الدرس الذي علَّمني إياه قطّي عن العدوانية السلبيَّة

القطط تلجأ إلى التصرف هذا لأنه لا سبيل لديها للتواصل، فما حجتنا نحن البشر حين نتصرف بعدوانية سلبية مع قدرتنا ببساطة على التعبير بكل وضوح؟ 

كانت أمسية رائعة حللت فيها ضيفة على ندوة ثقافية والتقيت بأصدقاء الوسط الأدبي بعد غياب أشهر التزمت فيها البيت معظم الأيام إثر وعكة صحيَّة وانشغالي بالعمل عن بعد. فتحت باب غرفتي بمنتهى الانبساط والسرور، في فستاني الأبيض الموشَّى بالزهور، لتقع عيناي فورًا على شاحن الآيفون غارقًا في كتلة من الغائط على فراشي.

وبالطبع عرفت من الفاعل، كان قطّي بودلير.

انتشلت الشاحن وشطفته في الحمَّام وأنا لا أزال في فستاني الأبيض الموشى بالزهور؛ لأني أحتاجه لشحن الآيفون الذي أشرفت بطاريته على الانتهاء والساعة تعدَّت العاشرة ليلًا، وأي طلبية أطلبها أونلاين لن تصل إلا نهار اليوم التالي، وكيف عساي أمارس أعمالي وأبقى على اتصال بالعالم دون جوَّالي! (من هول الصدمة لم يخطر على بالي استعارة شاحن أحد إخوتي أو أمي.)

وواضح أنَّ بودلير توقَّع حرقة قلبي على الشاحن الذي أبقيه على المنضدة الملاصقة لفراشي. فالشاحن آخر ما ألمس قبل النوم وأول ما ألمس لدى استيقاظي، ولهذا حرص على جرّه من المنضدة وارتكاب فعلته الشنعاء عامدًا متعمدًا.

المشكلة الحقيقية لم تكن في هذه الحادثة، بل كونها الأولى من عدة مرات سيكرر فيها بودلير هذه الفعلة خلال أسبوع كلما غادرت البيت، إلى الحد الذي فقدت فيه صوابي وصرخت به: «لماذا تفعل بي هذا! لماذا تكرهني على رغم كل الرعاية التي أمنحك إياها؟» وكما هو متوقَّع، لم أسمع من بودلير أيَّ إجابة.

أخيرًا، حين استعدت صوابي، بحثت عن المشكلة في الإنترنت. لم أفعل ذلك مسبقًا لأني كالعادة تعاملت مع الموضوع لا بصفته مشكلة حقيقية تستلزم حلًّا، بل كأني ضحيَّة «شخصنة» تستهدفني بلا مبرِّر. واكتشفت أنَّ هذه الظاهرة، وإن كانت قليلة الحدوث لدى القطط الحريصة على النظافة، فهي لها مسبباتها النفسية كما تقول المعالجة السلوكيَّة للقطط ريتا مايرز. 

أوَّل سؤال تطرحه ريتا على راعي القط: ما الذي تغيَّر ليحفِّز ردة الفعل هذه؟ وحين سألت نفسي فالذي تغيَّر هو خروجي للأمسية وغيابي عن البيت خمس ساعات لم أترك فيها له وجبة العشاء لأني ظننت أني سأعود بعد ساعتين. ومنذ احتضان بودلير في عهدة عائلتنا قبل ثلاثة أشهر لم أغب عنه هذه المدة الطويلة. 

تبيَّن أنَّ الغياب الطويل المفاجئ خارج النظام المعتاد يحفِّز «الصدمة» لدى القط الذي عاش تجربة الهجر والتخلي عنه. فبودلير قط شيرازي أليف كان يبلغ العام حين وجدناه في حوش بيتنا في ليلة ماطرة. وعلى رغم إعلاننا العثور على قط ضائع في حسابات الحيوانات الأليفة لم يطالب به أحد. ولأنَّ القطط بطبيعة الحال لا تتكلم لغتنا فليس أمامها سوى ترك رسائل «عدوانيَّة سلبيَّة» تبين مشاعرها وتترك لنا محاولة تفسيرها، مثل الرسالة التي تركها بودلير على فراشي.

هنا خطر لي الأمر: إن كانت القطط تلجأ إلى التصرف على هذا النحو لأنَّه لا سبيل لديها للتواصل معنا فما حجتنا نحن البشر حين نتصرف بعدوانيَّة سلبية مع الآخرين مع قدرتنا ببساطة على التعبير بكل وضوح عن مشاعرنا؟ 

كلنا تركنا رسالة مشابهة لرسالة بودلير في حياة شخصٍ ما، كتبنا منشورًا نقصد فيه جرح أحدهم تحديدًا كرسالة مبطنة «تدل دربها»، تعمدنا صدَّ أحدهم فجأة دون تبرير، رمينا التلميحات المسيئة «المبطنة باللطف» في حديثنا. 

إما أننا نفعل ذلك لأننا ناقصو عقل، وإما لأنَّ جانبًا شريرًا فينا يستمتع بالأذى «المستتر» الذي يلحقه بالآخر ويتلذذ بمحاولة ذاك الآخر تفسير السبب، وإما لأننا ببساطة جبناء. 

في حين أرسِّخ هذا الدرس في ذهني، أكتب هذه التدوينة على فراشي برفقة بودلير على حَجْري بعدما تعلَّمتُ المطلوب فعله ليفهم أني لن أهجره. وأبشركم، نحن متصالحان والشاحن الجديد في أمان.😸

العلاقات الإنسانيةالقططالمجتمعالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.