المُحتجِب خلف خطاب المدح والطرب: بين ميكافيلّي وكيتي بيري

المُحتجِب خلف خطاب المدح والطرب: بين ميكافيلّي وكيتي بيري

لحسين الإسماعيل
31 ديسمبر، 2018

يستفتح نيكولا ميكافيلّي (Niccolò Machiavelli) كتابه الأمير بإهداءٍ توقيريٍ إلى لورينزو دي مديتشي (Lorenzo de Medici) العظيم حاكم فلورنسا حينها. بدا ميكافيلّي من خلال متن هذا الإهداء كسائل على باب الأمير، أو كمتزلف يطلب وُدَّ لورينزو، ويبتغي مرضاته طمعًا في منصبٍ بالحكومة الفلورنسية التي يتربع لورينزو على رأسها. هناك العديد من العبارات الداعمة لهذا التصور. كيف تُفَسر عبارة:

“ثم ارجع البصر يا سمو الأمير تر في الحضيض رجلًا تستدعي حاله الشفقة لما ناله من العذاب عدوانًا من الزمان وظلمًا من أهله”

سوى كونها محاولة استعطاف واستدرار لشفقة لورينزو؟ وكيف تفسر رسالة ميكافيلّي لصديقه فيتوري (Vitoria) وقوله بأن كتاب الأمير بحث في تعريف الأمارة وما يتعلق بها، مؤملًا أن يرحب به أي أمير، “وخصوصًا أمير جديد؟” سوى أنها توكيدٌ لما يطمح إليه ميكافيلّي من وراء الكتاب؟

قد لا يكون من السهل تقديم قراءة مغايرة للإهداء أو الكتاب ككل، خصوصًا أن طرح ميكافيلّي يبدو واضحًا في مخاطبته للورينزو خلال فصول الكتاب وتقديمه لفلسفة حكم سياسي محكمة لأجل أن ينتفع بها.

كتاب الأمير

أهدى ميكافيلّي هذا العمل إلى لورينزو دي مديتشي على أمل استعادة منصب أمين الجمهورية، وتم نشره سنة 1532 بعد وفاته. وهو بلا شك أكثر أعماله شهرةً

لكن الحقيقة أن هذه الفكرة بحد ذاتها كانت موضع معاينة نقدية. فعلى سبيل المثال، يرى ليو ألفاريز (Leo Alvarez)، بروفسور العلوم السياسية بجامعة دالاس، أنَّ ميكافيلّي يضمّن في كتابه ما يعارض -في الحقيقة- ظاهره. بعبارة أخرى، في حين يبدو كتاب الأمير مجموعة من الأفكار والنصائح الموجهة للورينزو، تخفي سطوره انشقاقًا عن فلسفةٍ سياسيةٍ كلاسيكيةٍ في سبيل إعادة تأسيس علم السياسة على مبادئ جديدة.

ففي مقدمة ترجمته لكتاب الأمير، يفصّل ألفاريز في الحديث عن ألاعيب ميكافيلّي اللغوية التي لا تظهر عبقريته كمفكر وحسب، بل تجعل إهداءه التوقيري يتجلى بكامل السخرية والازدراء المتضمنين فيه كذلك. تبدأ سطور الإهداء كما يلي:

“تعود الذين يخطبون وُدَّ أمير ما، ويسعون في التقرب منه أن يبذلوا له أعزَّ ما لديهم، أو يهدوا إليه ما يحبه الأمير خاصة ويميل إليه بطبعه، فترى المتزلفين يهدون إليهم المال والخيل وسبائك الذهب وعقود الجمان وعُدَدَ الحرب وغير ذلك مما يليق بأقدار الملوك السامية”

يشير ألڤاريز إلى تغير الخطاب من صيغة المفرد “أمير” في الشطر الأول من الجملة إلى “أمراء” في الشطر الثاني، موحيًا أن ميكافيلّي يقصد من وراء تغيير الخطاب التصغير من شأن لورينزو العظيم واختزال شخصه نسخة مكررة من أمراء آخرين. وبالإضافة لذلك، باستخدام ذات أسلوب تغيير صيغة الخطاب، يقدم ميكافيلّي نفسه كما لو أنه يختزل جموعًا في شخصه بحيث يستوجب على الأمراء ابتغاء مرضاته هو الآخر.

هاتان الإشارتان ليستا الوحيدتين اللتين يستند إليهما ألفاريز في قراءته بالطبع. فهو يشير أيضًا إلى استخدام ميكافيلّي لصيغتين مختلفتين من ضمير المخاطب “أنت”: tu و vedrete. يمكن وصف الصيغة الأولى بالودية، حيث أنها توحي بكون كلًا من المتخاطبين نظيرين لبعضهما.

