يغدو الفرق شفافًا في كثير من الأحيان بين المواطن والمهاجر في البلاد التي ترحب بالمهاجرين، فالاختلاف بينهم فقط في جواز السفر، ولكن ماذا عن الدم والأرض؟ هل يمكن أن تكون نقية أو مختصة بأحد دون غيره؟

“قصتي قصة قديمة وأصبحت الآن مألوفة. لقد تشرّد كثيرٌ من الناس في هذا القرن. أعدادهم مهولة ومصائرهم الفردية والجماعية متنوعة، سيكون مستحيلًا أن أدّعي تميز وضعي كضحية. ماحدث لي منذ خمسين سنة يحدث لآخرين اليوم. رواندا، أفغانستان، وكوسوفو، والأكراد المهانون. قبل خمسين سنة كانت الفاشية والشيوعية، الآن هناك القومية والأصولية الدينية. لقد دفع السيد البريء والسيدة البريئة وأسرتاهما ثمنًا باهظًا في هذا القرن لمجرد وجودهم هناك. ربما انتموا إلى الطبقة الخاطئة، جماعة عرقية خاطئة، دين خاطئ، إلى آخره.”تشارلز سميث

ربما يكون هذا العَقد هو الأكثر شائكية وتعقيدًا في ملف اللاجئين دوليًا، والمهاجرين غير الشرعيين، وحتى الهجرة الشرعية.

ومع أن هذه القضية بالذات لا تُعد جديدة كما يقول تشارلز سميث، تمامًا كالحروب التي تنتج هذا النوع من المآسي.

وصحيح أن عالمنا العربي شهد ما شهد من لجوء وحروب من فلسطين، والعراق؛ إلا أن ورقة سورية كانت قاصمة ظهر الخلافات والاتهامات. إذ تفرق بهذه الحادثة كثير من الأبرياء في كل صقع من أصقاع الأرض، وهذا المصير سواءً اللجوء أو الهجرة، ليس بورقة رابحة في أغلب الأحيان ولكنه يقع في منطقة القرارات التي لا مفر منها.

موسم الهجرة إلى الشمال:

يبدو أنه قد عاد موسم الهجرة إلى الشمال، ويعود معه السؤال الأخلاقي الجديد الذي يطرح على بقية العالم دون المهاجرين، بين فتح الحدود أو الإبقاء على المحميات السياسية كحق حصري للمواطن حامل الجنسية.

“من الصعب على الذين لم يمروا بالتجربة أن يفهموا حقًا ماذا يعني ألا يكون لديك الوثائق اللازمة. أن كونك لا أحد أكثر إثارة من أن تكون شخصًا ما. الشوارع كانت مليئة بأولئك الأشخاص المهمين وهم يصنعون أجواء الثقة حولهم. نصف الوقت كنت أحسدهم، نصف الوقت كنت أنظر إليهم في شفقة. لقد كنت أعرف شيئا لم يعرفوه، شيئا من الصعب معرفته إذا لم يركلك التاريخ بقوة على مؤخرتك: كيف يبدو الأفراد غير ضروريين وعديمي الأهمية ضمن أي صورة كبيرة! كيف أن هؤلاء القساة لا يفهمون احتمال أن يكون ذلك مصيرهم أيضًا“. تشارلز سميث

بلغ عدد المهاجرين في عام 2015 214 مليون مهاجر شرعي وما يفوق 60 مليون لاجئ حول العالم، وعلى الرغم من التدفق الهائل والعكسي في بعض الأحيان، فإن دول اليوم تشهد صراعات داخلية لقوانين هجرة أكثر صرامة، ونقاشات برلمانية حول قوانين اللجوء، وحماية الثقافة، ورفع الرسوم الصحية على المقيمين، وقد لا يكون ذلك مستهجنًا للدول التي عرفت نفسها عرقيًا ولكن لا يكون على درجة من المنطق في دول المهجر مثل أميركا.

