ماذا لو غيرت أزمة كورونا موازين النظام العالمي؟

لماذا يشعر الكويتيون بالامتنان لجورج بوش الأب؟

خالد تركي 23 أبريل، 2020
هل تود أن تستمتع للمقالة صوتيًا على شكل محادثة؟
اشترك في بودكاست أرباع للاستماع لمقالات ثمانية في لقاءات حصرية مع كتّابه

وُلدت في الكويت في تسعينيات القرن الماضي، أي أنني من جيل “بعد الغزو” وهي التسمية الشعبية التي تُطلق على من وُلد في السنوات القليلة اللاحقة التي أعقبت تحرير البلاد من الغزو العراقي المجنون عام 1990 الذي اتخذ قرار شنه الرئيس العراقي صدام حسين بناءً على نزوة مجنونة من نزواته. 

ولأن الكويت دولة نفطية صغيرة بعدد سكان قليل وشعب مترف نسبيًا، ولوجود أخطاء سياسية وعسكرية، لم تتمكن من الصمود أمام جحافل الغزاة الذين كان عددهم أكبر من عدد الشعب نفسه، فانهارت الدفاعات وفُقدت الدولة في غضون ساعات. والتجأ الكويتيون إلى المجتمع الدولي الذي قرر الوقوف بجانب الكويت، وعقد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب تحالفًا ضخمًا لتحرير الكويت من الغزو العراقي، وهو ما تم بسرعة فائقة وبأقل الخسائر وفي غضون أسابيع قليلة.

الانتصار الأميركي

زرع الانتصار الأميركي السريع، وسقوط الاتحاد السوفييتي بفعل عوامل داخلية في وقت تحرير الكويت نفسه، وانهيار المعسكر الاشتراكي، وتبدد حلم الوحدة العربية بسبب مواقف صدام حسين المجنونة اعتقادًا عامًا بأن “النظام العالمي” قد انتصر انتصارًا نهائيًا وأبديًا وأن لا قوة يمكن أن تنتصر عليه.

وارتبط جيل “بعد الغزو” بالنظام العالمي الذي حُشد لأجل قضية الكويت العادلة، واتخذ -لأول مرة- قرارًا بهذا الحجم مثل تحرير بلد ما بإجماع كافة دول العالم، وصارت المناهج الدراسية والأحاديث السياسية تلهج بفضائل النظام العالمي، بل ارتد الكثير من الشيوعيين الكويتيين الذين قاتلوا النظام العالمي نفسه في سبعينيات القرن الماضي ليتغنوا بأمجاد الأميركيين وهم “يحررون العالم العربي بدباباتهم”.

أغرق الامتنان لهذا النظام الدولي الجميعَ من العجائز إلى صغار السن ومن الفقراء والأغنياء والوافدين على حد سواء. وصار جورج بوش الأب رمزًا من رموز الكويت

النظام العالمي الجديد

باختصار، لم نقع نحن الكويتيون في غرام النظام العالمي الجديد فحسب، بل ارتبطنا به ارتباطًا مباشرًا وترسخ في وعينا أن وجودنا مرتبط ببقاء النظام العالمي على ما هو عليه اليوم بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وأغرق الامتنان لهذا النظام الدولي الجميعَ من العجائز إلى صغار السن ومن الفقراء والأغنياء والوافدين على حد سواء.

وصار جورج بوش الأب رمزًا من رموز الكويت، حتى سمّى بعضهم ابنه عليه، وأُنتج ألبوم غنائي كامل بعنوان ” يستاهل مستر بوش” غناه الفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا وداوود حسين وحياة الفهد، وبالمجمل فإن مئات الآلاف من الكويتيين -بما فيهم أنا- يشعرون بامتنان غريب لجورج بوش الأب على موقفه الشخصي في تحرير البلاد!

مواطن كويتي يحتفل بالتحرير – إرم نيوز

وتسرب استلاب النظام العالمي إلى الوعي الشعبي، وحتى إلى الفئات المتدينة التي كانت تعادي الولايات المتحدة الأميركية، فأحد أقاربي المتدينين الذي يقدم نفسه بصفته معاد لأميركا، رفض أن يضع الأشرطة اللاصقة على نوافذ منزله، كما فعل كل الكويتيين تقريبًا، خوفًا من استخدام النظام العراقي للأسلحة الكيماوية ردًّا على الغزو الأميركي عام 2003، وعندما اتهمه أقرباؤه الآخرون بالجنون والتفريط في حياته، هز كتفيه وقال: “لن يتركنا الأميركيون”.

مقاطعة أميركا

لم يبال الكثير من الناس بحملات مقاطعة البضائع الأميركية التي راجت مطلع الألفية في المنطقة العربية رغم انتشار التيارات الدينية في الكويت وسيطرتها على المناخ العام، إذ كانوا يعلمون حجم قوة أميركا التي رأوها رأي العين في عام 1991 وهي تحرر بلدهم بدقة متناهية وبأقل الخسائر.

زادت فيما بعد كراهية أميركا بالطبع، فقد أدت وحشيتها في دعم إسرائيل وقتلها للمدنيين في فلسطين والعراق وغيرها من بلدان العالم، وصعود الخطاب اليساري الجديد في الجامعات الغربية الذي يعادي النظام العالمي أو يفضحه على الأقل إلى نشوء جو عام من كراهية أميركا، خصوصًا بين المثقفين وخريجي الجامعات المسيسين أكثر من الإسلاميين أنفسهم، لكن شيئًا في قرارة نفس الجميع يقول إن النظام العالمي الحالي، بوحشيته ودمويته تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية، هو ما يضمن رفاهيتنا ورواتبنا وأمننا ومعيشتنا.

