الدينار الكويتي، إلى أين؟

لعل أشد ما نغتبط عليه في الكويت نشأةُ الجيل الحالي وبضعة أجيال قبله في بيئة لم تستشعر أي تهديد اقتصادي على مستوى الدولة. إذ شهدت تلك الأجيال تصاعدًا اقتصاديًا قائمًا على السوق النفطية.

وعليه توجهت الدول النفطية في الخليج العربي والكويت على وجه الخصوص إلى استنزاف الإيرادات النفطية واستثمارها في البنى التحتية والتعليم والتنمية، لتحقق استدامة مستقبلية غير قائمة على النفط بشكل كلي.

واعتدت كذلك بآليات أخرى كإنشاء «صندوق الأجيال القادمة» الذي ترتفع قيمته كل سنة عبر استقطاع سنوي تمثل قيمته 10% من إيرادات الدولة، إضافة إلى تراكم عوائد استثماراته التي تصب في صالح ذات الصندوق.

وجاء تأثير تلك الوجهة بينًا على العقول الكويتية، لتبهرهم بوهم الوفرة المالية، مما أدى إلى حجب أنظارهم عما إذا كان نموذج اقتصاد الدولة مستدامًا أم لا.

ومن هنا تكرست عندهم مفاهيم سطحية تفتقر إلى الموضوعية الاقتصادية أحيانًا، بل وتستبعد حاجة الكويت إلى ترتيب أدواتها الاقتصادية أحيانًا أخرى، وذلك بحجة وفرتها المالية. ولعل ما دعم قوة تلك الحجة أكثر وأكثر، تملّك الكويت إحدى أكبر الصناديق السيادية في العالم.

ومن زخم تلك التداعيات، غاب عن تلك العقول تزامن التصاعد الاقتصادي مع الارتفاع السنوي للمصروفات بمعدل أعلى في الوقت ذاته. ففي حال انخفض سعر برميل النفط مثلًا عن مستوى التعادل في الميزانية، تقوم الحجة المعمول بها على تغطية العجز عبر السحب من الفوائض السابقة في الميزانية، والتي تراكمت في «صندوق الاحتياطي العام».

ولكن، ماذا لو استمر هذا العجز بالميزانية سنة بعد أخرى وأدى إلى نفاذ الاحتياطي العام؟ 

السماء لا تمطر ذهبًا

لأن السماء لا تمطر ذهبًا، أشارت الأرقام في آخر بضع سنوات إلى استنزاف عجوزات الميزانية، إضافة إلى بعض المخصصات الأخرى، آخر أربع وأربعين مليار دينار كويتي في الاحتياطي العام. 

وحسب قانون نيوتن الذي اقتصر في دراسته على الأجسام المادية، لكل فعلٍ ردة فعلٍ تساويه في المقدار وتعاكسه في الاتجاه. ولكن قانون الحياة يجعلنا نشهد كل ردات الفعل المختلفة، حتى قراراتنا التي نتخذها. فتبعًا لتلك السياسات والاستراتيجيات السابقة التي شهدناها وسرنا إليها بخطى ثابتة، نقبل اليوم ردود أفعالنا بتخبط وترنح هزيل.

تواجه الكويت في هذه المرحلة عجزًا لم تشهد له مثيلًا على مر التاريخ في ميزانيتها، يجابه نفاد «صندوق الاحتياطي العام». ولسد عجز الميزانية هذه السنة، لا يبقى أمام الكويت إلا ثلاث خيارات: إما الاستدانة أو السحب من «صندوق الأجيال القادمة» أو خفض قيمة الدينار الكويتي مقابل الدولار.

ونظرا لما توارثته العقول الكويتية من افتقار للموضوعية الاقتصادية، والنظر إلى الصورة العامة في القضايا الاقتصادية التي لا تغطي كافة الجوانب الدقيقة، مسلمة لصدأ رأيها ومستغنية عن صقل المشورة، فإننا نجدها ترجح الخيار الثاني والمعني بالسحب من «صندوق الأجيال القادمة»، وتراه الأقل ضررًا من بين البدائل الأخرى، في تهميش لأي حقائق أخرى متعلقة به.

إضافة إلى ذلك، تُرجح الكويت إيقاف استقطاع «صندوق الأجيال القادمة» في حال وجود عجز في الميزانية.

واستبعدت ذات العقول حاجة الكويت إلى ترتيب أدواتها الاقتصادية بحجة وفرتها المالية التي تتنافى معها حاجتها للعمل بأي حل يُطرح أو يقترح، وهي نفسها التي تجاهلت أي إشارة حريصة ومحبة بما يتوجب علينا فعله. وبناء على ذلك، استمرت في نهج أدى إلى استنزاف «صندوق الاحتياطي العام».

وما زالت تستمر في ذات النهج حتى تستنزف «صندوق الأجيال القادمة»، الذي سيغرق في التخبط والعشوائية، عاجزة عن البت في قرارات مصيرية، ومتجاهلة قيمة تلك الصناديق، الصانع الرئيس لقيمة الدينار الكويتي.

استنزاف قيمة الدينار الكويتي

من هنا نطرح تساؤلنا المستمر، إذا ما كنا نشهد في الكويت استمرارًا في نهج الاستنزاف لا البناء، فهل سيكون باستطاعتنا المحافظة على قيمة صناديق قادرة على حفظ قيمة الدينار الكويتي؟ الإجابة معنية بالنفي القاطع إحصائيًا واكتواريًا ورياضيًا واقتصاديًا بما لا يقبله العقل والمنطق!

وقد صرح البنك المركزي الكويتي في أكثر من مناسبة بمتانة الاحتياطيات النقدية المعززة لقيمة الدينار الكويتي، وهذا مما لا خلاف عليه. لكن الأمر مرتهن بالزمن، ويمكننا القول أنه كذلك حتى الآن فقط!

فالخلاف الذي يقض مضجع كل من يحرص ويهتم بمستقبل هذه البلاد هو ما يناقش استمرارية تلك المتانة في ظل استمرار ارتفاع مصروفات الدولة بمعدل يفوق ارتفاع إيراداتها، الأمر الذي يحقق عجزًا يتراكم بارتفاع أسّي كل سنة وبنهج متتابع.

وحتى ذلك الحين، توجهنا المعطيات التي نشهدها والإجراءات التي نتبعها إلى صورة منمطة يمكن أن نتنبأ بها بالمستقبل القريب الذي يحزننا أن نكتب عنه بهذه السوداوية الموسومة بحبر الواقعية؛ وهي أننا سنفتقد في المستقبل لخيارات صحية تكفل لنا عيشًا كريمًا سوى خفض قيمة الدينار الكويتي!

ليس ذلك وحسب، بل سيمثل هذا الخيار الخطوة الأكثر حكمة والفرصة الأكثر جدوى من خيار استنزاف الاحتياطيات.

وقد تتسائلون عن وهمية حدوث ذلك، وقد تهزون رؤوسكم يمنة ويسرة استنكارًا باستحالة حدوثه، لكننا نجيبكم أن ذلك أمر معقول، كما يعقل أن نرجح خيار الاستدانة اليوم، مع الأسف. وكم نتمنى كما تتمنون أن يكون ذلك من ضروب الخيال. إلا أن ما نشهده يستحق وقفة ذهول ولحظة صمت بعد طرح هذا السؤال: نحن والكويت، إلى أين؟


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×