يقول ألفاريز أن استخدام هذه الصيغة في مختلف مواضع النص يجعل من ميكافيلّي (وهو الذي بدا في الإهداء متذللًا يطلب ود الأمير) نظيرًا للورينزو، أي أنه أعلى من شأن ذاته عبر التفاف لغوي حذق.

أما الصيغة الثانية فيمكن وصفها بالصيغة المهذبة. ما يثير الاهتمام في هذه الصيغة هو أن مواضعها مرتبطة بالتنظير السياسي أكثر من ارتباطها بخطاب موجه للورينزو نفسه. يقول ألڤاريز: إن المخاطب في هذه المواضع هو القارئ الحقيقي، القارئ الذي “يفهم” كما يصفه ميكافيلّي في الفصل الخامس عشر، القارئ القادر على تجاوز المظاهر في سبيل مس جواهر الأمور. هو أيضًا ذات القارئ الذي يؤمن ميكافيلّي أنه لن ينصاع وراء ظاهرية فكرة “الغاية تبرر الوسيلة”.

يمكن الاستنتاج إذن أن ما توارى وراء سطور كتاب الأمير أكبر وأعمق مما تجلى بظاهرها. وكما يقول ميكافيلّي: “تحكم غالبية الناس بما تراه بأعينها، ولكن قلة من يتمكنون من تجاوز تلك المظاهر” أضيف لهذه الفكرة أننا قد ننصاع أيضًا في بعض الأحيان وراء ما يطرب آذاننا ويهزُّ أردافنا دون اعتبارٍ حقيقي لما نستمع إليه. بعبارة أخرى، قد نغفل عن متن ما يقال لأننا مشغولون بالرقص على أنغامه. هذه الفكرة هي ما أرادت مغنية البوب الأميركية كيتي بيري إيصالها عبر أغنيتها (Chained to the Rhythm).

Chained to the Rhythm

للوهلة الأولى، تبدو الأغنية كغيرها مما اعتاده المستمعون من كيتي بيري. هناك ذكر للرقص والأغاني والمشروبات الروحية والحفلات، بل أنغام الأغنية تدعو الجميع للرقص والرقص والمزيد من الرقص. ما الجديد؟

أغنية Chained to the Rhythm في الحقيقة أغنية تنتقد الوضع السياسي الراهن، خصوصًا بعد انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية (كانت بيري من مناصري هيلاري كلينتون). وعلى وجه الخصوص، تتمحور الأغنية حول أولئك الذين يتجاهلون متن الخطاب السياسي الذي يزيف الواقع، مركزين بدلًا من ذلك على أنغامه وألحانه الطربية. إذا كنت عزيزي القارئ قد تراقصت وتمايلت على ألحان الأغنية دون أن تستمع إلى كلماتها فعلًا، فقد وقعت في شراك الفخ الذي نصبته كيتي بيري.

ولكيلا أطلق الأحكام جزافًا، سأعرج بشكل سريع على مضامين الأغنية. يمكن تمييز ثلاث ثيمات مختلفة فيها:

  1. الانفصال عن الواقع ورؤيته بغير ما هو عليه
  2. تقبل الخطاب السياسي دون وعي
  3. وسياسة “فرق تسد” المفروضة من الأعلى

بالإضافة ذلك، نتيجة للثيمات المذكورة آنفًا، تمايز كيتي بيري بين جماعتين: نحن (وتشير بها إلى الشعب)، وهم (وتشير بها إلى الطغمة الحاكمة).

“Are we crazy?

Living our lives through a lens
Trapped in our white picket fence
Like ornaments”

من السهل ملاحظة دلائل الانفصال عن الواقع في مطلع الأغنية، حيث تتساءل كيتي بيري عن جنون الشعب وهو يرى الواقع متخللًا عبر عدسة، حيث تمنع هذه العدسة الشعبَ من إدراك أنه محبوس بسياج خشبي أبيض. من الضروري التنويه بأن “السياج الخشبي الأبيض” عبارة اصطلاحية تشير إلى حالة من التقليدية المثالية، إن صح التعبير، إلى حالة من الجمود والتعلق بفكرة الحياة المثالية في الطبقة الوسطى.

تتجلى الفكرة بوضوح في المشهد الذي تظهر فيه شاشة تلفاز بعبارة تقول: عرض عن أسرة النواة عبر تقنية الـ3D.

