لماذا تشتم الآخرين نيابةً عن المشهور؟

تذكَّر أنك ذاتٌ مستقلة، لا تحتاج إلى مشهور يكون امتدادًا لك، ولست في حاجة إلى أن تكون مجرد مرآة يتأمل فيها النرجسيّ انعكاس قيمته.

انتشر منذ شهرين فيديو تطلب فيه أحد مشاهير التواصل الاجتماعي كنزي مدبولي صراحةً من متابعيها الهجوم على إياد الموجي. بدأت «الهوشة» عندما تنمَّر إياد على محتوى كنزي، فما كان منها إلا أن ردَّت على هجومه بطلبها من متابعيها (شتمه وتهزيئه). وفي رد فعل، نشر زياد بعض التعليقات المتنمرة عليه مثل: «أنت واحد مريض وفاشل»، «اعمل فيديو تنتقص فيه من الناس اللي بتعمل فيديوهات زيك». حتى محمد هنيدي انحاز إلى صف كنزي وطالب بحملة «تبليك» زياد الموجي.

يماثل هذا الموقف حالات كثيرة مشابهة في عالم منصات التواصل الاجتماعي حيث تتحول قاعدة المعجبين إلى سلاح هجومي، لربما أشهرها قاعدة معجبي فرقة «بي تي إس» (BTS) الكورية التي اختارت لنفسها اسم (BTS Army). 

فرغم الأثر الإيجابي لحماس هذه القاعدة المتفانية في الترويج للأغاني ودعم الفرقة، إلا أنها لا تتوانى عن التعامل بسُميَّة تامة مع أي شخص يبدي رأيًا مخالفًا في الفرقة وأغانيها. وتتنوع سبل التنمُّر الإلكتروني بين سيل الرسائل والتعليقات المسيئة على حساب الشخص في مواقع التواصل الاجتماعي وبريده الإلكتروني، إلى الاتصال بمدير الشخص في العمل ومطالبته بفصله. 

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا، لماذا يشعر المؤثر أو المشهور أنَّ من حقه تأليب متابعيه على شخص آخر والخوض في معركة كلاميَّة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وما التفسير وراء اندفاع المتابعين نحو تلبية نداء الهجوم بالشتائم على شخص غريب، سواء جاء النداء من المشهور نفسه أو من قاعدة المعجبين؟ 

يقول الدكتور آرون بالِك مؤلف كتاب «الديناميكيات النفسية للتواصل في الشبكات الاجتماعية» (The Psychodynamics of Social Networking) إنَّ مواقع التواصل الاجتماعي قد تساعد على إيقاظ النرجسية في المؤثر إن كانت لديه بالفعل نزعة نرجسية كامنة وحاجة غير مشبعة للانتباه، فتعزِّز بذلك ذاتًا داخلية في نفسه تبحث في الآخرين عن انعكاسها، والآخرون هنا هم الجمهور من المتابعين.

والنزعة إلى النرجسية طبيعية فينا جميعًا كبشر، تتفاوت بتفاوت التنشئة التي تلقيناها في طفولتنا. لهذا، في رأي بالك، مواقع التواصل الاجتماعي لا تسبب النرجسية لكنها قد تزيد من حدة النزعة أو تجعلها أكثر وضوحًا لدى شخص كونها تعوِّض مثلًا اعتراف الأبوين المنقوص بالمؤثر وبقدراته منذ طفولته. فنحن في مواقع التواصل الاجتماعي واعون تمامًا أننا محط أنظار الآخرين فنميل للتصرف على هذا الأساس.

أما من منظور المتابعين، فهذا الاندفاع الحماسي للدفاع المستميت يبدأ بمجرد ارتباط هوية المتابع بصفته معجبًا بهذا المؤثر أو ذاك المشهور، فينظر إليه على أنه امتدادٌ لذاته، وأنَّ عليه حمايته والدفاع عنه نظرًا لارتباطهما العاطفي الشديد. هذا الشعور الفردي متى امتدَّ واتَّسع ليشمل مجموعات كبرى  تتَّحد على حب المشهور، تضاعفت حدَّة الهجوم وسهولة الانجراف فيه. 

ربما يساعدك هذا التفسير الأوليّ للديناميكية النفسية بين المؤثر وقاعدة معجبيه ومتابعيه على التريُّث قليلًا قبل كيل الشتائم على شخص آخر لم يتعرَّض إليك شخصيًّا، فتعرِّض نفسك من حيث لا تدري إلى مساءلة قانونية محتملة (والعاقبة الأسوأ أن تعتاد بذاءة اللسان). تذكَّر أنك ذاتٌ مستقلة، لا تحتاج إلى مشهور يكون امتدادًا لك، ولست في حاجة إلى أن تكون مجرد مرآة يتأمل فيها النرجسيّ انعكاس قيمته. 

الإنترنتالمجتمعوسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.