فنجان شاي رفقة إيما بوفاري وآنا كارنينا

الشخصيات الأدبية التي نصادفها، نألف وجودها وعشرتها، نصاحبها وتصاحبنا، نحادثها وكأنها ترانا وتسمعنا، نفكر بمعيتها ونناقشها.

طالبة في مكتبة تابعة لجامعة كامبردج / Getty Images
طالبة في مكتبة تابعة لجامعة كامبردج / Getty Images

فنجان شاي رفقة إيما بوفاري وآنا كارنينا

إيمان العزوزي

كقارئة أدب أعيش احتمالات وحيوات أخرى يستحيل تحقيقها في الواقع، وتُراوح هذه المعايشة بين التربص والانغماس. فإن وجدْتُ بين الواقع والخيال ممرًّا سالمًا وواضحًا سلكتُه، وإن استشفّيتُ من العمل صعوبة التوافق بل استحالته تركتُه مع الأخذ بحكمته ومعناه. 

ربما يملك الأدب هذه القوة المجيدة التي تستفز أذهان القراء ويتفاعلون معها ثم يحللونها ويؤولونها وفق احتياجاتهم وتفضيلاتهم. ولست هنا أؤكد دور الأدب أو أثني ثناءً حسَنًا على مهارة التلقّي وخصائصها، بل أصف حميمية صادقة تجمع القارئ، أيًّا كان تصنيفه، بعمل أدبي يبعث فيه الحياة متى أمسك بأوراقه بين يديه.

لهذا فالشخصيات الأدبية التي نصادفها شعرًا أو مسرحًا، وخصوصًا في عالم الرواية، نألف وجودها وعشرتها، نصاحبها وتصاحبنا، نحادثها وكأنها ترانا وتسمعنا، نفكر بمعيتها ونناقشها. فالقراءة في جوهرها تفاعل حسي وذهني كامل يثري مخيلتنا ويلهمنا تواصلًا دائمًا نحو الخارج، عكس ما يُرَوِّج بعضهم من أن القراءة فعل انعزالي تام.

إن كل شخصية أدبية، بغض النظر عن تفاصيل تشكلها ضمن العمل الأدبي أو جنسه أو رمزيته، هي صورة مستنسخة من شخصيات حية وحقيقية بالواقع. إذ يتوحد أبطال الروايات مع البقية في التجربة المشتركة للجنس البشري، كما تقدم لنا تمثلات الشخصيات المتنوعة أبوابًا مواربة لشخصياتنا أمام مواقف عشناها سلفًا أو اختيارات وقفنا أمامها حيارى وتركنا معظمها قصدًا أو مواقف مستقبلية سنقف عندها يومًا ما. هكذا تمنحنا الشخصية الافتراضية سبقًا نحو فهم أنفسنا أمام تجارب راهنة أو تنمّي حدسنا فيما يخص الآتي منها.

نرافق هذه الشخصيات في رحلاتها المختلفة الدوافع والأهداف، ونحن نتوقع منها أن تذهب إلى أقصى أعماق ذواتها، تلك العتبات التي نخشى الوصول إليها خوفًا من الإخفاق أو مما قد تفضحه من أهواء وتنيره من مناطق معتمة من أنفسنا، إنها تشبه تلك الأحلام التي تحتل ليالينا؛ فنستيقظ ونحن وجلون مما رأينا أو نستيقظ ونحن مستبشرون خيرًا بما فعلناه ونحن نيام، الشخصية الأدبية تمنحنا هذا النوع من الانفلات المنضبط الذي نملك مفاتيحه.

عادةً ما يقف الآخر أمامنا صورة ضبابية ومعتمة، لا نستطيع كأفراد عاديين أن ننتهك حرمته ونغامر باكتشافه، أو أن نستجلي ما يفكر فيه، ونكتفي في مواجهته بالاستنتاجات والانطباعات. هذا التواصل المقيَّد ينفتح مع الشخصية الأدبية، وهو انفتاح ليس ممكنًا إلا إذا توفر لدينا قدر من الفهم والوعي اللذين يمنحنا إياهما الوقت والاحتكاك المتواصل بالأدب والإلمام بخيوطه.

ومع هذه الخبرة المكتسبة تصبح تلك الشخصيات بمثابة شمعدان نحمله بأيدينا لنضيء عتمة الآخر، تلك التي هي في العالم الحقيقي أساس كل عزلة وتعصّب كما يؤكد فانسان جوف؛ فالأدب يؤهلنا للاكتشاف ويدفعنا إلى المغامرة دون خوف من نتائجهما، وهذا يساعدنا في مرحلة لاحقة على التكيف مع المتاريس التي يضعها لنا الأفراد في الواقع.