تقوم أميركا مؤخرًا بالحد من الهجرة بعدة قرارات رئاسية، وتبدو معظم الدول أنها ترغب بلفظ الزائرين الجدد جملة وتفصيلًا.

أما المهاجرون ذاتهم فهم محاصرون، ومحاضرون عن أسباب هجرتهم، ومدى ولائهم وحقيقة بيع أرضهم وهم مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن .. مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن” والأهم من ذلك أنهم بلا نهاية ولا وعد.

لماذا جئت من بلادك؟

 وصحيح أن المصطلح لم يعد دقيقًا خصوصًا بعد ارتفاع مؤشرات التنمية في دول الجنوب التي تقدمت إلا أن الطيب الصالح اختار عنوان موسم الهجرة إلى الشمال إشارة للهجرة جسدًا ونفسًا وفكرًا.

ولأن العالم مقسم بناءً علي دول شمال، ودول جنوب عن طريق خط وهمي يدعى خط برانت، هذا الخط يفصل الدول المتقدمة التي غالبًا ما تقع في الشمال، عن الدول النامية التي غالبًا ما تقع في الجنوب.

أما دول الجنوب التي تصدر المهاجرين، فإنها غالبًا ذات الدول التي تمت سرقة ثرواتها جورًا من قبل دول الشمال، وبذلك تعيد المهاجرين إليها في إنقلاب للعلة على المسبب، والسحر على الساحر.

وإلى جانب الثروات الطبيعية فقد سرقت دول الشمال الحرية والسلام كذلك، تقف مستغربة وتسأل بكل براءة: لماذا جئت من بلادك؟ مرتب أفضل؟ مسرح حر؟ صوت مسموع؟ غريب، من سرقه؟ ومن ساعد على سرقته ومن يحرص على استمراره مسروقًا حتى الآن؟

المهاجر وحده المضطر للإجابة على كل هذه الأسئلة دون أن تكون له فرصة أن يسأل الشمال بالمقابل.

هل يمكن إعادة اختيار الوطن؟

يقول أمين معلوف:

“لكل امرئ الحق في الرحيل، وعلى وطنه أن يقنعه بالبقاء، مهما ادعى رجال السياسة العظام عكس ذلك”.

“لا مرارة على الإطلاق. فالرحيل عن الوطن هو سُنَّة الحياة، وأحيانًا، تفرضه الأحداث، وإلا فيجب أن نخترع له عُذرًا. لقد ولدت على كوكب، لا في بلد. أجل بالطبع، ولدت أيضًا في مدينة، في طائفة، في أسرة، في حضانة، في فراش. ولكن المهم عندي، وعند جميع البشر على السواء، أنني جئت إلى هذا العالم، إلى هذا العالم! فالولادة هي المجيء إلى العالم، لا إلى هذا البلد أو ذاك، لا إلى هذا البيت أو ذاك.”

كثير من المؤشرات العالمية تذهب إلى مزيد من التنوع، ومزيد من الشعوب التي تحمل بقلبها شعوبًا، ومزيدًا من الحدود السياسية وقليل من الحدود الثقافية.

تبعًا لنظرة مؤيدي فتح الحدود والذين يدعون بالكوزموبوليتية (الكونية) النظرية التي تقول أن هناك معايير وقيم عامة تتجاوز حدود الدول القومية، وأن في صلب هذه المعايير والقيم توجد حقوق الإنسان فإن الأرض ملك للجميع، وإذا كنت لا أعلم من أين أتيت وإلى أين سأذهب فمن أنا لأحاكم الناس على مضايقتي في أي حيز؟

ويقابلهم المدافعون عن شرعية حدود الدولة أو مايسمون بـ”القوميين” وفلسفة أخرى تؤمن بالمادة الحالية والامتيازات التي يمتلكها المواطنون القوميين المرتبطين بالدم إلى جنسيتهم ويحصلون على حق المواطنة على هذا الأساس.

