سالي روني: كيف تبدو الحياة في بداية الثلاثين

هذا الخريف تُرجمت سالي روني -التي تعد من أشهر الروائيين- إلى العربية أول مرة، حتى بعد هذا الصيت الذي وصلت إليه الكاتبة الإيرلندية.

الكاتبة الأيرلندية سالي روني / Getty Images
الكاتبة الأيرلندية سالي روني / Getty Images

سالي روني: كيف تبدو الحياة في بداية الثلاثين

أمل السعيدي

لم أتخيل أن تعجبني رواية لسالي روني. حاولتُ قراءة عملها الأشهر «ناس عاديون» بعد مشاهدة المسلسل المأخوذ منها «Normal People»، وشيءٌ ما جذبني في شخصيات روني: القتامة التي تحيط بهم وصعوبة التواصل بينهم، مما يُظهر العلاقات معقدة وشائكة كما هي في الحقيقة. بدا لي أن هنالك فجوات من الصمت، وعندما تحاول هذه الشخصيات ردمها فإنها تتقدم بشكل مسعور وتندفع وتتلاقى الأجساد بقوة؛ هنالك طاقة كبيرة تعول عليها روني في اللمس والتحديق طويلاً في الأعين. 

لكنني، مع كل ذلك، لم أستطع إكمال قراءة الرواية.

هذا الخريف تُرجمت سالي روني -التي تعد من أشهر الروائيين- إلى العربية أول مرة، حتى بعد هذا الصيت الذي وصلت إليه الكاتبة الإيرلندية في بداية عمر الثلاثينات لم نقرأها بالعربية إلا الآن في رواية «أيها العالم الجميل أين أنتَ» الصادرة عن دار «الآداب» بترجمة أحمد جمال سعد الدين. على سبيل الفضول فتحت الكتاب وعندما قرأت افتتاحيته تأكدت أنني سأقرؤه في الحال، إذ اختارت سالي روني لهذه المقدمة اقتباسًا من ناتاليا جنزبيرق تقول فيه:

عندما أكتب شيئًا ما أفكر في أنه شديد الأهمية وأنني كاتبة ممتازة. أظن أن الجميع يشعرون بذلك. لكن هناك ركنًا في رأسي أعرف فيه حقيقتي جيدًا: أنني صغيرة جدًا وكاتبة ضئيلة الشأن. أنا متأكدة لكن ذلك لا يهمني.

تختار روني إذن أن تقول لنا إنها ليست كاتبة جيدة، و«أليس» التي تلعب دور الكاتبة في الرواية قد لا تكون كذلك أيضًا، لكن هل هذا ما يهم حقًا؟

ما الذي يعنيه الإحباط من الفن والمكث الطويل عند التفكير في جودته؟ ألسنا جميعًا نرغب أن نصبح فنانين جيدين؟ لكن هل يتأتى ذلك للجميع؟ ماذا لو أن رغبتي أن أصبح كاتبة أكبر من قدرتي على الكتابة.  Click To Tweet

تهيئنا روني منذ الصفحة الأولى في العمل إذن لئلا نتوقع شيئًا، وإذا فعلنا فعلينا أن ننظر إلى ما يدفع إلى هذه الكتابة وما يذكي هذه الحرارة التي تتدفق في الصفحات التالية.

تغادر «أليس» المصحة النفسية، ويبدو أن شهرتها الواسعة كروائية شابة وثراءها الآتي من عملها كاتبةً لم يكفها ولم يرضها. وتقرر بعد مغادرتها أن تستأجر بيتًا رائعًا مطلاً على البحر الأطلنطي بعيدًا عن صديقتها المقربة «إيلين» التي تعمل محررة في مجلة أدبية متواضعة بأجر زهيد في دبلن، وذلك يجعل حياتها صعبة للغاية مقارنة بـ«أليس». 

تتبادل الصديقتان المقربتان الرسائل، وهي الطريقة التي تعتمدها روني لقول أفكارها. وعلى رغم أننا قد نشعر بأنها مصطنعة، إلا أن جمال النثر والأفكار التي تناقشها يجعلنا أكثر تعلقًا بالنص مع مرور الوقت. تكتب الصديقتان عن التفاوت الطبقي والمناخ والعنف وقضايا المهاجرين واللاجئين واليمين المتطرف وفقدان البشر غريزة الجمال وعن الجنسانية، تكتبان عن كل ما يشغل شابتين حساستين في الثلاثين من داخل طبقتهما الاجتماعية، وتعبران عن النظرة الموحشة لجيلنا نحو المكان الذي نعيش فيه. 

