خطبة سقراط الأخيرة: أول من أعدم في التاريخ بسبب أفكاره

حكم على سقراط بالإعدام في أثينا بسبب فكره، فقدم خطبة يبرر فيها موقفه وأفكاره وقبوله للحكم، ثم لاقى حتفه بلا حزن.

“يا رجال أثينا، إني أتشرف بكم وأحبكم، ولكن عليّ طاعة ربي بدلًا منكم، وطالما مَدّني الله بالحياة والقوة، فلن أتوقف أبدًا عن ممارسة الفلسفة.”

في عام 499 قبل الميلاد، وفي مركز مدينة أثينا، “محكمة الناس”، وقف رجل يبلغ من العمر 70 سنة بلحيته البيضاء ينقل نظره بين هيئة المحلفين ومتهميه الثلاثة، الذين كانوا يسردون التهم أمام هيئة المحلفين المكونة من 500 مواطن إغريقي من الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 30 سنة، جالسين على مقاعدهم الخشبية المفصولة بحاجز عن المُشاهدين وتلاميذ الشيخ الذين تجمهروا لمتابعة القضية. جلس أحد تلاميذه الذي يبلغ من العمر27  ربيعًا، يراقب القضية ليعرف مصير أستاذه.

استغرقت الخطب التي قدمها الرجال الثلاثة على منصة مرتفعة ثلاث ساعات تم قياسها بساعة الماء، حاولوا فيها اثبات أنه مذنب “بإفساد شباب أثينا”.

بعدها سُمح للشيخ المتهم، سقراط، أن يقدم خطبة يدافع فيها عن نفسه. حوَّل نظره لهيئة المحلفين وقال:

خطبة سقراط الأخيرة

“لا أعرف يا زملائي الأثينيون كيف تأثرتم من مُتَهِميّ الذين سمعتموهم للتو. ولكنهم تحدثوا بطريقة مقنعة جعلتني أنسى من أنا. ومع ذلك بالكاد نطقوا كلمة حق.

لا يوجد رجل أحكم من سقراط

ولكن الكثير منكم يفكّر، “إذن ما مصدر كل هذه الاتهامات يا سقراط؟” وهو سؤالٌ عادل. دعوني أوضح لكم مصادرهم. يعرف بعضكم صديقي العزيز شيريفون. قبل موته، ذهب لمدينة دلفي حيث سأل هناك أوراكل ديني عن أحكم رجل في العالم. كان جواب الأوراكل أنه لا يوجد رجل أحكم من سقراط.

عندما علمت بذلك سألت نفسي، “ماذا كان يقصد الأوراكل؟” فأنا أعلم أني لست حكيمًا. بعد ما تمعّنت في التفكير قررت أن عليّ أن أجد رجلًا أحكَم مني لأرجع للأوراكل بدليل.

لذا ذهبت إلى سياسي معروف بحكمته. ولكن عند استجوابي له تبين لي أنه لم يكن حكيمًا بالرغم أن العديد من الناس، وهو واحد منهم، كانوا يعتقدون أنه حكيم. لذا حاولت أن أوضح له أنه ليس بحكيم على الرغم من اعتقاده بذلك. ولكن ما حدث هو أنه كرهني وكذلك فعل الكثير من المناصرين له الذين كانوا يسمعوننا. لذا تركته وأنا أفكر أثناء خروجي أن كلانا يجهل الكثير عن النبل والفضيلة، إلا أنني أفضل منه حالًا لأنه لا يعرف شيء ويعتقد أنه يعرف. أما أنا فلا أعرف ولا أعتقد أني أعرف، وذلك يميزني عنه.

بعدها ذهبت لشخص آخر كان لديه ادعاءات أكبر بالحكمة. وكانت النتيجة نفسها، وخلقت لي عدوًا آخر. وبهذه الطريقة ذهبت من رجل لآخر وازداد عدد أعدائي في كل مرة. أحسست بالسوء والخوف ولكني كنت مضطرًا لفعل ذلك لأني شعرت أن مهمة التحقق من الأوراكل كانت أولوية. قلت لنفسي أن عليّ أن أذهب لأي شخص يبدوا حكيمًا لأعرف ماذا قصد الأوراكل.

البحث عن الحكمة

يتخيل من يسمعني أنني شخصيًا أمتلك الحكمة التي أجدها مفقودة عند الآخرين. ولكن الحقيقية يا رجال أثينا هي أن الله وحده الحكيم. والله أراد أن يرينا من أوراكله أن حكمة الرجال لا تستحق الكثير وربما لا تستحق أي شيء. كأن الله يقول لنا: “أحكَم رجل هو الذي يعرف، مثل سقراط، أن حكمته في الحقيقة لا تساوي شيئًا”.

لذا أذهب للعالم وأنا مطيعٌ لربي وابحث وأسأل عن الحكمة في كل من يبدو حكيمًا، وفي حال لم يكن حكيمًا، أوضّح ما يقصده الأوراكل وأبين للشخص أنه ليس حكيمًا. أخذتني هذه المهمة ولم يبقى لي وقت لأقوم بشيء آخر. أنقذني إخلاصي للرب من الفقر.