وفي صراع الفلسفتين استشراف للمستقبل الذي يسعى لأن يكون العالم أكثر ترابطًا وتوزيع الثروات فيه أكثر عدالة، إلا أن استشراف المستقبل لم يعد كافيًا، نحن بحاجة إلى حلٍ حقيقي أكثر من مجرد فلسفة عاجلة وسريعة، حلًا يجعل تجاربنا في الوصول إلى نُظم أكثر فعالية وقابلة للتطبيق على أرض الواقع.

هناك عدة تجارب عالمية ناجحة لتعزيز التنوع وتقريب المواطنين الأصليين مع المهاجرين مثل تجربة سنغافورة التي لا تتعدى مساحتها سبعمائة كيلومتر مربع في إحتواء ثلاثة أعراق وأكثر من دين وثقافة وتعتمد 4 لغات لغةً رسمية للبلاد. في المقابل، لم تستطع دول تتخطاها مساحة وتقل عنها تنوعًا، أن تسمح بالتنوع في دولها، ولا تسمح حتى بالعيش في بعض الأحيان.

مرحلة اللاعودة والاستيعاب:

في عالم مابعد العولمة، القائم بدرجة أولى على التنوع لا على الاختلاف، وعلى الرغم من أننا نشدد على أصالة الفرد والمجتمع، ولا ندعو لنسف الجذور والتاريخ، إلا أن واقع التنوع الهائل يتطلب منا استيعابه بأسرع ما يمكن، وتوظيفه ودمجه في مجتمعاتنا، وجعله جزءًا من هويتنا العالمية.

وحين نضع أقدامنا على أرض الواقع، فالواقع بدوره يخبرنا بأننا وصلنا إلى مرحلة لا يمكن فيها العودة إلى نقطة ما قبل المدن العالمية، الزاخرة بالأعراق والمباني الزجاجية، وإلا عدت رِدة في العالم الحديث، وأن مواكبة هذا العالم تتطلب استيعابه، بما في ذلك استيعاب التنوع وفتح الآفاق لثقافةٍ أصيلة يتم تعزيزها بالثقافات الواردة، وتكسب المدن انفتاحًا ومذاقات أكثر، بكثرة ساكنيها.

الكثير مما يتطلبه العالم منا، نحن والمهجرون، إلى أين؟

لا أحد يعرف حتى الآن. فقد تبدو فكرة الحدود المفتوحة أملنا اليتيم بالخلاص، لكن لا نعرف إذا ماكانت الحدود المفتوحة هي الجواب الصحيح، وهل ستكون هي الحل الأبدي؟  فقد تتكرر هذه الأزمة مرارًا وتكرارًا حتى بعد فتح الحدود كما سبق وحدث منذ الأزل، أي منذ اللحظة التي بدأ فيها الفقر والحضارة والحروب والسلام والهجرة والاستقرار وبكل المفاهيم المتضادة التي عايشها البشر وحتى الآن لم يتم إيجاد حل اجتماعي وسياسي وأخلاقي ينهي هذه المعاناة.

لا يحمل المهاجر مسؤولية جنون هذا العالم، ولا نستطيع أن نرميه ضحية له، فنحن كذلك معه، فقد يكون لدينا أهل وأصدقاء مهجرين، كل ما نريد وضعه على طاولة النقاش: أن هناك حتمًا أجوبةً و حلولًا أخرى غير التي وجدت حتى الآن، نظمًا أكثر تقدمًا لم تكتشف بعد، أكثر إنسانية ومساواة للجميع، نظمًا تجعل عالمنا أكثر عدالة وخير.

وهذه مهمتنا جميعًا، أنا وأنت، وهو: البحث عنها وأن لا نتوقف عن التساؤل حولها، وأن نفتح حدودنا الثقافية والفكرية قبل أن نفكر بفتح أي حدودٍ مادية أو ندعو لذلك.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.