أنا أكره، إذن أنا موجود!

الخدعة التي يؤمن بها بعضنا في الوطن العربي أن ذلك الغربي يُفرِّق بين سكان هذه المنطقة أو يفضّل بعضهم على بعض.

على موقع وزارة الخارجية الأمريكية مقالة طويلة عريضة عنوانها: «حرب الكرملين ضد أطفال أوكرانيا»، وفي تلك المقالة إشادة بقرار المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت في السابع من شهر مارس هذا العام (2023) مذكرتَي اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمفوضة الروسية لحقوق الأطفال ماريا لفوفا بيلوفا؛ بناءً على جرائم الحرب التي يُزعم أنهما ارتكباها المتمثلة في النقل والترحيل غير القانونيين لأطفال أوكرانيا. ثم ذهبت المقالة تستعرض جرائم الروس ضد الأوكرانيين، وخُتمت بقول كاتبها: «التأثيرات المدمرة لحرب بوتين على أطفال أوكرانيا سوف تظل محسوسة وملموسة على مدى أجيال عديدة. الولايات المتحدة تقف مع أوكرانيا وستسعى بيقظة للمساءلة والمحاسبة عن انتهاكات روسيا المروعة مهما استغرق الأمر من وقت.»

لو افترضنا أن زائرًا أتى كوكب الأرض قادمًا من الفضاء البعيد ثم دخل موقع وزارة الخارجية الأمريكية وقرأ مثل هذه الإدانات التي تُعتَصر ألمًا من الانتهاكات التي يرتكبها المجرمون ضد الأطفال المتمثلة في نقلهم قسرا إلى أماكن بعيدة عن مواطن نشأتهم – فلربما بكى ذلك الكائن الفضائي حزنًا على الأطفال وإشفاقًا على الكوكب البعيد الذي قدم منه؛ لأنه لاأمّة رحيمة فيه مثل الأمة الأمريكية وساستها الذين تكاد قلوبهم تتقطع ألمًا حين يرون طفلًا في مأزق. 

لكني في الحقيقة لا أعلم ماذا سيعتقد وفيمَ سيفكر ذلك المخلوق الفضائي حين يشاهد ردة فعل الأمة الأمريكية الرحيمة على قتل أطفال غزة وهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها وحرمان من يتبقى منهم على قيد الحياة من الماء والغذاء والدواء والكهرباء وحتى قطع وسائل الاتصال عنهم، التي كانت ستتيح لهم على الأقل أن يعرفوا متى سيحين دورهم في القتل على أيدي الصهاينة اللطفاء، الذين تقول لهم أمريكا بكل وضوح إنه لا «خطوط حمراء» تعوقهم عن إتمام ما بدؤوه في إزالة كل ما له علاقة بالحياة على أرض غزة. 

Ezgif 2 8811da5e5b
إظهار الدعم لأوكرانيا / Giphy

وعودةً على حرب أوكرانيا، كنت مثل غيري من البشر الملونين الذين سمعوا قنوات إعلامية تستغرب وجود لاجئين من أوكرانيا بحجّة أنهم بيض ويشبهون بقية الأوربيين وليسوا من الشرق الأوسط ولا ملونين. لكني كنت متسامحًا حيال تلك العبارات، وقلت في نفسي: لعلها بلاهة ما بعد الصدمة، وتلك القنوات والإعلاميون الذين رددوا تلك العبارات لم يكونوا يشيرون إلى المعنى الذي فهمته. لكن الأحداث في الأسابيع الماضية أثبتت لكل أمثالي من الذين يتعاملون مع العالم بسذاجة أن تلك العبارات تكاد تكون عقيدة راسخة لدى الرجل الأوربي الأبيض، وكذا النظر إلى بقية شعوب الأرض على أنهم أقل قيمة وأن دماءهم أرخص من دم العرق الأبيض النقي. وحين يصرح مسؤولون في دولة الكيان الصهيوني بأن تشبيه سكان غزة بالحيوانات فيه تقليل من قيمة الحيوانات فإنهم لم يخترعوا شيئًا جديدًا أو يقولوا شيئًا تحت وطأة الغضب، كل ما في الأمر أنهم كانوا وقحين في التصريح بهذه العقيدة. 

هذه النظرة الاستعلائية لا يُصرَّح  بها بفجاجة مباشرة كما يفعل الصهاينة، ولكنها تُمرَّر في المعتقدات والأفكار والقوانين ومعايير الصواب والخطأ؛ فصحيح القيم هو ما عدّه الغرب الأبيض صحيحًا، والخطأ الذي يجب أن يُحارب ويُطمس ويَنتهي هو ما يراه الغرب الأبيض خطأً. لا يمكن أن يكون لأي شعب أو أمة قيم ثقافية تخصها، بل لا بد أن تكون متوافقة ومتماهية مع قيم الرجل الأبيض الغربي وإلا فإنها لن تكون سوى تخلف وجهل لا بد أن ينهى إما بالاستسلام الثقافي أو القوة العسكرية. وحرية الاختلاف تصبح شرًّا يهدد الحياة حين يكون الاختلاف مع معايير الغرب الأبيض. 

الخدعة التي يؤمن بها بعضنا في هذه البقعة البائسة من العالم التي تسمى «الوطن العربي» أن ذلك الغربي يُفرِّق بين سكان هذه المنطقة أو يفضّل بعضهم على بعض. والحقيقة التي لا يشكك فيها إلا موهوم أو موسْوِس أنه لا فرق لديه بين عربي وآخر، فكلهم في نظره ليسوا سوى أرقام زائدة وجودها أقل نفعًا من عدمها. وغنيُّهم في نظره يحصل على ما لا يستحقه، وفقيرهم يعيش الوضع الطبيعي الذي يفترض أن يعيشه، وفَناء العِرق العربي عن بكرة أبيه أقل أهمية في نظر الإعلام والساسة الغربيين من إصابة شاذ أبيض بالاكتئاب، فضلًا عن موته.

الجانب المشرق في حُلكة الظلام هذه أن ما يحدث حاليًا يجب أن يجعلنا أشدّ تمسكًا بقيمنا وقربًا من ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا الحقيقية؛ فالبحث عن رضى المخلوق الأبيض غاية لن تُدرك، وأحاديثهم التسويقية عن قبول الآخر ليست إلا هراء لا قيمة له في ميزان الواقع، وبات واضحًا أنه «ينكشف زيف الشعارات ليا حمي الوطيس» كما يقول ناصر الفراعنة. بل حين «يحمى الوطيس» فإن الغرب المتحضر لا يؤمن بأن الآخر بشَرٌ من الأساس.

ولعل السؤال الأكثر «عبطًا» منذ اكتشاف القارة الأمريكية هو الذي سأله بوش الصغير يومًا: «لماذا يكرهوننا؟»، هذا السؤال مستفز؛ لأنه يستكثر على المخلوق الملوَّن أن يكون لديه إحساس يجعله يتمادى إلى درجة يكره فيها من يحتقره وينبذه ويستعلي عليه ويقتله حتى دون سبب. 

الحقيقة التي أعرفها الآن تقول بوضوح: من لم يؤمن بأن الغرب وصل إلى مستوى من النفاق لم تسبقه إليه أمة من أمم الجن والإنس فإنه يحتاج على الأقل إلى أن يسكت حتى يغادر الحياة بسلام. Click To Tweet

الكيّ ليس حلًّا مناسبًا لمن يطلب من الشمس أن تقدِّم أدلة على وجود النهار.

الحرب الأوكرانيةالقضية الفلسطينيةالولايات المتحدة الأمريكيةالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!