لكن الجزء المثير والمفضل إليّ كان في الحديث عن علاقتهما، أي الغضب الذي يظلل العلاقات الوثيقة والحب بلا حد والثقة المطلقة والصدق الكامل. إنهما تتحدثان عن كل شيء حتى عن الحب الذي يعذبهما بطريقة تخص كل واحدة وطبيعتها، ثم تعودان للغضب والشجار وإلقاء التهم: «هل تحبينني فعلاً؟» «لا أظنك تفعلين؟» وإن لم تقولا هذا مباشرة. تعيش هذه العلاقة إذن صيرورتها وتُسحق أحيانًا وتزدهر في غالب الوقت.

هنالك شيء آخر يجعل قراءة هذه الرواية تجربة حميمة، إنها تستخدم لغتنا اليومية، عندما تتعلق أعيننا بـ«علامة صح» في محادثة الواتساب لنعرف هل وصلت الرسالة، وهل قُرئت؟ ألم يتأخر الرد إذن؟ أشياء صغيرة كهذه يمكن أن تفعل فعلها في يومنا. 

تقلِّب الشخصيات حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي ضجرة وتهرب من أجهزتها المحمولة إذا اضطرَّت إلى مواجهة قرار مصيري يتطلب الحديث مع شخص آخر مقرب أو صديق. شخصيات يضنيها العمل اليدوي كصديق «أليس» الذي تتعرف عليه في المكان الذي تقضي فيه عزلتها، أو علاقة شاب صغير هو الأذكى بين أقرانه لكنه متدين على نحو تقليدي ولا يفوته قداس الأسبوع مطلقًا. نشاهد «إيلين» وهي تكافح من أجل دفع أجرة تذكرة الحافلة ورسائل «الواتساب تستمر في التدفق.» الأمر الذي يفقدنا الإحساس باستمرارية الحاضر: «انقطع اتصال الحاضر هذا وأصبح كل يوم، بل كل ساعة من ساعاته، يحل محل ما سبقه، محولاً إياه إلى شيء عديم الأهمية والصلة… لم تعد هنالك ظروف محايدة، لم يبقَ إلا التايم لاين».

تقرر «أليس» وهي تخوض علاقة عاطفية مربكة أنها لا تريد أن تكتب بعد الآن؛ فالكتابة نوع من العنف المعرفي. لديها مشكلة مع الرواية «اليورو- أمريكية»، فكتّابها من جهة مدَّعون يعيشون حياة الرفاهية ثم يكتبون بحساسية عن «الحياة العادية». هذه الرواية تعتمد وفقًا لـ«أليس» على قمع الواقع الذي يعيش في ظله معظم البشر: الفقر والمرض والحرب والبؤس الذي لمّا نوقش في الرواية مباشرة وُصفت بأنها «فاشلة» فنيًا. وعندما يحدث في العالم في ظل كل هذا العنف فما الذي تعنيه كتابة الرواية حقًا؟ 

بعد أشهر من إقامة «أليس» في منزلها الجديد البعيد عن دبلن، تجتمع شخصيات الرواية الأربعة في آخرها: شباب في بداية الثلاثين. تصبح غرف البيت أماكن مشحونة بالتوتر وكل زاوية منه مسرحًا لعرض الضغائن التي صنعتها المسافة بين الأصدقاء وسوء الفهم المستمر الذي تقع فيه كل العلاقات. وتحت طبقة من الشوق هنالك أيضًا عتبٌ مدفون، لا من الصديق فحسب، بل لأن الحياة في بداية الثلاثين نريدها مكثفة ومتجاوزة لرعونة العشرينيات وأخف. 

وعندما لا تكون كذلك فما الذي يمكن أن نفعله أكثر من أن نقف بالمرصاد عند كل شيء كما لو أن ذلك سيحررنا. ولا شيء يحررنا!


  1. تنطلق في الأول من نوفمبر فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الثانية والأربعين، ويمتد بين أول نوفمبر 2023 والثاني عشر من الشهر نفسه، بمشاركة واسعة تضم 2,033 ناشرًا وأكثر من 215 ضيفًا من 69 دولة. من ضمن الضيوف الحائز على «نوبل للآداب» الروائي النيجيري وول سوينكا، والممثلة الهندية كارينا كابور التي أصدرت حديثًا كتابها «دليل كارينا كابور للحمل»، وعدد من كتّاب الكتب «الأكثر مبيعًا» من ضمنهم الكندي مالكوم قلادويل والسويدي توماس إريكسون والروائي البريطاني الباكستاني محسن حامد.

