هل تساعدنا العولمة على فهم العالم من حولنا؟

كانت عودة سارة قبيل طلوع الفجر بقليل القشة التي قصمت ظهر أبي ناصر. فبالنسبة للعم القادم من الديرة، لم تكن عودة ابنته المتأخرة إلا توكيدًا على خروجها التدريجي عن الطبائع والعادات التقليدية، واكتسابها عادات أهل المدينة الغريبة.

توالت المصائب مذ وطأت أقدام عائلة أبي ناصر أعتاب بيت أخيه بالرياض. ففي الصباح التالي لوصولهم، لم يكن أبو بندر أو أيٌّ من أفراد عائلته مستيقظين ساعة إفطار عائلة العم، ما حدا به للتساؤل عما إذا كان يوم الثلاثاء «الويك إند حقّهم».

لم ينته الأمر عند ذلك. فإن لم يكن تجاهل إكرام الضيف بوجبة الإفطارِ كفيلًا بإشعال غضب أبي ناصر، فقد تكفّل بذلك استبدال وجبة العشاء المكونة من ذبيحة يندلعُ لسانها ببوفيه مفتوحٍ من «اللوبستر» أو السلطعون وغيرها من الأكلات المزيفة، كما لو أنها مصنوعةٌ من الشمع.

امتد تصادم العادات ليشمل الأدوار الجندرية والاعتماد على أكل المطاعم وتنظيم ساعات اليوم، بل وحتى العوامل الداخلة في تربية الأبناء. لذا حين عادت سارة متأخرة في الحلقة الحادية عشر، لم يجد أبو ناصر بدًّا من سؤال أخيه: «وش سر هالتغير هذا؟» وبعد مرثيةٍ قصيرة عن تدخل التلفزيون والإنترنت وأدوات الحضارة في تنشئة الأجيال الجديدة، عزا أبو بندر كل تلك التغييرات إلى العولمة.

إشكاليات العولمة

لم يكن هذا الإيعاز المحاولة الأولى ولا الأخيرة في سبيل فهم التغييرات وتوجيه أصابع الاتهام لمسؤولٍ ما. فالعولمة أصبحت مثلها مثل كل تلك المصطلحات الفضفاضة كالحداثة والموروث والثقافة وغيرها من الظواهر التي اعتاد البعض جعلها جوهر كل تفسير.

لكن العولمة كبقية المصطلحات لا تزيد الطين إلا بلة. فبدل أن تعيننا على فكّ طلاسم التغيرات ووضعها في سياقاتها وترسيم حدودها والعلاقات بين مكوناتها، توقعنا في شرك الإبهام الذي نحاول الفرار منه، وتعاود رسم اللوحة الغامضة عما نروم إدراكه. 

تتقصى هذه المقالة قابلية العولمة لأن تكون المصطلح التحليليّ الذي يزعم البعض أنه كذلك. أي أنها تسلط الضوء على المحاولات المتكررة لتفسير التغييرات من أي نوعٍ على أنها نتاج ظاهرة أو عمليةٍ محددة مسماةٍ بالعولمة.

وكما هو واضحٌ مما سبق، أنطلِقُ من فرضية أن المصطلح غير صالحٍ لأن يكون أساسًا تُبنى عليه محاولات التفسير، مستندًا على نقطتين رئيستين: المفهوم أكثر ضبابيةً وأقل تاريخانيّةً مما يزعم أنصاره، ويرتكز على أوهامه الفضائية المكانية الخاصة.

أنتج التلفزيون السعودي مسلسل «العولمة» بأحداثه المسرودة أعلاه عام 1999. في نفس العام، نُشر كتابا «العولمة» لجلال أمين و«مخاطر العولمة على الهوية الثقافية» لمحمد عمارة. وبعد ثلاثة أعوام، نشر غازي القصيبي كتابًا بعنوان «العولمة والهوية الوطنية». وفي عام 2005، نشر برهان غليون ورقةً عنوانها «العولمة وأثرها على المجتمعات العربية»، وبعدها بعامين، نشر أبو بكر رفيق ورقةً حملت عنوان: «مخاطر العولمة على الهوية الثقافية للعالم الإسلامي».

وبغضّ النظر عن مقاصد الكتّاب المختلفة من وراء استحضار العولمة في أعمالهم، نُشرت جميع هذه الأعمال في سنين متقاربة. وانطلقت عناوينها من واقعية العولمة إن صح التعبير.