تغيّر النظام العالمي

أوربا، تلك القارة العجوز، فقدت ما تبقى من ثقلها الضئيل في المسرح السياسي الدولي، بعد أن أفقدته الحرب العالمية الثانية الجزء الأكبر

لكن النظام العالمي الذي بات حارسًا لرفاهيتنا تعرض لضربة لم يتوقعها أحد وهي جائحة فيروس كورونا المستجد الذي أصاب العالم، وما مِن أمرٍ عنه يبلغ حد التيقن سوى حقيقة واحدة تقول إن الفيروس ساهم في تسريع عجلة تغيير شكل النظام العالمي. فأوربا، تلك القارة العجوز، فقدت ما تبقى من ثقلها الضئيل في المسرح السياسي الدولي، بعد أن أفقدته الحرب العالمية الثانية الجزء الأكبر.

وتقول إن عصر هيمنة الولايات المتحدة الأميركية المطلق على العالم قد اقترب من الانتهاء في ظل صعود قوى جديدة، ووصول النظام السياسي الداخلي في أميركا إلى حالة انسداد تاريخية بوجود رئيس فاشي لا يعتد سوى بذاته ولا همّ له سوى موقع تويتر، ومرشحين عجوزين يكاد أحدهما ينسى اسمه ويناقض الآخر كل ما قامت عليه أميركا منذ فجر تاريخها.

اختبار عينات معملية – بكسلز

إن النظام العالمي الذي استند عليه أماننا طوال السنوات الثلاثين الماضية سيتغير بشكل أسرع مما كنا نتصور بسبب هذا الفيروس

لقد ولت أوربا سياسيًا إلى غير رجعة، وسيبقى تأثيرها منحصرًا في إقليمها وبين دولها، أما أميركا فلن تصبح جمهورية موز بالطبع، وسيبقى اقتصادها الأول عالميًا وقوتها العسكرية الأشرس ووزنها السياسي الأثقل، لكن اعتباراتها ومناطقها الحيوية وأولويات حمايتها ستختلف تبعًا لاختلاف موضعها من النظام الدولي، وظهور قوى جديدة على مسرح التاريخ أهمها الصين. وعلى هذا فإن النظام العالمي الذي استند عليه أماننا طوال السنوات الثلاثين الماضية سيتغير بشكل أسرع مما كنا نتصور بسبب هذا الفيروس.

كيف يتصرف المواطن في دولة ريعية؟

يخالجني، كما يخالج الكثير من الكتّاب والباحثين والمهتمين بالشأن السياسي في الكويت، شعور متناقض أشبه بالنفاق في المبادئ، بين حقيقة أننا نعرف الجرائم الأميركية التي تُرتكب في كل بلاد العالم باسم النظام العالمي والدولي وحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، وحقيقة أننا نتمتع بالأمان وبفتات الفتات من موائد الدولة الريعية التي تحمي وجودَها أميركا ذاتها.

بداخلي شخصان، شخصيتي الأولى هي الطبيعية إذ أجلس على مكتبي المريح في غرفتي التي تبعد بالضبط 28 كيلو مترًا عن أقرب قاعدة أميركية في الكويت، مستريحًا وآمنًا بوجود عائلتي التي لم تتأثر بحصار أو تجويع أو قصف أميركي، لأنني كنت على الجانب الطيب أي الجانب الذي تحبه أميركا، وأشعر في دواخل نفسي بامتنان لا أستطيع كبح مشاعري فيه لرئيس أميركي عاشق للحروب بسبب خوضه الحرب العادلة من أجلي. والشخصية الأخرى هي الشخصية المفارقة التي أفكر فيها، والتي تكره هذا الجزار الذي قتل أخوتي العرب، وتلمح كتبًا عن التطهير العرقي الذي ارتكبته أميركا يوم نشأتها تجاه الهنود الحمر وكتبًا عن المذابح السياسية تجاه العرب موجودةً في المكتبة بينما أكتب هذا المقال. 

يمكنني القول إن خيطًا رفيعًا يفصل بين الشخصية التي تتمتع بالأمان الذي وفره النظام العالمي الحالي لدولتنا ومن ثم لنا، والشخصية التي ترى ذات النظام يرتكب المجازر في حق الشعوب غير المحظوظة. يدعوه البعض نفاقًا وخداعًا للذات، وأدعوه ضرورة “نفاقية” لا بد منها كي لا نُجن ونحن نخيَّر بين أمن عائلاتنا أو عداء النظام العالمي.

لكن ما يمكننا الاتفاق عليه أن فيروس كورونا الذي اُكتشف في ووهان وأحدث انهيارًا في روما وربكة في نيويورك وغيّر موازين العالم، يصيبني بالارتباك وأنا أجلس على كرسيي خائفًا وساخرًا في ذات الوقت من الترابط العجيب بين حوادث العالم الصغيرة التي تنتج أحداثًا كبيرة تؤثر على حياتنا.

صورة الغلاف من بكساباي


هذه المقالة ضمن ملف ثمانية × كورونا

نعيش اليوم كارثة إنسانية مع ظهور فيروس كورونا (كوفيد-19). وهنا محتوى يوثّق هذه الأزمة. لكن بروحٍ عربية، وسعودية.
27
فرضت جائحة كورونا العديد من التحديات والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية على...
26
إلى جانب القلق اليومي مثلت الأشهر الماضية قلقًا من نوع...
25
يرى د. مشعل العقيل أن كورونا لم يعد مرضًا فحسب،...
النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×