين أصحاب الأراضي، للحفاظ على اندفاع التطور الصناعي.

وبالمقابل، فإن العمال الزراعيين الذين قد زحزحوا بحماس حدود البرازيل الداخلية، لم يكونوا عائلات من الفلاحين الأحرار الذين يبحثون عن قطعة أرض تصبح ملكهم، بل مجموعة أجراء تعاقدوا على خدمة أصحاب الملكيات الاستعمارية. ولم تكن الأراضي الداخلية في متناول السكان الريفيين، ظلّ العمال الزراعيين يفتحون البلاد، بضربات السكين، عبر الغابات.

والحقيقة هي أن عدم الأهمية الاقتصادية للمستعمرات الثلاثة عشر الأولى، أتاحت التنويع المبكر لصادراتها وأضاءت شعلة التطور القوي للصناعات. وتمتع التصنيع الأميركي الشمالي، منذ ما قبل الاستقلال، بحوافز وحماية رسمية. وأبدت إنگلترا تسامحًا، في نفس الوقت الذي حظرت فيه بحسم أن تصنع جزرها الأنتيلية ولو دبوسًا واحدًا. بينما اعتمدت أسبانيا والبرتغال، على وفرة هائلة من الأيدي العاملة في أميركا اللاتينية، تلا ذلك النقل الجماعي للعبيد الأفارقة.

وعلى مدى قرون كان يتواجد دائمًا عدد هائل من الفلاحين العاطلين، والمتاحين لنقلهم إلى مراكز الإنتاج. بالإضافة إلى أن الطبقات المسيطرة على المجتمع لم تتجه أبدًا إلى التطوير الاقتصادي الداخلي. كانت مكاسبها تأتي من الخارج، وكانت أكثر ارتباطًا بالسوق الأجنبية من ارتباطها بأقاليمها. إمداد أوروبا بالذهب، والفضة، والأغذية. كانت الطرق تنقل الحمولة في اتجاه واحد، صوب الميناء وأسواق ما وراء البحار.

كان المحرومون هم الذين قاتلوا، عند مطلع القرن التاسع عشر، بالحراب أو بضربات السكين، ضد السلطة الأسبانية. ولم يعوضهم الاستقلال، بل خان آمال من ضحّوا بحياتهم. وحين حل السلام، تم البدء بزمن الشقاء من جديد. كان أصحاب الأرض وكبار التجار يزيدون ثرواتهم، بينما ينتشر فقر الجماهير. وفي نفس الوقت، وعلى إيقاع مؤتمرات السادة الجدد لأميركا اللاتينية، تقطّعت أراضي نواب الملك التابعة للإمبراطورية الأسبانية، وولدت بلدان كثيرة كشظايا للوحدة القومية المفتتة. وضعت نفسها في خدمة الإنجليز، الذين دعموا حركات الاستقلال. كما تلا ذلك تاريخ من الخيانات ثم إحباط اقتصادي، اجتماعي، وقومي. وظلّت أميركا اللاتينية، التي تمزقها حدودها الجديدة، محكومًا عليها بالزراعة الأحادية والتبعية.

هذا ما يُفسر توسع الولايات المتحدة الأميركية كوحدة قومية، وما يجعل تسعة من أخطر عشر مدن في العالم من أميركا اللاتينية.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×