في عام 1999 استيقظ الشعب الجزائري ليشاهد الجنرال “إسماعيل العماري” في لقاءٍ ودي على سفح الجبل مع “مدني مزراق” يقطعونه مشيًا ظاهرٌ الود عليهم ويتبادلون السلام والابتسامات.

يبدو المنظر غريبًا وعبثيًا ومفاجئًا على حدٍ سواء، خصوصًا بعد عشرية سوداء عاشتها الجزائر خرجت منها بربع مليون قتيل، ومئات الجماعات المتقاتلة، والشبان المسلحين عشوائيًا، وبشكل مفاجئ انتهى كل ذلك بعفو شامل لأعضاء الجيش الإسلاميّ إثر مفاوضات بين الجنرال “إسماعيل العماري” و”مدني مزراق” قائد الجيش الإسلامي، وصدح الإعلام بالعفو، أخلى المقاتلون الجبل، وبطريقة ما بدا أن جميع القتلى تم إغفال ذكرهم بين عناوين الأخبار في ذلك الوقت، في هذه العشرية السوداء تمت إبادة قرى بأكملها، وكل شاب يُحتمل حمله للسلاح سيكون عرضة للموت أو التمزق بين الجماعات المتناحرة، الجيش يتعاطى المخدرات والكل يقتل الكل، والكل يغني “وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر”.

ثم ماذا؟ لا أحد يعلم ما حصل بالضبط، انتهت الحرب الأهلية، وتم محوها من ذاكرة الناس تدريجيًا، أعداد القتلى غير مصرح بها، وعامل الإعلام الشعب باعتباره فاقدًا للذاكرة.

هل فقدت ألمانيا الذاكرة؟

أما شمالًا قبل أن تكون ألمانيا مهوًى للجنوبيين، حمل الألمانيون هتلر وحزب الرايخ في قلوبهم، هتفوا له مئات وألوفًا، حملوا الصليب المعقوف كتميمة، تسابق رجالهم نحو طوابير التجنيد، ونسائهم نحو وظائف التمريض لخدمة الحزب النازي.

انتهت الحرب العالمية بسقوط ألمانيا، انتصر الحلفاء وقرروا ما الذي يبقى من ذاكرة الألمان ومايجب أن يمحى، هذه الخسارة تركت في نفوس الألمانيين مرارةً فوق مرارة معاهدة فرساي التي سبقتها، وعلى الرغم من ذلك تم تناسي الطريقة التي عاشها الألمان وإغفالها اليوم.

تركز هوليوود في أفلامها الحديثة عن تلك الحقبة على تصوير يشيطن المؤيدين لهتلر، كأنهم قلة مسيطرة، وليسوا أغلبية مؤيدة، الألمانيون ذاتهم نسوا ونفوا ذلك التاريخ، ولو جزئيًا، ودفنوا مع التّاريخ تلك المشاعر.

اليوم لا يصلنا من تلك الفترة إلا مقاطع مصورة لهتلر يصرخ، وجيوش تزحف وخطر نووي يلوح في الآفاق، أما الأدب وما يموج في الوجدان والمواد الإعلامية التي دفعت الألمانيين وجيشتهم عاطفيًا، فقد فُقدت في مرحلةٍ ما تحت مقص الرقيب الدولي والخارجي، لقد خسرت ألمانيا ويجب أن تعيش في الذاكرة التي يسمح بها المنتصرون الآن، وأن تقدم اعتذارها على حماستها المفرطة لتكون أمةً محترمة آنذاك، فهل فقدت ألمانيا الذاكرة؟

إذا كنت قد قرأت رواية 1984 فستعلم حتمًا ما معنى إعدام الذاكرة وتغيير الحقائق وبتر سنوات كاملة دون أدنى تحرج، فعدو الأمس حليف اليوم وحليف الأمس عدو اليوم، يعمل بطل الرواية وينستون سميث كمحرر في وزارة الحقيقة مهمته تتلخص في مراجعة التاريخ؛ يعيد كتابة الوثائق ويغير الصور بحيث تتناسب مع ما يعلن للعامة على أنه الحقيقة، ويمحو الأفراد المغضوب عليهم أو “اللا أشخاص”، كما يعدم الوثائق الأصلية في “ثقوب ذاكرة” مخصصة لذلك.