يقول ألبيرتو مانقويل في كتابه «شخصيات مذهلة من عالم الأدب»:

ليس كل شخصية أدبية تصلح لأن تكون الرفيق المختار لأي قارئ، إذ إن الشخصيات التي نعشقها فقط هي التي ترافقنا طوال حياتنا.

لا يكفي المقام لتعداد تلك الشخصيات الأدبية التي أحببناها وألفنا حضورها مذ كنا صغارًا ورافقتنا مع اختلاف أعمارنا، لطالما شعرت بالرغبة أن أقرص وجنتي «تختخ» الممتلئتين وهو غارق في حل ألغازه، وانفعلت مع انتصارات «رجل المستحيل» وغرائب «الدكتور رفعت»، ثم حاربت طواحين الهواء مع «دون كيشوت»، ودعوت كلًّا من «إيما بوفاري» و«آنا كارنينا» على فنجان شاي محاولةً تغيير قراراتهما، وصفعت «ستونر» ألف مرة لعله يتحرك وينفعل مع كل ما يحدث له. 

كل شخصية، وإنْ بدت صغيرة وسطحية أو قديرة وعميقة، كان لها دور وجذر يؤسس داخلنا هرمًا للاحتياجات نرتب على رفوفه هذه الشخصيات ونخرجها متى استدعت الحاجة.

لكنّ علاقتنا بهذا العالم المتخيل وشخصياته ليست دائمًا ممتعة ومثيرة وبناءة، بل قد تتخللها أحيانًا مغالطات تمنح الشخصية الأدبية سلطة استلاب تُنحِّي شخصيتنا الحقيقية وقد تؤذينا كما حدث مع بعض قراء رواية الكاتب الألماني قوته «آلام فارتر» الذين قلّدوا ملبس فارتر وسلوكه، وانتهى بهم الأمر محاولين الانتحار للّحاق به. وهذا ما دفع السلطات إلى منع الرواية خوفًا من تفشّي ظاهرة «الفارتريين». 

وقد وضعَت دراسة أجرتها جامعة ولاية أوهايو اسمًا لهذا التفاعل: «Experience Taking» (أي الاستيلاء على تجارب الشخصيات وجعلها تجاربنا نحن). ووضّحَت أن القارئ أحيانًا يميل إلى تبنِّي خبرات الشخصيات ومعتقداتها وأفكارها، خصوصًا تلك التي تَرِد بضمير المتكلم؛ لقدرة هذا الأخير على غزو النفسيات أشدَّ من ضمير الغائب أو مِن لسان الراوي العليم.

هذه الرغبة في التماهي مع الشخصيات والاستعانة بها في أشدِّ لحظاتنا حرجًا تغذيها رغبتنا في الهرب من الوحدة. فلو كنا كائنات وحيدة بالفطرة، كما يذكرنا قابرييل قارسيا ماركيز، لتحايَلْنا على هذه الوحدة بالتقرب من شخصيات ليست حقيقية، لكنها تمنحنا شعورًا حقيقيًا. هكذا نستطيع أن نشعر بالانتماء، وندرك أن ما يعتلج في صدورنا وأذهاننا ما هو إلا مشاعر وأفكار لها نظائر، وليست شاذة، ومن الممكن إشراك غيرنا معنا فيها، ومن شأن هذا تنمية الشعور بالثقة، والسعي إلى الانفتاح على عوالم ظلت موازية لحياتنا طويلًا. مع الأدب وشخصياته تنهار تلك الحدود، وتمتدُّ من جديد جسور التواصل، ونستطيع إيجاد روابط أشدَّ حكمة وذكاء.


  1. طالب مجموعة من المؤلفين والناشرين وزارة العدل الأمريكية بالتحقيق في احتكار «أمازون» لسوق الكتب وهيمنتها التي منحتها القدرة على ترويج كتب محددة على حساب كتب أخرى. وتمثل «أمازون» اليوم 40% من مبيعات الكتب المطبوعة في أمريكا وأكثر من 80% من مبيعات الكتب الرقمية بحسب إحدى الإحصائيات.