فعلى سبيل المثال، حين يتحدث غليون عن آثار العولمة، أو حين يفصّل أبو بكر رفيق في مخاطرها، فكلاهما يبنيان على وجود العولمة الآني وعلى امتلاكها فاعليةً معينةً على المجتمعات، سواء كانت نتائجها إيجابية أم سلبية. والعولمة ليست حصرًا على المجتمعات العربية، بل موجةٌ شملت العديد من مناطق العالم. 

شيوع العولمة في الأدبيات المعاصرة 

بدأ رواج مفردة العولمة في الكتب مع منتصف الثمانينيات، وبلغ أوجه عام 2005 قبل أن ينحدر. ولو بحثنا عن شعبية مفردة العولمة في اللغات المتاحة في قاعدة بيانات گوگل، لوجدنا منحنى مشابهًا لحضورها في الكتب المكتوبة بالإسبانية والروسية والإيطالية والألمانية.

وحدها الصينية تفترق عنهم جميعًا في منحاها التصاعدي البادئ منذ منتصف التسعينيات والمستمر بالصعود حتى يومنا هذا. كما يختلف معدل انحدار حضور العولمة في الكتب الإنگليزية بعد عام 2005 من حيث تكرار حضورها بشكلٍ أكبر من اللغات الأخرى.

ما يهم هنا أن هذه البيانات -عدا الصينية- تتفق في بداية رواج العولمة في الكتب مع مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، بالغةً أوجها في منتصف العقد ما قبل السابق، ومنحدرةً بعدها. ولو بحثنا عن مدى الاهتمام بالبحث في گوگل عن مفردة العولمة العربية حول العالم، لوجدناها كالتالي:

بلغ الاهتمام أوجه في عامي 2004 و2005، قبل أن يأخذ في التراجع تدريجيًا حتى يومنا هذا. 

وبالرغم من كوننا نعيش أيام أفول العولمة مقارنةً بالعقود السابقة، ما تزال الظاهرة ركن أساس العديد من الأدبيات المعاصرة، سواء تطرقت هذه الأدبيات للظاهرة نفسها أو للعصر المُعولم الذي نعيش فيه جرّاء عمليات العولمة. ومن هذا المنطلق تأتي الحاجة لمراجعة قابلية مصطلح العولمة لأن يكون مصطلحًا تحليليًا، وتقصّي ما إذا كان توظيفه في فهم الظواهر الحادثة قادرٌ على مساعدتنا في تفسيرها.

الأبعاد المتغيرة للعولمة

كحال المصطلحات الفضفاضة الأخرى، لا يعني تفشّي استخدام العولمة والاستشهاد بها وجود مفهوم واضحٍ لها. فالحقيقة أن إطارها وعواقبها مرتبطان بمضامين التعريف الأساسي المُنطلَق منه.

يعرّفها نايف الروضان، مثلًا، بأنها «ترابط الإمكانيات الاقتصادية والثقافية والسياسية والبيئية والعسكرية.» يؤدي هذا التعريف العام لاستنتاج أن العولمة ليست حصرًا على الزمن الذي نعيش فيه، بل ظاهرةٌ وُجدت في السابق ولطالما كانت متجددة تاريخيًا.

تطرح جانيت أبو لغد رأيًا شبيهًا بهذا في كتابها «قبل الهيمنة الأوربية»، إذ تحاول إعادة صياغة أصول العولمة خارج الأطر التي تموضعها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع القرن العشرين. 

وهناك من يعرّف العولمة ضمن أبعادها الاقتصادية البحتة، كما يفعل المسيري حين يقول أن «جوهرها ليس إلا تحويل الإنسان إلى كائن اقتصادي»، مما يعني تحوله إلى كائن استهلاكي بلا ذاكرة ولا تاريخ. ولا يقوم مثل هذا التصور إلا ضمن المنظومة الرأسمالية التي تُعيد صياغة الروابط الإنسانية على أسس سوقيّة.

يكرس أبو بكر رفيق الفكرة نفسها، حين يُعرّف العولمة بأنها «تتويج النظام الرأسمالي والقيم الليبرالية الغربية على مستوى الكون، ما يفتح المجال لهيمنة ثقافية وأشكال أخرى من الهيمنة». يؤصل هذا التصور جذور العولمة في الغرب ويُعطيها اتجاهًا ومقاصد سلطوية واقتصادية، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون كل آثارها خطرة وسلبية عند ضحاياها.

