المحتوى يخرج من كُم التاجر

المحتوى يخرج من كُم التاجر

لم يحدث هوس المحتوى فجأةً، بل تسلل إلينا تدريجيًا، تحديدًا في تلك اللحظة حين كنا جميعًا مشغولين بانفجار معلوماتي خلق لنا عالمًا افتراضيًا كاملًا، في تلك اللحظة التي جعلت كل مسرحية وفلم وكتاب وبرنامج إذاعي ..إلخ مجرد وسائل والمهم هو الوصول.

لا شك أننا نعيش اليوم فترة تحول تقني هائل وتغير جذري لكل أنماط التواصل ووسائلها، تقارب غير مسبوق لجميع الفنون والآداب داخل دوري كبير يسمى وسائل التواصل الاجتماعي، دوري غير عادل أبدًا يخلط النخبوي بالشعبوي والقديم بالحديث والجديد بالمعاد، دوري يجعل قياس النجاح بالانتشار والتفاعل. إنه سباق محموم لا يمكن أن يستريح فيه المبدع يومًا واحدًا، المبدع الذي أصبح يسمى صانع محتوى، وركّز في كلمة صانع التي كانت يومًا ما من عيوب الإبداع من المنظور العربي، واليوم تظهر الصنعة ويتبارز الجميع عليها.

هل المحتوى كلمة بريئة؟

المحتوى ليست كلمة بريئة كما يظن البعض، بل هي أقرب ما تكون إلى محاولة تسليع وإعادة إنتاج الثقافة ووضعها في خط إنتاج مجدول ومتناسق مع متطلبات المرحلة، ليست كلمة بريئة أبدًا. تشير الدراسات إلى أن كلمة محتوى (content) كانت تعني المضمون فقط، وبعد ظهور الفيسبوك وتويتر وسناب شات ..إلخ، أصبحت تعني المضمون المصنوع لشكل أو أكثر من شكل مقترح مسبقًاً. باختصار، تحويل العمل الإبداعي إلى منتج ممكن التسويق ومشجع على التفاعل وقادر على أن يكون حصانًا رابحًا في سباق التطبيقات اللانهائي.

لكن المحتوى قابل لتحمل دلالات أخرى، فلا يلزم أن يكون ضمن منصات التواصل فقط، بل كل ما يُعرض على خشبة مسرح يُعد محتوى إبداعيًا، ولا يهم إن كان مسرحية أو حتى شخص يتكلم مع موظفيه في اجتماعهم السنوي، المهم هو كيف يُصنع عنصر الدهشة والإثارة والتفاعل من ديكور أو تقنيات حديثة أو طريقة تقديم …إلخ كي يتم توثيقه بطريقة إبداعية كذلك، ليصبح محتوى جاهزًا للولوج إلى العالم الافتراضي.

ليس المحتوى المصنوع مرتبطًا بالقيمة الأدبية ولا الجمالية أو الفنية، وغير مرتبط كذلك بالرسالة التوعوية أو الأخلاقية، بل مرتبط بالقيم السوقية بصفته منتجًا يتميز بعناصر بعينها مثل أن يكون ممكن الاستهلاك وله طريقة مشاركة سهلة، وهذا يجعل المسرحية الموجودة على خشبة الواقع محتوى ذا حظ أقل في السوق من مقطع مضحك بالإنستاگرام، لأن الثاني له رابط وإمكانية مشاركته بالواتساب أسهل.