  2. فازت الكاتبة البريطانية زيدي سميث بجائزة الصانداي تايمز للتميز الأدبي عن مجمل أعمالها الأدبية التي تُرجم بعضها إلى اللغة العربية مثل رواية «أسنان بيضاء»، وهي روايتها الأولى التي كتبتها في أثناء دراستها، وأدرجتها مجلة التايم البريطانية ضمن قائمة أفضل 100 رواية باللغة الإنقليزية بين عامي 1923 و2005.

  3. تصدر الشهر المقبل رواية جديدة للكاتب الأمريكي الشهير في أدب الرعب ستيفن كينق بعنوان «هولي»، كما ستصدر الترجمة العربية في الوقت نفسه عن الدار العربية للعلوم ناشرون بترجمة ماجد حامد.

  4. تصدر في نوفمبر المقبل رواية جديدة للكاتب الأمريكي الشهير بول أوستر بعنوان «Baumgartner»، وهي الرواية الثامنة عشرة له، والأولى منذ روايته الأخيرة «4321» التي نشرت في 2017. كما ستصدر مع النسخة الإنقليزية الترجمة العربية عن دار كلمات بترجمة د. سعد البازعي.


من إيمان العزوزي:

  1. شخصيات مذهلة من عالم الأدب، ألبيرتو مانقويل

    يأخذنا الكاتب الموسوعي والروائي ألبيرتو مانقويل عاشق الكتب والمكتبات في رحلة يستعرض فيها أبرز الشخصيات الأدبية التي أثّرت في مساره قارئًا وكاتبًا. يؤكد مانقويل أهمية هذه الشخصيات في التأثير في شخصياتنا ومواكبة تطورها، بل إرشادنا في حيواتنا. يشجعنا من خلال عرض تجربته الشخصية مع عوالم الرواية وأبنائها على تأسيس علاقات أدبية خاصة بنا. حصل الكتاب على جائزة «Formentor» الدولية للأدب عام 2017.

  2. الشخصية الروائية مسبار الكشف والانطلاق، هيثم حسين

    يعالج الكاتب السوري هيثم حسين في كتابه مفهوم الشخصية الروائية، ويجيب عن أسئلة من قبيل: كيف يخترع الروائي شخصياته؟ ومن أين يأتي بها؟ وهل يستطيع الفكاك منها؟ محاولًا الوقوف على تداخل الواقع والخيال في رسم الشخصية الروائية، ومدى الوثوق بالمسافة المفترضة بين الشخصية الروائية وكاتبها. كما ينبه القارئ على أنه قد يكون مشروع شخصية في كتابة روائية، بحيث تكون حياته محل ملاحظة وتنقيب من طرف الروائيين؛ إذ إن الشخصيات الأدبية ليست فضائية بقدر ما تشبهنا. 

  3. القراءة، فانسون جوف

    يقدم الأكاديمي الفرنسي فانسون جوف من خلال أحد أهم أعماله (القراءة) إجابات حول أسئلة تؤرق القارئ: ما معنى أن أكون قارئًا؟ كيف أحدد علاقتي بالنص؟ وما أثر النص فيّ على مختلف المستويات؟ هل هي علاقة هيمنة وسيطرة أم علاقة مشتركة يكون فيها القارئ والكاتب على قدر من المساواة؟ يرصد جوف من خلال كتابه مختلف التفاعلات الممكنة بين القارئ والمؤَلَّف، وبينه وبين الشخصية الروائية.

  4. ستونر، جون وليامز

    يعرِّف الممثل الأمريكي توم هانكس هذه الرواية بطريقته فيقول «هي رواية عن رجل يذهب إلى الكلية ويصبح مدرسًا. لكنها من أروع الأعمال التي ستصادفها على الإطلاق».
    رواية الكاتب الأمريكي جون وليامز صدرت عام 1965، وتُعد في شكلها رواية أكاديمية، أي: من النوع الروائي الذي تنحصر معظم أحداثه داخل الحرم الجامعي، لكنها تتجاوز ذلك لتعبر عن صرخة الضمير الرافض للحرب والفساد، كما تبتعد بالأحداث عن سياقها الجمعي لتنحصر في سياق شخصيتها الرئيسة (ستونر). يعد ستونر شخصية جدلية تثير في القارئ مشاعر متضاربة بين التعاطف والغضب؛ لأنه أراد الحياة كما يتصورها، ولكي يحافظ على هذا التصور تبدو انفعالاته وردود أفعاله غير مفهومة وعبثية ورافضة للمواجهة.

الأدبالإنسانالقراءةالكتب
نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.