يعود جورج أورويل مؤكدًا على فقدان الذاكرة وتخبطها أمام المعلومات، ففي روايته “مزرعة الحيوانات” يكرم الخنزير “سنوبول” كبطل قومي لأداءه في المعركة، ثم يتم نفيه لاحقًا لأسباب غامضة على إثر خلافه مع بقية الخنازير، وينتشر الخبر باعتبار أن “سنوبول” خائن متآمر في الأصل، وأن بطولته في المعركة ليست حقيقةً مطلقًا وإنما على العكس تمامًا كان ما فعله ذلك اليوم هو الخيانة بعينها، وأنه لا يستحق ثقة الحيوانات بعد أن كسبها بطريقةٍ كيديّة، وبطريقة ما صدقت جميع الحيوانات ذلك، لأنها تعلمت أن لا أحد يجرؤ على التذكر.

في كوريا الشمالية حدث سيناريو مشابه، حين اتهم رجل الدولة الأول زوج عمته “كيم جونغ أوم” بالخيانة، ومع أنه كان ملازمًا لكيم جونغ أون في أغلب المواد الإعلامية المرئية، فإن صورته محيت تمامًا من جميع الأفلام المصورة، والصور الفوتوغرافية كما صورها الفيلم الوثائقي لعبة البروبغاندا Propaganda Game.

كيف تتم عملية فقدان الذاكرة؟ إعادة ترتيب الأولويات:

هناك مبدأ يستخدمه الإعلاميون (فجر بدون قلق، إنه كأس العالم) في الإشارة إلى أحداث غزة عام 2014 أثناء كأس العالم، حيث رتب الإعلام أولويات القضايا حول العالم، وبالطبع كان لكأس العالم حصة الأسد، وتراجعت أخبار الحرب على غزة أمام أخبار كأس العالم المكثفة وظهرت كقضية صغيرة مزعجة ومعتادة، تعيشها المنطقة منذ الأزل.

إعادة رواية التاريخ:

تُستخدم أحداث مؤثرة من الماضي بعد تعديلها لجعل الرواية الحالية المكذوبة ذات تسلسل منطقي، فيعتقد الناس أنها كانت كذلك منذ وقت طويل دون أن ينبشوا في الذاكرة كثيرًا، تخيل بعد سنوات طويلة بثًا مكثفًا ومتعاطفًا مع الكيان الصهيوني ومشيطنًا لغزة وقضيتها، أي أن يقوم الإعلام يومًا ما، في لعبة المصالح بتغيير رأيه حيال القضية، ويبث هذا لأجيال لم ترى الحقيقة أو جزءًا منها سابقًا، لأن الرواية التاريخية تمت إعادة روايتها مراتٍ ومرات حتى ضاعت نسختها الأصلية من أذهان الناس الحاضرة، فلا تتعجب من جماهير تهتف على إثر ذلك لسلام المحتل وتراه كما يراد لها ذلك تمامًا.

صناعة الروابط غير المنطقية:

سيخبرك الإعلام أنه يعرف أكثر منك، إنه يستضيف المتخصصين ويخبرك بمفاهيم ليست ذات صلة بالقضية، وتوجه رسالتها إلى العقل الكسول حتى لا يستيقظ ويكتشف أي مهزلةٍ كبيرة هي العالم.

التكتم:

استخدمتها الأنظمة الشمولية كالشيوعية على وجهٍ خاص، تتفق الجهات الإعلامية ضمنيًا أو قسريًا بعدم التطرق أو حتى الإتيان على ذكر شيءٍ يخص القضية، وبذلك تموت، وتموت معها الكثير من الحقائق وتعتم الذاكرة.

البتر والتشويه:

المعلومة المشوهة أو المبتورة قد تكون أخطر الطرق وأكثرها تشويهًا للمرجعية، كونها تسقط الضوء على جزءٍ ولا تعرض الصورة الكاملة مطلقًا؛ تشويهًا لهذه الصورة وحماية للأكبر فالأكبر.

قد تفقد الشعوب ذاكرتها فعلًا، أو تتعمد ذلك، حين تصل للمرحلة التي يكون فيها أي شيء ولو كان عبثًا حلًا مرضيًا.

قد تثقل نفوسهم بالأساطير التي مجدوها طويلًا وتصبح حدود أملهم يومًا طبيعيًا هانئًا، وإذا كان الخيار هو التنازل عن الذاكرة فالأمر يستحق المساومة بالتأكيد، من يملك المادة يملك الذاكرة، ومن يملك الذاكرة يملك الحاضر، ومن ملك الحاضر ملك التاريخ، فمن هو الذي يملكهم؟



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.