محاولة الإمساك بالمحتوى أشبه بمن يحاول القبض على ماء ينفرط بين الأصابع، وسأستعير تجربة الكيبوب الكوري للحديث عن صناعة محتوى متقنة وإن كانت بلا روح. يقول أحد الكوريين العاملين في المجال أن الكيبوب مرّ بأكثر من مرحلة، الأولى حينما تأثر الكوريون بالبوب الأميركي ورغبوا في تقليده، وكان ذلك في التسعينات و لم يلق رواجًا كبيرًا حينها. ولكن بعد الألفية خرجت لنا ثلاث شركات كبرى وجدت في النسخة الكورية من البوب مجالًا استثماريًا كبيرًا، ومن هنا بدأت الصناعة حقًا وكانت العملية كالتالي: تُختار مجموعة بعد اختبارات طويلة ليصبحوا نجومًا ومن ثم تُبتكَر لهم شخصيات ويطلب منهم أن يتقمصوها، ثم يعاد تجميع أنواع متعددة من الموسيقا الناجحة أميركيًا/عالميًا وصياغتها، وتؤلَف  نصوص مرتبطة بهموم المراهقين في التحرر والانعتاق. في الختام نحن أمام أغنية ناجحة أو محتوى مكتمل الأركان بلا مجهود فني بل مجهود تصنيعي مميز، ولكن لتسويق المحتوى نحتاج أن يصبح لكل فرد من الفرقة محتوى خاص يسوق للمحتوى الأول –الأغنية-، وهذوهذا ويستلزم حديث آخر عن ثورة التسويق بالمحتوى.

صناعة المحتوى عربيًا

بالرغم من وجود الكثير من المبادرات لإثراء المحتوى العربي، إلا أنه يمثل أقل من 1٪ من المحتوى العالمي على الإنترنت. وإذا أردنا أن ننافس في هذه الصناعة الإبداعية الجديدة، فإن المحتوى لا يحتاج إلى مثقف عظيم بل إلى صانع مميز يستطيع خلق خط إنتاجي ومنتجات ثقافية استهلاكية متنوعة وممتعة.

قد يبدو الأمر غريبًا أو غير مستساغ أحيانًا، لكنه كذلك فعلًا؛ عمل أقرب ما يكون إلى الإعلام ولكن ليس بشكله التقليدي (جريدة وتلفزيون …إلخ)، بل هو كل أداة تواصلية ممكنة للأمس واليوم والغد. والمحتوى يجعل الثقافة مادته ولكن ليست هدفه، فهو للمتعة وتزجية الوقت، من خلاله -أي المحتوى- نكون قادرين على تمرير أفكارنا وقيمنا ورسائلنا من خلال الترفيه والاستهلاك، والوعي بذلك سيجعل التاجر يجد ربحية ممكنة في المحتوى والمثقف يرى فيه وسيلة لإيصال صوته والسياسي يستخدمه كقوة ناعمة في الداخل والخارج.

لا تكمن المشكلة في النسبة 1%، بل في جودة هذه النسبة، فإذا اتفقنا أنه منتج استهلاكي ضمن سوق كبير، فإن المنتج المستورد من نتفلكس وغيرها أعلى جودة بكثير، لذلك فإن قوة الأجيال الجديدة الاستهلاكية ستذهب لتلك المنتجات عالية الجودة، ولن يكون للتاجر الذي استثمر ولم يراع جودة منتجه عائد ربحي جيد ولا للمثقف وصول حقيقي لوجدان الناس ولا للسياسي قدرة.

ضرورة أم اختيار؟

شخصيًا أكره التسليع الثقافي ولكن الأمر خرج من يدنا، خرج تمامًا. فلو تلفت حولك ستجد أن مواليد ما بعد الألفين خارج شبكتك الإدراكية تمامًا وأساليب تلقيهم بعيدة عنك؛ يستمعون للكيبوب ويتسمرون أمام نتفلكس ويسهرون على برامج العروض الليلية (Night Shows)، جيل متخم بمفاهيم لم يكن لنا حول ولا قوة في فرضها أو التعامل معها.

نعم يا سادة، نحن في ورطة كبيرة ولا نستطيع الخروج منها إلا بصناعة المحتوى القائم على تحليلات لنفسيات المستهلكين وخطوط إنتاجٍ وتجميع للأفكار بطريقة جذابة وترفيهية وخلق استدامة لمثل هذه الأسواق الجديدة، ولن يكون ذلك إلا بإرادة حقيقية من الحكومة ورجال الأعمال. 


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×