مستودع الخيبات!

كن على يقين بأن رقم السنة الجديد ليس له علاقة بتغيير مجرى الأحداث؛ بداياتك الجديدة يمكن أن تكون في أي يوم.

صباح جديد / Giphy

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.

* تعبّر النشرات البريدية عن آراء كتّابها، ولا تمثل رأي ثمانية.
3 يناير، 2023

بدأ الأسبوع الأوّل من العام الميلادي الجديد، وأرجو أنكم لم تتفاجأوا مثلي بأنكم حين استيقظتم صباح الأحد وجدتم أنكم الأشخاص نفسهم الذين ناموا الليلة الفائتة. لم تصبحوا أشخاصًا أفضل، ولم يرتفع دخلكم فجأةً، ولم يصبح الذين تفتقدون وجودهم أقرب، ولم يصبح الثقلاء الذين يفسدون حياتكم أبعد. وأن كل ما في الأمر تغير الرقم الذي على ورقة -أو تطبيق- التقويم. وأن المسافة التي تفصلكم عن خط النهاية أصبحت أقرب قليلًا.

ولعل هوسنا بالرقم الذي تحمله السّنة عائد في المقام الأوّل إلى الرغبة في ترتيب النجاحات أو الخيبات في حياتنا. نتعامل مع أرقام السنوات كأنها رفوف مستودع، حتى نتمكن من العثور على الأشياء والأحداث والأشخاص في الرفوف الخاصة بهم في مستودع الذاكرة.

لأنه لا يوجد جواب مقنع عن سبب اعتقادنا بأننا سنكون أفضل ابتداءً من الأول من كانون الثاني، ولا ماهية العائق الذي حال بيننا وبين أن نكون كذلك في اليوم الأخير من كانون الأول. ولماذا نظن أن أحلامنا لم تتحقق لأنَّها لا تتوافق مع الرقم الذي يحمله العام، وأن تغير الرقم سيغير المعادلة، وتصبح تلك الأحلام واقعًا.

ولماذا السنة الميلادية دون غيرها من سائر الأصناف والأشكال من التقاويم، لماذا لا نظن أننا سنكون أكثر سعادة وثراءً -أو حزنًا وفقرًا- ونتبادل التهاني والدعاء بالتوفيق والنجاح حسب التقويم الصيني أو الهندوسي أو الأمازيغي، أو أي تقويم آخر. وبالمناسبة فهذا العام في التقويم الصيني هو عام 4720، ولا أعلم، هل كان الناس سعداء في عام 2023 حسب التقويم الصيني، أم أنَّهم أجّلوا أمنياتهم لأنهم كانوا يتوقعون أن عام 2024 سيكون أفضل. 

ربما -وهذا مرجح- أنني أقل ذكاءً من فهم السبب الذي يدفع الناس إلى الاحتفال برأس السنة، ولا أعلم هل اليوم الأخير من السنة هو المقصود برأس السنة، أم أنه مؤخرة السنة القديمة واليوم الأول من السنة الجديدة هو المعني بهذه الفرحة التي لا مبرر لها. بدا لي أن هناك فكرةً حمقاء تسللت إلى عقول البشر بأن الإنسان إذا استطاع النجاة ودخول العام الجديد فإن ذلك يعطيه شيئًا من الحصانة، تضمن له البقاء حتى آخر يوم فيها.

والحقيقة أنَّ هذه الأعياد -التي لا معنى لها- تقوم على أساس تسويقي في المقام الأوّل؛ فاليوم الأخير من العام، أو غيره من الأيام التي جرى اختراعها خلال العام، فكرتها الرئيسة هي أن تكون وسيلة لإغراء جحافل الزبائن المحتفلين بمنتجات تناسب تلك الأيام.

Giphy 27
لا شيء تغيّر / Giphy

أعلم أنَّ الناس يكرهون مَن يخبرهم بحقيقة أنَّهم حمقى، ولذلك أتقبّل كراهية الناس لي حين أعبر عن قناعة أو فكرة لا تعجب الكثير، ولست سعيدًا بهذا ولا حزينًا أيضًا. ولعلي أوضح لبعض الكائنات الممعنة في الذكاء أني ضد أن يفرح الناس على مدار السَّاعة، وأن يتمنوا الخير لبعضهم كل يوم، لكني فقط أستغرب من الابتهاج بنهاية العام والتهاني المتبادلة، وكأن أولئك المبتهجين هم من كانوا يحركون الكرة الأرضية لتكمل دورتها حول الشمس، ثم توقفوا في نهاية الدورة ليباركوا لأنفسهم إنجازهم الكبير.

