ارتدي قناع «التَّمَسْكُن» في الوظيفة

«لغة التَّمَسكن» لا تقتضي بالضرورة افتقاد الموظفة إلى الحزم، بل يبين مدى اهتمامها بالطرف الآخر، مما يبني فريق عمل صحي ويحقق نتائج عمل أفضل.

وردت نصيحة لي من زميل (قد يكون زميلًا أو زميلة) بالانتباه إلى الردود الانفعالية التي أكتبها دون مراعاة لمشاعر الآخر حتى لا يُساء فهمي. لم تصدمني هذه النصيحة ولم أستأ منها، بل وجدتها في محلها تمامًا؛ بالفعل، في بيئة عمل تعتمد كليًّا على التواصل المكتوب عليَّ الانتباه قبل كتابة عبارة «انفعاليَّة».

كيف تبدو العبارة الانفعاليَّة؟ رد فوري، عبارة خاوية من إيموجي القلوب والابتسامات والنجوم والزهور وأيادي الرجاء والشكر، لا تتضمن الاستهلال الملطِّف مثل «أتفق معك، لكن»، «لو سمحت، ممكن»، «مقدَّرة جهدك الكبير، لكن»، «أكيد ليس قصدك، ومعك حق لكن ممكن أنا فسرتها كذا لأنَّ». 

العبارة لا تتضمن أي شتائم أو تعدٍّ لفظي على الطرف الآخر، تعدّيها الوحيد أنها عبارة «حازمة» مباشرة وبيِّنة تعبِّر عن رأي واضح دون مواربة، وقد تعبِّر عن استياء من أمر أو اختلاف في الرأي. هذا الحزم يُظهرني «انفعاليَّة» إذا افترض الآخر حسن النيَّة، أو «متسلِّطة» إذا افترض سوءها. 

يميل البعض -رجالًا ونساءً على حدٍّ سواء- إلى اعتبار الموظفة في موقع قيادي «انفعاليَّة» لدى تصرفها بحزم إذا كانت هذه الموظفة «لطيفة»، وأي شذوذ عن هذا اللطف يعني أنها فقدت السيطرة على أعصابها. في المقابل، المرأة التي تبدأ حياتها المهنية بمهارات قيادية حازمة لن تواجه تهمة الانفعاليَّة، لكنها ستُتَّهم غالبًا بأنها «متسلطة» و«مسترجلة» و«متكبرة». 

في عام 1929، كتبت المحللة النفسية جوان رفيير (المترجمة الأولى لكتب فرويد إلى الإنقليزية) مقالاً عنونته «الأنثويَّة قناعًا» (Womanliness as Masquerade). وفيه ناقشت «القناع الأنثوي» الذي ترتديه الموظفة القيادية في بيئة العمل -أو الطامحة إلى الترقي والقيادة- لكي تخفي ذكوريتها المتجسِّدة في قوة شخصيتها وإنجازاتها وأدائها العالي، فتلجأ إلى التصرف بأنثوية زائدة وتقلِّل من شأن منجزاتها وتشكِّك في مهاراتها. 

كما يساعدها القناع على تحاشي القلق العصبي من عواقب استعداء الرجال حولها، على الأخص الرجال في المناصب العليا. 

هنا قد يخطر لك ما خطر لي، نحن اليوم في 2023 ومقال كهذا ينتمي إلى عصر آخر مختلف كليَّةً، ومن الحماقة الاقتباس منه كمصدر. أتفهَّم وجهة نظرك، ولهذا سأشاركك مقالًا مكتوبًا في عام 2023 قبل أسبوعين على يد أشهر من يكتب ويتكلَّم عن بيئات العمل الحديثة: آدم قرانت. 

في مقال «المرأة محقة في استغلال لغة التَّمَسْكُن» (Women Know Exactly What They’re Doing When They Use Weak Language) يبيِّن قرانت أنَّ النصيحة التي تتلقاها المرأة بأن تتكلَّم بأسلوب «أشد حزمًا وصرامة» في بيئة العمل لا تخدمها على أرض الواقع مثلما تخدمها لغة «التَّمَسْكُن». بل إنَّ لغة التَّمَسْكُن تسرِّع إلى حد كبير من بلوغها درجات الترقي ونيل العلاوات، إذ تُعد دلالة على بشاشتها وتواضعها واعترافها بتراتبية الهيكلة الإدارية، وتبيِّن سهولة التعامل معها وإيجابيتها وعدم اتصافها بالغطرسة أو العدوانيَّة السلبية أو الحساسيَّة المفرطة. 

ويشير قرانت إلى أنَّ «لغة التَّمَسْكُن» لا تقتضي بالضرورة افتقاد الموظفة إلى الحزم والمهارات القيادية في إدارة المشاريع، بل يبيِّن مدى ذكائها العاطفي واهتمامها بالطرف الآخر ومشاعره وتفهُّم منظوره والاستماع إليه، مما يبني فريق عمل صحي ويحقق نتائج عمل أفضل. ولا يعني هذا ألا تستعين المرأة باللغة الصارمة في مواقف تحتاج فيها إلى وضع حدود واضحة، لكن مع الأخذ في الحسبان أن تبدو فيها «حازمة» لكن دون أن تظهر «عدائية». 

أنا أتفق مع قرانت، لا سيما مع وجود تسع وعشرين دراسة تدعمه. ففي نهاية المطاف نحن لا نعيش في عالم «باربي» المثالي بل في واقع نحتاج التصرُّف معه بذكاء. لهذا فإنَّ النصيحة التي تلقيتها نصيحة صادقة وفي محلها وشكرت صاحبها عليها، وكما قال قرانت: «من تَمَسْكَنت تمكَّنت». 🤗

الإنسانالمشاعربيئة العملالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.