  2. الكاتب والروائي الليبي إبراهيم الكوني سيكون شخصية العام الثقافية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب. هو من أبرز الأدباء الروائيين برصيد واحد وثمانين كتابًا، وتبرز الصحراء الإفريقية الكبرى في أعماله الأدبية، إذ قضى فيها سنوات طفولته الأولى، وتتقاطع في نصوصه موضوعات الهوية وتأثير العادات والخلفية الثقافية في روح الإنسان.

  3. صدر في مطلع أكتوبر كتاب جديد للمفكر والروائي أمين معلوف «متاهة الضائعين: الغرب وأعداؤه» (Le labyrinthe des égarés: l'Occident et ses adversaires) وفيه يفكِّك معلوف الحرب الأوكرانية الروسية التي يواجه فيها الغرب كلًّا من الصين وروسيا، وذلك من خلال تتبُّع تاريخ اليابان والاتحاد السوفييتي والصين وأمريكا، مما يشكل لوحة تاريخية تظهر فيها بوضوح دوافع الحروب الغربية.

  4. نُشر حديثًا للروائي الجنوب الإفريقي جي. أم. كويتزي -الحائز جائزة نوبل للآداب- رواية جديدة بعنوان «القطب» (The Pole)، وتحكي قصة «ويتولد فالتشيزكيتش» عازف البيانو ومترجم شوبان الذي فُتِن بياتريس، راعية الفنون الأنيقة المتزوجة بعد أن ساعدته على تنظيم حفلته الموسيقية في برشلونة. كما تصدر عن دار «مرايا للنشر والتوزيع» في الكويت ترجمة كتاب «الدنيا قدر كبير وأنا مغرفة: رحلة مصر والعراق» للكاتب التركي عزيز نيسين، نقله إلى العربية أحمد زكريا وملاك دنيز.


من فواز عبدالمحسن:

  1. عمَّ نتحدَّث حين نتحدث عن الحب، ريموند كارڤر

    كلما وقعت عيناي على قصص ريموند كارڤر أقول لنفسي: ماذا لو قال «لن أكتب القصة لأن تيشخوف ما ترك لنا شيئًا؟» لو استولت الفكرة على عقل كارفر لحُرمت من أعظم قصص قصيرة قرأتها في حياتي. ولكنني رددتُ على نفسي بأن هذا السؤال لا يطرحه كاتب يمارس التأليف؛ لأن الكتابة قد تعوقها فكرة، لكن لا تستطيع إيقافها. الكتابة لا تستأذن، بل تعبر صاحبها وتتجاوزه إلى الورق.

  2. فن الكسل، هيرمان هسه

    حملتُ في حقيبة سفري إلى أوربا الشرقية خمسة كتب معها «فن الكسل» لهيرمان هسه، وخيرًا فعلت حين اخترت الاكتفاء بقراءته. صحبني وصحبته، تأملني وتأملته، وعشت السفر مرتين: مرة بجسدي ومرة بروحي وعقلي. كل مقالةٍ كانت بوابة لعالم مرحِ الكلمات والكسل الجميل.

  3. مكتباتهم، محمد آيت حنا

    قرأتُ معظم مؤلفات ألبرتو مانقويل التي تدور أحداثها في مكتبة، وبعض السير العربية المترجمة التي استعادت ذكريات القراءة. ولكن عندما أتحدَّث عن كتاب تمنَّيت لو كنت مؤلفه فلن أتردد: «مكتباتهم»! هذا الكتاب الصغير «المكير» الذي جعل لفراغ الأرفف معنىً وأحدث ثورة كبرى في مكتبتي.

  4. 1234، بول أوستر
    لو فكر آدم فيليبس، المعروف بكتاباته التحليلية النفسية، في تحويل كتابه «فوائت الحياة» إلى رواية، ثم وقعت عيناه على «1234» لعدل عن هذه الفكرة لأنه ما من داعٍ لتكبُّد مشقة الكتابة الروائية. فقد فعلها بول أوستر وتتبع في روايته هذه حياة الطفل «آرتشي فيرغسون» من خلال أربعة أقدار ومصائر بديلة في 814 صفحة.

الرواياتالكتابةمراجعاتالكتب
نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.