يدمج هذا المشهد بين فكرة أسرة النواة التقليدية وحداثة التقنية ثلاثية الأبعاد.

“So comfortable,

we’re living in a bubble, bubble
So comfortable, we cannot see the trouble, trouble”

تشير كيتي إلى حالة الرخاء “الفقاعية” الناتجة عن هذه الحياة، حيث لا يتمكن من يعيشها من رؤية المشاكل حوله. وإذا صدف وتنبه الفرد لأمر مقلق فهو يقلّل من هوله كما لو كان وسخًا بسيطًا يمكن كنسه تحت السجادة دون أن يلاحظه أحد.

من الطبيعي أن يتساءل القارئ الآن عما يسبب هذه الحالة من الانفصال عن الواقع، عما يسبب حالة اللامسؤولية هذه. وفيما لا تذكر كيتي بيري السبب بصريح العبارة في كلماتها، فالجواب واضح:

الخطاب السياسي

يتميز هذا الخطاب بملامسة كل الأوتار التي تجعل من المعزوفة السياسية تبدو كما لو أنها تبحث عن الحقيقة. تتجلى هذه الفكرة مثلًا في الجزئية التي غناها سكب مارلي، حيث يصف الحقائق التي يسوق لها هذا الخطاب بأنها حقائق ضعيفة تهدف لاستمرارية استغلال الناس. وبالإضافة لذلك، تدعو كيتي بيري -متهكمة- للرقص على تشويه الواقع، لرفع الصوت وإعادة الخطاب مرارًا وتكرارًا.

“Stumbling around

like a wasted zombie
We think we’re free
Drink, this one’s on me
We’re all chained to the rhythm”

يتميز الخطاب أيضًا بإيقاعه الذي يصرف الأذهان عن التأمل في تحريفاته، في مقابل اعتماده على دغدغة المشاعر بما يعطل إعمال العقل. كل الإشارات في الأغنية إلى السُّكْر أو إلى الشبه بالزومبي تهدف لتصوير الأمر ذاته: حالة اللاعقل؛ الحالة التي تهيئ المستمع لقبول أي توجيه.

“It is my desire Break down t

the walls to connect, inspire,
Up in your high place, liars
Time is ticking for the empire
The truth they feed is feeble
As so many times before
They greed over the people
They stumbling and fumbling
And we about to riot
They woke up, they woke up the lions”

أما الثيمة الثالثة والأخيرة فهي متعلقة بالانقسامات الاجتماعية التي تفرضها الطغمة الحاكمة بهدف تفريق الناس ومحاولة تضليلها عن التنبه لحقيقة هذه التفرقة. أغلب دلائل هذه الثيمة متواجدة بصريح العبارة في جزئية سكب مارلي. فبدلًا من حدود السياج الخشبي الأبيض، يعلن سكب رغبته في تحطيم كل الحواجز من أجل الاتصال مع بقية الشعب، من أجل نشر الوعي. كما أنه يعلنها حربًا صريحة ضد تلك الطغمة التي تسكن أبراجها العاجية، ضد أسس الإمبراطورية القائمة على الطمع والخداع والتزييف.

من الجدير بالذكر أن هذه الطغمة على الأغلب هي ذاتها التي تخاطبها كيتي بيري في المقطع الأول من الأغنية، خصوصًا وأنها تشير إلى مجتمع يوتوبيّ استهلاكي يقطن “بالأعلى”، وهي ذات الإشارة للأبراج العاجية التي استخدمها مارلي.

تزامنًا مع إطلاقها

وصفت كيتي بيري الأغنية في حسابها على تويتر بأنها تنتمي لعصر البوب الهادف. وفي تغريدة أخرى، لم تخف رغبتها بأن تتحول أغانيها لخطاب نقد سياسي مرتبط بالوضع الراهن.

لكن سواء أعلنت ذلك أم لا فالأمر ليس بتلك الأهمية. ما يهم هو أن أغنيتها، كغيرها من الخطابات التي نتعرض لها في حياتنا اليومية، لها تأثيرها الخاص، حتى وإن لم ندرك ذلك التغيير بشكل مباشر. التراقص على أنغام أغنية Chained to the Rhythm مثال مباشر على الموضوع الذي تنتقده كيتي.

وكما دعا ميكافيلّي القارئ قبل خمسة قرون لتجاوز ظواهر الأمور باتجاه جواهرها، فلا شك أن أي خطاب يستحق الشيء نفسه، سواء قُدّم هذا الخطاب كخطاب سياسي أو مقالة تربط بين ميكافيلّي وكيتي بيري.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×