وهناك أيضًا من يحاول موضعة العولمة في سياقٍ يجعلها خليفةً للحداثة. فعلى حد تعبير أنثوني گيدنز، يمكن تعريف العولمة بوصفها «تكثيف العلاقات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم بما يربط البقاع البعيدة ويجعل الأحداث المحلية مصاغةً بما يجري على بعد أميال عديدة والعكس.» مُردفًا أن هذا التكثيف لم يكن ممكنًا إلا حين انتشرت المؤسسات الحديثة التي ابتدعها الغرب. 

كما يوجد من يتصور العولمة بوصفها نوعًا من تكثيف الوعي للعالم أجمع، والذي يتمايز عن أي عمليات عولمية كانت تحدث في السابق. ويستخدم جيف إيلي تصورًا شبيهًا للعولمة حين يقول بأنها «تسريع وتكثيف تكامل العالم»، مشيرًا لانحسار العوائق وازدياد التجانس والتفاعل بين المجتمعات أدلةً على هذا التكامل.

التباين الجوهري في سياقات العولمة

يرسم كل تعريفٍ من التعاريف السابقة موضوعه وحقائقه الخاصة عطفًا على إطار العولمة الذي يتبناه. وباختلاف المواضيع والحقائق، تختلف النتائج والأحكام أيضًا. حتى وإن امتلكت بعض التعاريف قواسم مشتركة متعلقة بالترابط والاتصال وشمول الأبعاد المختلفة، تبقى الاختلافات الجوهرية في حدود الترابط وتجلياته واتجاهاته أكثر مما يُمكننا من وضع جميع التعاريف السابقة في إطارٍ مشترك.

إضافةً لذلك، يختلف امتداد العولمة ونطاقها التاريخيان بين التصورات المختلفة. ففيما يتجه البعض لتتبع أصول العولمة في ماضٍ سحيق، كما تفعل جانيت أبو لغد، يقتصر بعضٌ آخر على ربط تبلورها في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أو حتى في الأعوام التي تعقب ظهور الشبكة العنكبوتية.

وعليه فإن توظيف العولمة في فهم التغيرات عبر الزمن مرهونٌ هو الآخر بتحديد امتدادها أولًا، إذ يستحيل لظاهرةٍ لا يتجاوز عمرها بضعة عقود أن تُفسر ظاهرة حدثت قبل قرنٍ مثلًا.

كل هذا على افتراض أن المفاهيم الآنف ذكرها تناولت العولمة على نفس المستوى، وهذا ما لا يصح تمامًا. فهناك بونٌ شاسع بين تصور العولمة كما لو أنها ظاهرةٌ موجودةٌ وحسب وبين تصورها كعملية بلا فواعل ملموسين أو كعملية لها أجندتها وقادتها. وحتى ضمن التعاريف الوصفية التي تُعطي العولمة أبعادًا تعود للماضي القديم كتعريف الروضان، نجد أنفسنا أمام مصطلحاتٍ معاصرة لا يصح تمغيطها لتحليل الماضي دون نقدها هي الأخرى.

فما الذي يمكن لمفردتين كالثقافة والبيئة مثلًا أن تعنياه خارج إطار تصور الدولة الحديثة؟

ولذا، حين أشير لضبابية مفهوم العولمة، لا أعني الفروقات في صياغة المفهوم أو الحكم الأخلاقي عليه فحسب، بل التباين الجوهري في سياقاتها وتصوّر ماهيّتها من الأساس.

التفاعلات الاجتماعية داخل القرية العولمية 

عندما رد أبو ناصر بالنفي على سؤال أخيه عما إذا كان يعرف العولمة، أردف أبو بندر السؤال بتوضيح ما تعنيه: العولمة نزعة العالم لأن يصبح قرية صغيرة. أن يكون العالم قرية صغيرةً يعني أن يكون وحدة متصلة، يعتمد كل جزءٍ فيها على الآخر. تتردد في هذه الفكرة أصداء دعاوى تكامل العالم وترابطه، إذ تصبح العولمة في هذا السياق عمليةً جوهرها تكوين الروابط وتشييد نقاط الاتصال على جميع الأصعدة. 

في أغلب الأدبيات تُبنى هذه الفكرة على ما يمكن تسميته بانضغاط الزمان-الفضاء نتيجةً لعمليات العولمة، أو على انضغاطهما بشكلٍ غير مسبوقٍ في عصرنا مقارنة بالماضي. إذ بفضل تطور وسائل الاتصال، لم نعد نحس الزمان والفضاء كما اعتاد الناس في السابق الإحساس بهما.

