هل الاكتظاظ السياحي سبب العنصرية ضد السياح؟

علينا التوقف عن تقليد بعضنا بعضًا والبدء باكتشاف وجهات جديدة والابتعاد عن الوجهات التي تتعامل معنا بعنصرية.

شاهدت مقطعًا رائجًا لأحد مشاهير سناب شات يُظهِر سيدة نمساوية تطلب من السيُاح العرب عدم القدوم إلى مزرعتها. ويفسِّر المشهور سبب هذا المقطع بأنَّه في إحدى رحلاته صوَّر المزرعة النائية عن ازدحام المدن وشارك طبيعتها الخلَّابة الهادئة مع متابعيه، والنتيجة تدفَّق كثيرٌ من متابعيه إلى مزرعتها مما تسبَّب باكتظاظ غير مرغوب فيه لديها.

هذا المقطع يأتي ضمن موجة من المقاطع في وسائل التواصل الاجتماعي التي يظهر فيها السكّان المحليون من عدة دول، وبخاصة تركيا، وهم يشتكون من السُياح العرب ويطلبون مغادرتهم!

عن نفسي سافرت إلى كثير من الدول، ولا أذكر أنه سبق لي التعرض لأي موقف عنصري. زرت دولًا عربية وشرق آسيوية وأوربية، حتى إنني زرت «الفاتيكان» ولم تحدث لي أي مشكلة. والحمدالله على أن الأمور كانت دائمًا جيدة. 

كذلك سبقت لي زيارة تركيا التي انتشرت المقاطع عن عنصرية شعبها ضد السياح العرب خلال الفترة الماضية. وعلى رغم استيائي الشديد من جودة الخدمات في إسطنبول، وبخاصة مطارها، إلا أن سوء الخدمات تعرض له الجميع، لا أنا والسُياح العرب فحسب.

فالغضب ذاته نراه موجهًا ضد فئات أخرى من السيّاح الذين يتسببون بالاكتظاظ. إذ خرج سكان بلدة «هالشتات» النمساوية في مظاهرات للمطالبة بتقليل عدد السُياح الوافدين إليها، حيث بلغ عددهم نحو عشرة آلاف سائح يوميًا. أغلب هؤلاء السياح من كوريا الجنوبيَّة أو من متابعي الدراما الكوريَّة. إذ اشتهرت البلدة بعد ظهورها ضمن أحداث مسلسل كوري في 2006، وباتت البحيرة فيه معلمًا لالتقاط صور السيلفي.

وعلى رغم أن وجود هذا العدد الضخم من السيَّاح يدرُّ فوائد اقتصادية عديدة على البلدة، إلا أنه أصبح أمرًا مستهجنًا لدى السكان المحليين. فالبلدة أضحت مزدحمةً لدرجة تصعب معها ممارسة المهمات اليومية، وباتت تعاني التلوُّث الصوتيّ بعدما فقدت هدوء الطبيعة الذي تتصف به هذه البلدات.

زيادة أعداد السيُاح والزوار بأعداد ضخمة تؤثر في جودة حياة السُكان المحليين، وتسمى هذه الظاهرة بمصطلح «الاكتظاظ السياحي» (Overtourism). فعلى سبيل المثال تُشير الإحصائيات، إلى أن عدد السيُاح الذين زاروا مدينة طرابزون التركية هذا العام تجاوز 400 ألف سائح، أي ما يعادل 50% تقريبًا من عدد سكان المدينة الأصليين!

يقول الرحالة والمدون السعودي يوسف السديس: «إن هناك زيادة ملحوظة في أعداد السياح في واجهات سياحية معروفة مثل برشلونة وأمستردام وسانتوريني والبندقية وغيرها، بحيث أصبحت هذه الأعداد تؤثر في جودة حياة المواطنين، وكذلك في جودة التجربة السياحية للسائح نفسه».

في رأيي أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت بشكل كبير من مفهوم «الاكتظاظ السياحي». فمن الطبيعي جدًا أن تشتهر بعض الوجهات بسبب تصوير السُياح لجمال طبيعتها أو مبانيها، وكذلك الأفلام التي جعلت بعض المدن والأحياء مقصدًا للزوار كما هو الحال مع حي «نوتنق هل» (Notting Hill) في العاصمة لندن، الذي لا يزال حتى اليوم مقصدًا للسُياح بسبب فلم صُوِّر فيه قبل أكثر من عشرين عامًا.

لا أبرر العنصرية بأي شكل كانت، لكن عندما نكون نحن العرب المسببين لـ«الاكتظاظ السياحي» في مكان معين فلا شك أننا سوف نكون أكثر من يتعرض للعنصرية وسوء التعامل وتدني مستوى الخدمات. لذلك، إذا أردنا تجنب كل هذه المظاهر السلبية فعلينا أّلا نتشبث جميعًا بزيارة مكان واحد في وقت واحد، بل علينا التوقف عن تقليد بعضنا بعضًا والبدء باكتشاف وجهات جديدة والابتعاد عن الوجهات التي تتعامل معنا بعنصريَّة.

السياحةالعنصريةالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.