لا تشغل نفسك بالرقم الذي تحمله السّنة، وكن على يقين بأن الرقم الجديد ليس له علاقة بتغيير مجرى الأحداث؛ بداياتك الجديدة يمكن أن تكون في أي يوم، يمكن أن تبدأ الطريق نحو حلمك في اليوم الثالث من تموز أو في اليوم العاشر من حزيران، وباستطاعتك أن تتمنى الخير للبشرية في الثالث والعشرين من شباط، وأن تشكر كل الذين ساعدوك في النجاح في التاسع والعشرين من آذار، وأن تدعو بأن يكون الغد أفضل يوم التاسع من أيلول.

وإن كنت مصرًّا على معرفة ماذا سيحدث بعد تغير رقم السنة، فدعني أخبرك بأن العام الجديد لن يختلف عن القديم، وسيمضي كما مضت أعوام سبقته. سيبتهج خلقٌ كثيرٌ لأسباب تخصهم، وسيحزن خلق أكثر للأسباب ذاتها، سيموت الكثير من الخلق لأن أعمارهم انتهت، وسيأتي إلى هذا الكوكب بشر جدد، بعضهم سيفهم الحقيقة مبكرًا ويغادر سريعًا، وآخرون سيضطرون إلى أن يكبروا ويعيشوا أيامًا أكثر، حتى يتمكنوا من فهم حقيقة أنَّهم كائنات مؤقتة مهووسة بأرقام التقويم.

وإن تملكتك الرغبة في المشاركة بقائمة من الأمنيات في العام الجديد ولم تستطع المقاومة، فليس من الضروري أن تتمنى أن تقود جيشًا أكبر من جيش الإسكندر المقدوني، تجتاح به العالم عشية الليلة الأخيرة من العام، ولا أن تصبح أكثر ثراء من إيلون ماسك صبيحة اليوم الأوّل من العام القادم. سيكفيك أن يكون في قائمة أحلامك أن تضحك أكثر، أن تكون أقرب إلى قلبك من العام الذي مضى. أن تكون أكثر تصالحًا مع نفسك ومع الحياة. أن تشترك في هذه النشرة البريدية. وتقرأها يوم الثلاثاء وتعيد قراءتها بقية أيام الأسبوع.

الوسوم: الإنسان . المستقبل .

اقرأ المزيد في الرأي
مقال . الرأي

أشتهي طبق فول بالبستاشيو

غيَّر الإنترنت، وإنستقرام بالذات، من علاقتنا مع الطعام. فمع هوسنا بالتصوير، تحوَّل الطعام إلى نوع من الفنون البصرية التي تمتِّع الناظرين.
ثمود بن محفوظ
مقال . المستقبل

لماذا أكترث لقارئ القودريدز؟

تجربتي مع قودريدز تعود لسنوات دخولي عالم الترجمة الروائية. ودائمًا الشهر الأول هو الأصعب، حيث يسلِّط القارئ الأول سيفه عليك.
إيمان أسعد
مقال . الرأي

ضياع أصالة اللعبة في عصر الريميكات

الريميكات تلعب على وتر النوستالجيا، وفي الوقت نفسه تتكيّف مع تطلعات الأجيال اللاحقة، الأمر الذي يحقق أرباحًا عالية.
حسين الإسماعيل
مقال . الرأي

أرح عقلك من عجلة الإنجاز

بسبب كمية المحتوى المتاحة اليوم تشكَّلت لدينا رغبة ملحة بضرورة تحقيق الاستفادة القصوى من كل لحظة عابرة في حياتنا. ومعها بدأت عقولنا تتعب.
أنس الرتوعي
مقال . الرأي

عش حياة التقاعد قبل التقاعد

الطريقة المثلى لإيجادك الشغف في ظل حياتك الروتينية هي أن تفكّر بحياتك بعد التقاعد. وحاول تحقيقها في حاضرك قبل وصولك إلى سن التقاعد.
أنس الرتوعي
مقال . الرأي

الفراسة الإلكترونية تفضح مشاعرك

تقنيات «الفراسة الإلكترونية» مقبلة علينا، وحيث تغيب عين الإنسان، سيكون الذكاء الاصطناعي حاضرًا ليقرأ تعابير الوجه.
ثمود بن محفوظ