وكما يشير مكلوهان، تلعب وسائل الاتصال العامة دورًا رئيسًا في جعلنا نعيش جميعًا تجربةً آنيّة إن صح التعبير. إذ يتشكّل لدينا من خلال هذه التجربة حسٌّ مختلف عن العالم وارتباطنا بالآخرين فيه. ولعل من الملائم هنا استحضار طرح آندرسون عن دور وسائل الاتصال العامة في تشكيل المخيال القومي للشعوب، إذ يمكن من خلال الطرحين استكشاف جزء من التفاعلات التي تجعلنا نُعيد صياغة وجودنا في العالم.

ومن الضروري الأخذ بعين الاعتبار أيضًا أن تبادل السلع وتدفق المعلومات وهجرة الناس هي الأخرى جزءٌ من تشكيل وعينا عن ماهية العالم الذي نعيش فيه. فمن خلال حدوثها، تسهم هذه العمليات في زحزحة وتنميط ومجانسة المعاني المختلفة للظواهر من حولنا على الأصعدة الاقتصادية والمعرفية والثقافية والفكرية وغيرها.

تُعلي العديد من تصورات العولمة الاقتصادية من شأن هذا التضاؤل في المسافات وانحسار العوائق وإمكانية تحرك البضائع ورأس المال بسهولة رغم أنف الحدود الدولية.

لكن تلك التصورات قد تؤدي ببساطة لإغفال أسئلةٍ مهمة من قبيل: ما هي هذه المسافات المتضائلة تحديدًا؟ وأي نوعٍ من العوائق يأخذ في الانحسار؟ وأمام من؟ وهل يصح إسقاط ذات المعاني على الحقب السابقة؟ لا تهدف هذه الأسئلة لتوضيح مضامين فكرة تحول العالم إلى قرية صغيرة، بقدر ما تسلط الضوء على تجاهل الفكرة للواقع المادي التاريخي.

انضغاط الزمان-الفضاء

ففيما يتعلق بفكرة انضغاط الزمان-الفضاء مثلًا، يشدد وينزلهومر على أهمية إعادة تصوّر مفهوم الفضاء في دراسات العولمة. فبغض النظر عن أي تصور لتسارع الزمان في عصرنا مقارنةً بما قبله، لا مناص من قولبة مفهوم الفضاء ماديًا لفهم ما يجري فعلًا. لذا يردف وينزلهومر أن قولبة الفضاء قد تؤدي بدورها إلى تخطي وهم الفضاء الواحد المُجرّد وتأخذنا باتجاه تصور يقرّ بتعددية الأماكن.

بعبارةٍ أخرى، بدلًا من تناول العولمة من منظور مفهوم مكانيٍّ وحيد، ينبغي استبداله بفضاءات متفاوتة عطفًا على تعدد الأجزاء التي تُشكّل هذه الفضاءات والعلاقات التي ترتسم بينها. ولذا، لا يقتصر وينزلهومر على طرح مفهومٍ للفضاء الجغرافي وحسب، بل يتطرق للفضاء الاتصالي والفضاء النقلي وفضاء التدفق وفضاءات تكاليف الاتصال والنقل أيضًا.

ولأن هذه الفضاءات تتقاطعُ فيما بينها دون أن تمتلك الحدود نفسها، فمن شأن بحث التقاطعات أن يكشف لنا تفاعلات السلطة المتضمنة فيها. ويخلص وينزلهومر من وراء ذلك أن الفضاء ليس خاضعًا للزمان حتى لو تأثر به؛ فمختلف مفاهيم الفضاء تُصاغ بارتباطها بالمسافة، ودائمًا ما ترتبط المسافة بالحيز المادي. 

ولأن الفضاء مادي بالضرورة، فهو يتأثر بما يصنعه البشر. ليست كل حدود الدول مثلًا سواسية، بل خاضعة لاختلاف موازين القوى والهيمنة التي تحد من حركة البعض فيما تيسّرها للبعض الآخر. وبالإضافة لذلك، لأن الفضاءات تتشكل من خلال العلاقات بين مكوّناتها، فمن المستحيل أن يوجد الفضاء دون تحقق مكوناته.