هناك المزيد، فشباب الطبقات الأكثر ثراءً الذين ليس لديهم الكثير ليفعلوه، يتبعونني من تلقاء أنفسهم لأنهم يحبون أن يروا المُدّعين مكشوفين على حقيقتهم، ويقلّدوني باستجواب الآخرين. يكتشفون بسرعة أن الكثير من الأشخاص يعتقدون أنهم يعرفون شيئًا ولكنهم في الحقيقة لا يعرفون شيئًا. فيغضب هؤلاء الناس مني باتهامي “هذا المضلل سقراط يضلل شبابنا!”. وعندما يسألهم أحد “كيف؟ ما هي الأفعال الشريرة التي يفعلها أو يعلّمهم؟” فلا يستطيعون الإجابة.

سقراط

“كنت أفتش عن الحقيقة وأبحث عنها كما يبحث الجائع عن طعام، ولم أستطع أن أقبل المشكلات من غير مناقشاتها، فلقد كنت في حاجة لكي أرضي ذلك النداء الملح الذي يريد من كل إنسان أن يجتهد للوصول إلى الحقيقة الكاملة، وها أنا إذن، لا يهمني أن أكون مثلكم لا أملك شيئًا من علم ولكنني لا أريد أن أعاني ما تعانون من جهل.”

وحتى لا يظهروا خاسرين، يكرر هؤلاء الناس التهم الموجهة لجميع الفلاسفة: إننا نعلّم أمورًا غامضة في الغيوم، إننا نعلّم الإلحاد ونجعل أسوأ وجهات النظر تبدو كالأفضل. هم أناس لا يحبون أن يعترفوا أن ادعائهم للمعرفة قد كُشف. وهذا أيها الأثينيون هو أصل التحيز ضدي.

الحياة لا تستحق العيش

قد يسأل بعضكم: “ولكن ألا تندم على ما فعلت حتى الآن، حيث قد يعني ذلك موتك؟”. فأجيب على هؤلاء: “أنتم على خطأ، لا ينبغي على الرجل الطيب أن يحسب فرصه في الحياة والموت، عليه فقط أن يسأل نفسه إذا ما كان يفعله صواب أم خطأ، سواء كانت ذاته الداخلية طيبة أم شريرة.”

وعندما تقولون لي: “سقراط، سنطلق سراحك ولكن بشرط أن تتوقف عن استجوابك،” سأرد: “يا رجال أثينا، أني أتشرف بكم وأحبكم، ولكن عليّ طاعة ربي بدلًا منكم، وطالما مَدّني الله بالحياة والقوة، فلن أتوقف أبدًا عن ممارسة الفلسفة.”

إن هدفي اقناعكم جميعًا، صغارًا وكبارًا، أن لا تفكروا بحياتكم وممتلكاتكم، ولكن تهتموا لذواتكم الداخلية. أقول لكم أن الثروة لا تجعلكم طيبين من الداخل، ولكن من الطيبة الداخلية يأتي الثراء والفائدة للرجل. هذه هي دروسي، وفي حال كانت مفسدة للشباب، فعندئذ أفترض أني مُفسدهم.

حسنًا أيها الأثينيون، عليكم الآن أن تقرروا إذا كنتم ستبرؤني أم لا. أيًا كان قراركم افهموا أنني لن أغير أبدًا طُرقي، وحتى لو كان عليّ أن أموت عدة مرات. فإن الحديث اليومي عما يجعلنا طيبين والتساؤل مع نفسي والآخرين هو أعظم عمل يقوم به الرجل. فالحياة بدون تساؤل لا تستحق العيش”.

كأس من نبات الشوكران

بعدها قامت هيئة المحلفين برمي أقراص التصويت في أحد الجرار المعلّمة، جرّة للأصوات التي تحدد أنه مذنب والأخرى لمن يعتقد أنه برئ. بعد إحصاء الأصوات، وُجد 360  قرصًا في الجرّة التي تدل على أنه مذنب مقابل 140 قرص في الأخرى. وبذلك تم الحكم على سقراط بالإعدام، والذي سيكون بموجب القانون الأثيني عبر شرب كأس من نبات الشوكران المسممة.

وقبل رحيل سقراط، قال خطبته الأخيرة مودعًا فيها كل من في المحكمة، حيث دوّن الخطب تلميذه، أفلاطون، الذي كان يجلس بين الجمهور وقد انتابه الحزن واليأس في كتاب سماه الاعتذار:

“يا رجال أثينا، لقد حكمتم عليّ بالموت. بالنسبة لأصدقائي الذين صوتوا لتبرئتي، دعوني أقول لكم أن الموت قد يكون أمرًا جيد. فإما يكون الموت حالة من العدم واللاوعي أو يكون، كما يقول البعض، مجرد هجرة من هذا العالم إلى عالم آخر.

فإذا كان حالة لاوعي مطبَق، مثل نوم هادئ بدون أحلام، فسيكون الموت مكسبًا لا يوصف. وفي حال كان رحلة إلى عالم آخر حيث يعيش الموتى، فسيكون ذلك أيضًا رائعًا حيث سأتمكن حينها من إكمال بحثي عن المعرفة الحقيقية والكاذبة. في العالم التالي، مثل هذا العالم، سأتمكن من اكمال استجوابي للناس العظماء من الماضي للبحث عن الحكيم ومن يدّعي الحكمة.

لذا لا تدعوا الموت يحزنكم، فلا يمكن أن يحدث الشر لرجل صالح سواء في هذه الحياة أو بعد الموت. حسنًا، لقد حانت ساعة الرحيل، يجب علينا أن نذهب كلُّ في طريقه، أنا للموت وأنتم للحياة. أيهما أفضل؟ الله وحده يعلم ذلك”.

التاريخالفلسفةوثائقالسلطة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية