مخرجون يستعيدون «ملاعب» الطفولة والدهشة الأولى

لا تزال قصص المخرجين الشخصية والسير الذاتية نوعًا فرعيًا في السينما. لكننا بتنا نشهد كثيرًا من الأفلام التي تتعمَّق في حياة صانعيها.

فلم «رذيلة متأصلة» (Inherent Vice)
فلم «رذيلة متأصلة» (Inherent Vice)

أتعرف لماذا يسأل الناس أسئلة يعرفون أجوبتها مسبقًا؟

حتى يسمعوا هذه الإجابة بصوتٍ آخر، صوتٍ خارج رؤوسهم.


المخرج والمنتج الأمريكي ستيفن سبيلبرق في منزله في لوس أنجلوس / Getty Images
المخرج والمنتج الأمريكي ستيفن سبيلبرق في منزله في لوس أنجلوس / Getty Images

مخرجون يستعيدون «ملاعب» الطفولة والدهشة الأولى

شفيق طبارة

إنّها المرة الأولى التي يفعلها ستيفن سبيلبيرق ويخصّص فلمًا لرواية طفولته وسنوات مراهقته. «آل فيبلمان» (2022) انضمّ إلى قافلة من أفلام السير الذاتية التي أنجزها سينمائيون طبعوا ذاكرة الفنّ السابع، من فيلليني إلى ألمودوفار.

هل تعلم كم عدد المخرجين الذين سردوا طفولتهم من خلال أفلامهم؟ رأينا السنة الفائتة «آل فيبلمان» (The Fabelmans) لستيفن سبيلبيرق. لكنَّ السبحة طويلة مع فيديريكو فيلليني وفرانسوا تروفو وصوفيا كوبولا وإنقمار بيرقمان وسيلين سياما وألفونسو كوارون وباولو سورنتينو وبيدرو ألمودوفار وغيرهم. معظم المخرجين يميلون إلى التحدث عما يعرفونه، عن عالمهم وألوانه وشخصياته ونغمته. وإن كان هناك شيء يميّزنا كأفراد أكثر من أي شيء آخر فهو طفولتنا، التي شهدت دهشتنا الأولى وشكّلت وعْيَنا وشخصيتنا ونظرتنا إلى العالم. 

خصّص العديد من المخرجين فلمًا أو أكثر لاستدعاء جزء من تلك الطفولة وتلك اللحظات التي طبعت وعيهم: الموت الأول والحب الأول والانتصار الأول والهزيمة الأولى. بهذه الطريقة تُكتب الذات في السينما، في الظلّ وسط الاشباح والتشتت والذكريات، وفي الصورة والنفس واللحظة التي تطبع طفولتنا.

«آل فيبلمان» لسبيلبيرق هو ذلك التجوال بين الشكوك والمخاوف، يسافر بحرية ويتجوّل باستمرار كما لو كان بحدّ ذاته حلمًا وعنصرًا مرنًا ومجموعة من الذكريات والأحلام والرغبات. 

استحضر سبيلبيرق في «آل فيبلمان» طفولته، في فلم صنعه بنفسه عن نفسه، ومن خلال ذاكرته الشخصية. علمًا أنّها المرة الأولى التي يفعلها المخرج الأمريكي ويخصّص عملًا لاستعادة طفولته وسنوات مراهقته. هذه سيرة ذاتية عن حياته الخاصة لا تشبه الوصيّة بقدر ما هي نوع من البوح يعود به هذا المخرج إلى المكان الذي يشعر فيه بالأمان والحماية: العائلة والسينما. 

«لقد كنت شديد الخصوصية في ما يتعلَّق بحياتي. لم أتحدَّث مطلقًا عنها علنًا حتى الآن»، كذا قال سبيلبيرق خلال العرض الأول للفلم. إن مشاعر الوحدة والخسارة بعد وفاة والديه في السنوات الأخيرة هي التي دفعته إلى التفكير جديًا في كتابة قصته، لكن التهديد الوجودي الذي شكّلته جائحة كورونا دفعه أخيرًا إلى تقديم قصة عائلته الشخصية على الشاشة الكبيرة: 

«لم يكن لديّ أي نية لتصويره. وبدا لي أني سأسعد بإخفائه في دُرج في مكان ما، لكنّ فيروس «كوفيد 19» منحني الكثير من الوقت للتفكير في الأمر. بطريقة ما جعلني إنجاز الفلم أدرك أنني كنت أحمل عبئًا طوال هذه السنوات، واضطررت لتفريغه من قلبي وروحي في الفلم. وبمجرد خروج هذا الشعور أصبحت قادرًا على الندم على أنني لم أشارك ذلك مع والدي».

ما اكتشفه سبيلبيرق من فلمه هو أن بعض الحقائق لا يمكن أن تظهر إلا في عدسة الكاميرا. وما اكتشفناه نحن أنَّ سبيلبيرق يستخدم أفلامه لاستكشاف موضوعات حول الحالات النفسية والإنسانية التي واجهها هو بنفسه. وبهذا لم نعد نرى أفلامه السابقة كما هي. 

على سبيل المثال، لم يعد فلمه «إي تي» (E.T. The Extra-Terrestrial) مجرد مغامرة مع مخلوق فضائي، بل بات يحيلنا إلى مشاعر سبيلبيرق الشخصية، وكيف أثّر طلاق والديه فيه، فعكس المخرج هذا الإحساس في مشاعر الأطفال وعائلة «إليوت». وأما «الفك المفترس» (Jaws) فأصبح يعبّر عن خوف سبيلبيرق الطفل من المجهول، هو الذي نشأ في منزل مفكَّك، وشعر دومًا بأنَّه غريب. وأما «الحديقة الجوراسية» (Jurassic Park) فتحوَّلت من مغامرة كلاسيكية مع الديناصورات إلى موضوعات أعمق تتعلق بالطموح البشري والسيطرة وعواقب الأفعال.

هكذا حاول المخرجون، في أوقات مختلفة في تاريخ السينما، سرد قصصهم الشخصية والتعلُّم من أفلامهم. ووضعوا «الأنا» أمامنا ليكتشفوا أنفسهم، ولنكتشف ذواتنا من خلالهم. فالعودة إلى الماضي نوع من التصالح معه، أو تصفية حساب قديم. وكشفوا لنا كيف دفعتهم المثابرة إلى أقصى الحدود، وأظهروا نقاط قوّتهم وضعفهم، ورووا كيف تغلَّبوا على المحن وحافظوا على تركيزهم، واعترفوا بالأخطاء التي ارتكبوها، وحكوا كيف حوّلوها إلى نجاحات.

لا تزال قصص المخرجين الشخصية والسير الذاتية نوعًا فرعيًا في السينما. لكننا بتنا نشهد في السنوات الأخيرة كثيرًا من الأفلام التي تتعمَّق في حياة صانعيها، فمن سيكون المخرج القادم الذي سيروي لنا حياته؟ لا نعلم، لكنّ المؤكد أنّنا سنتابع طفولته بدهشة. 


أخبار سينمائية

  • أُعلِن رسميًّا عرض الفلم السعودي «مندوب الليل» في صالات السينما السعودية نهاية هذا العام 2023، بعد انطلاقه أولًا في جولة عالمية على المهرجانات السينمائية. الفلم من إنتاج أستديوهات «تلفاز 11» في أولى تجارب المخرج علي الكلثمي الطويلة الذي كتب الفلم بمشاركة محمد القرعاوي. وهو من بطولة محمد الدوخي، ويحكي قصة شاب ثلاثيني يعمل مندوبًا لتوصيل الطلبات، ويمشط الرياض بزحامها وجوانبها الخفيَّة.

  • الفلم مترقب لأكثر من سبب أهمها كونه يجمع بين ثنائية المخرج علي الكلثمي ومحمد الدوخي، وهي الثنائية التي قدمت في العقد الماضي العديد من البرامج والمقاطع اليوتيوبية التي كانت أهم أسباب شعبية «تلفاز 11»؛ لذا كان سقف التوقعات عاليًا جدًا تجاه هذا الفلم.


توصيات سينمائية

كأس الحليب في الأفلام

تك توك وتويتر من المنصات التي يتشارك فيها عشَّاق الأفلام من حول العالم مختلف التصنيفات التي لا تخطر على بال النقَّاد التقليديين، وتجسِّد مدى الانتباه إلى أدق التفاصيل. من تلك التصنيفات مقطع في تك توك يشارك فيه «cinedingo» الأفلام التي يتقاسم فيها الأشرار عادة شرب الحليب! 

نشاركك هذه القائمة ونزيد عليها. وإن كنت تعرف فلمًا آخر يتضمن ظهورًا مذهلًا لكأس الحليب سواء أكان في يد شرير أم بطل شهم فلا تتردد في مشاركته معنا على وسم #النشرة_السينمائية

«البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange) 1971

فلم خيال علمي وجريمة بريطاني من إخراج وإنتاج وسيناريو ستانلي كوبريك، مبني على الرواية التي تحمل العنوان نفسه للكاتب أنتوني برجس. الفلم يعرض مشاهد عنيفة جسديًا تسلط الضوء على الطب النفسي وجرائم المراهقين والعصابات. ترَّشح الفلم لأربع جوائز أوسكار، وصنفه معهد السينما الأمريكي في المرتبة 46 ضمن قائمة أعظم 100 فلم بريطاني على مر العصور.

«ليون» (Léon) 1994

أحد أفضل أفلام الحركة والدراما والجريمة، يروي حكاية إنسانية عن طفلة تعيش في نيويورك مع عائلتها، وتجبرها الظروف على العيش مع قاتل محترف مسؤول عن حمايتها. يحتل الفلم المرتبة 30 ضمن قائمة الأفلام الأعلى تقييمًا على موقع «IMDB» وشهد أول ظهور سينمائي للممثلة ناتالي بورتمان.

«لا وطَن للمسنّين» (No Country for Old Men) 2007

فلم مقتبس من رواية للكاتب كورماك مكارثي تحمل العنوان نفسه، كتبه وأخرجه الأخوان كوين، ومن بطولة تومي لي جونز وجوش برولين وخافيير بارديم. تدور أحداث الفلم عام 1980 في تكساس، عن صياد يعيش حياة هادئة مع زوجته. ولكن تبدأ المفاجأة عند ذهابه إلى الصحراء في رحلة صيد. الفلم فاز بأربع جوائز أوسكار.

«دماء في الأفق» (There Will Be Blood) 2007

فلم يروي قصة حكاية الأيام الأولى للتنقيب عن النفط في مطلع القرن العشرين من خلال «دانيال بلاينفيو»، رجل أعمال ينتهز الفرصة الكبرى التي ستغير مجرى حياته. الفلم من بطولة دانيال دي لويس الذي نال جائزة أوسكار لأفضل ممثل عن هذا الدور.

«أوغاد مجهولون» (Inglourious Basterds) 2009

فلم للمخرج كونتين تارانتينو، يروي حكاية الحرب العالمية الثانية برؤية مختلفة عن الرواية الحقيقية مع نهايات مختلفة للحرب. الفلم من بطولة براد بيت وكريستوف والتز وميلاني لوران. كان الفلم بمثابة ميلاد جديد للمبدع كريستوف والتز؛ إذ نال عن هذا الدور جائزة أفضل ممثل في مهرجان «كان» السينمائي وجائزتي «قولدن قلوب» وأوسكار لأفضل ممثل مساعد.


يعرض الآن

  • يعرض الآن على منصة ديزني مسلسل مارفل الجديد «سيكريت إنفاجين» «Secret Invasion»، مسلسل مغامرات خيالي من بطولة صامويل جاكسون ومارتن فريمان.

  •  يعرض الآن في صالات السينما السعودية الفلم المصري «19 ب» للمخرج المصري أحمد عبدالله السيد. الفلم عن حارس عقار يعيش حياة روتينية في فيلا قديمة منذ ستينيات القرن الماضي، لتصبح الفيلا عالمه الخاص، من بطولة سيد رجب وناهد السباعي.

  • يعرض هذا الأسبوع على منصة تفليكس الفلم السعودي «راس براس». وتدور قصته حول عالم «بذيخة» الخيالي الذي يحوي العديد من القصص والمغامرات المضحكة. الفلم من بطولة عبدالعزيز الشهري وزياد العمري وعادل رضوان، ومن كتابة عبدالعزيز المزيني وإخراج مالك نجر، في أولى تجارب الثنائي المزيني ونجر بعيدًا عن عالم «الأنيميشن» والرسوم المتحركة.

السينماالمخرج
النشرة السينمائيةالنشرة السينمائيةمقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.