بعبارةٍ أخرى، لن يكون الحديث عن الفضاء المعلوماتي ممكنًا ضمن فضاء يفتقر للبنية التي يمكن للمعلومات أن تتدفق من خلالها. وعليه، فإن افتراض تكامل العالم ابتداءً ليس إلا استحضارًا لخطابٍ يتجاهل البقاع غير المتكاملة، وتكريسًا لعولمة لها ركائزها واتجاهاتها في ارتباطها مع المنظومة الرأسمالية. 

المقاربة العولمية

من جانب آخر، كيف لنا إذن تفسير الظواهر العالمية؟ إذ حتى لو سلمنا جدلًا بضبابية العولمة وإشكالاتها، تظل الحاجة لإيجاد إطار يتناول الظواهر المتجاوزة لحدود ما هو محلّي. فكيف يمكن التوفيق بين كل ذلك؟ وما هو الإطار الذي يمكّننا من تحليل الظواهر المتفشية على نطاقٍ واسع؟

يتطلب الجواب انزياحًا نظريًا في تصور طبيعة الظواهر وحدودها، وسأبدأ بقلب النزعة المثالية في العولمة بغرض ترسيخها ماديًا. لا شك أن المنظور الذي يتطرق للبعد الاتصالي في ظاهرةٍ ما مهمٌّ لفهمها بشكلٍ أفضل، لكن ذلك لا يعني أن الاتصال مُجرّدٌ عن آليات حدوثه على أرض الواقع.

وبالتالي، بدل التساؤل عن تأثير هذا الاتصال على الظاهرة، ينبغي تقصي الكيفية التي يحدث بها الاتصال، إضافةً لحدوده وظروفه وخصائصه. ولئلا نقع في فخ تشييء مفهوم العولمة، فمن الضروري أيضًا بحث آثار الاتصال المختلفة، لا في المجتمعات المختلفة فحسب، بل داخل المجتمع نفسه بين الطبقات والتمييزات المجتمعية.

العولمة بين الاتصال والمقارنة 

في مقالته الافتتاحية للعدد الأول من مجلة التاريخ العولمي، يؤكد باتريك أوبراين على ضرورة قراءة الظواهر التاريخية على ضوء مقاربتين: «الاتصال والمقارنة» (Connexion and Comparison). عبر هاتين المقاربتين، يمكن للمؤرخين تجاوز حدود المكان وقيود الزمان في السرديات التاريخية المقولبة ضمن إطار الدول والحقب التقليدية.

كما يمكن لهم تناول الظواهر المتشابهة بشكلٍ مقارنٍ يكشف عما هو مختلف، قياسًا على اختلاف الظروف بين المجتمعات المختلفة. ومن النتائج المرجوة من وراء هاتين المقاربتين، خلخلة تشييء الظواهر المتناولة وإدراك تشكُّلها من خلال تجلياتها.

من جانب آخر، نقد فريدريك كوبر توظيف مصطلح العولمة في فهم التاريخ الإفريقي. حيث ينطلق من تشويه مفهوم العولمة للظواهر التي يُزعم أن المفهوم قادرٌ على تحليلها. وفيما يُثني على الأطر التي تتجاوز الحدود الدولية والقارية، يحذر من الوقوع في فخاخ المصطلحات التي تتعامل مع هذه الحدود كما لو أنها غير موجودة إطلاقًا.

ولذا يخلص كوبر لضرورة الإتيان بقوالب قادرة على تحليل الظواهر العابرة للحدود دون اشتراط عالميّتها. كما يشدد على أهمية السلطة وفضاءاتها بوصفها عاملًا لا مناص منه في عملية التحليل ومفاهيمها.

تكمن أهمية هذين المثالين في أن كليهما يعيدان الاعتبار لما يحدث على أرض الواقع دون قولبته ضمن عولمةٍ مجردة تُسبغ المعاني المسبقة على الحوادث. وبالإضافة لذلك، بسبب تركيزهما على المنهجية التي تُقارب الظواهر عوضًا عن ظاهريّتها، يتمكن أوبراين وكوبر من تجاوز السياقات السياسية-الاقتصادية في تحليلهما العولمي باتجاه تحليلٍ أشمل قادر على تضمين الأبعاد والسياقات الأخرى.

إنّ تبنّي المقاربتين الاتصالية/المقارنة وإعادة تناول الوقائع بالتركيز على آلية تمددها وحدودها، خطوةٌ أولى في سبيل تحقيق مقاربةٍ عولمية أكثر تمكنًا في تحليل تعقيد الظواهر العابرة للمسافات والأزمنة، وخطوةٌ ضرورية كذلك للخروج من ضبابية ولا تاريخانية مفهوم العولمة.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×