دماغ واحد لا يكفيك

قد يتخيل البعض أن المبدع يجب أن يكون فوضويًا حتى يتحرك إبداعه. نعم، لا يجب أن يمشي كل شيء على النظام، ولكن لا فائدة ترجى من الفوضى العارمة.

في نشرة أها! من ثمانية

أتذكر بكل وضوح، وكأنها البارحة، تلك الليلة التي تراكمت عليَّ فيها المهمات إلى درجة ما عُدت أستطيع فيها التركيز في أي شيء. فتركتُ كل شيء ثم خرجت للمشي مع الاستماع إلى موسيقا هادئة في محاولة يائسة لتصفية ذهني من الأشياء المتداخلة.

لم تكن هذه المشكلة بهذا الحضور في السابق، لكن اليوم فكلِّ واحد منّا يعالج ما يساوي 34 قيقا بايت من المعلومات بلغة الكمبيوتر أو ما يعادل قراءة 174 جريدة يوميًا. تخيّل أن تقرأ 174 جريدة يوميًا «وجه وقفا»!

لا تحتاج إلى أن تتخيل، فهذا ما يحدث لك بالضبط.

يعرّضنا هذا للتشتت أكثر وعدم التركيز فيما هو مهم في حياتنا. وهي مشكلة أعاني منها شخصيًا؛ لذا أصبحت أبحث عما أستطيع به أن أصدِّر بعضًا من هذا العبء من عقلي إلى مكانٍ آخر أأتمنه عليه. وهو ما يقترحه خبير الإنتاجية تياقو فورتيه صاحب كتاب «بناء عقل ثان» في مقابلته هنا. الفيديو جدير بالمشاهدة كاملًا، ولكني سألخِّص هنا ما يهمنا في تدوين أفكارنا، لنقلل من كمية الأشياء المعلقة في الدماغ.

يذكر تياقو أننا يجب أن ندوّن أفكارنا بوسيلة إلكترونية. وأنا أقول: على رغم الفوائد العظيمة للتدوين إلكترونيًا، كالبحث والاسترجاع السريع وسهولة الاستخدام، إلا أن ذلك قد لا يناسب بعضنا. فيمكنك أن تتبع نظامًا فعالًا بقلمك ودفترك. فالعِبرة في أي نظام أن تلتزمه وتستمر عليه. فلا فائدة من ابتكار نظام بديع على الجوال ثم لا تستخدمه.

كما أنه اقترح أن أي إنتاج إبداعي يجب أن يتبع ما أسماه نظام «كود» (CODE) الذي يختصر (Capture, Organize, Distil, Express) أي بالترتيب: «الالتقاط والتنظيم والتمحيص والتعبير». هذه هي المراحل التي يجب أن تمر فيها المعلومات من خلال أدمغتنا ثم نسجلها في نظام التدوين الذي نرتضيه. حيث إننا نلتقط كل المعلومات ثم نستخلص ما يهمنا منها، ثم نضعها في تنظيم وهيكلة معيّنة، وأخيرًا نعبِّر عن هذه الأفكار بأي عمل إبداعي.

ماذا يجب أن نلتقط من معلومات لدى التدوين؟

  • ما هو مُلهِم: إذا كنت تستطيع البحث عن سؤال معين على قوقل فلا أهمية لتدوينه، كمعرفة عدد سكان دولة معينة. ما يجب تدوينه هنا هو المشاعر؛ إذ إنك لا تستطيع البحث عن مشاعرك في قوقل. قد تمر على صورٍ أو قصائد أو قصص تُلهمك وتحرّك فيك مشاعر معيّنة. ستريد الاحتفاظ بهذه المشاعر في عقلك الثاني حتمًا.

  • ما هو مُمِل: في خلال عملك أو حياتك ستمر بكم هائل من البيانات التي لا تحتاج حفظها في عقلك، كقائمة مزايا مُنتج معيَّن أو جدول بيانات على «إكسل» أو معلومات تأمين السيارة وغيرها. هذه البيانات جديرة بالذهاب إلى عقلك الآخر إذا علمت أنك ستحتاجها في المستقبل.

  • ما هو شخصي: ليست لديك أي مزية تنافسية لمعرفة أي محتوى يمكنك العثور عليه في قوقل، لأنه متاح للكل. ولكن ما تود تدوينه هو ما مررت به من تجارب في حياتك وما تعلمته من دروس وما شكّلته من حكمة وخبرة من هذه التجارب.

  • ما هو مُفاجِئ: إذا كنت تقرأ شيئًا معينًا ولم يفاجئك فهذا يعني أنك تعرف هذا الشيء مسبقًا، ولو على مستوى اللاوعي. فليس كل ما تقرؤه أو تسمعه مُهم. وإنما يجب أن تسجل الأشياء التي تفاجئك وتثير اهتمامك.

أتَّبع شخصيًا نظامًا خاصًا عملت عليه على تطبيق «نوشن» الذي أشار إليه أنس الرتوعي. وعلى رغم كثرة المشاريع التي يجب أن أعمل عليها في وقت واحد فإنني استطعت أن أوفِّق بينها كلها باتباع هذا النظام على التطبيق الذي أستخدمه بالجوال والآيباد واللابتوب. 

وجدير بالذكر أنني لا أتبع النظام بحذافيره، وإنما أعدل فيه بما يناسبني شخصيًا ويجعل التدوين أسهل وأسرع. كما أنني أُسجّل التواريخ المهمة، كتاريخ انتهاء الجواز ورخصة السياقة وغيرهما، وإضافة تنبيه مُسبق على هذه التواريخ حتى لا يفوتني تجديد ما أحتاج تجديده. حتى على المستوى الفنّي ساعدني هذا النظام على الرجوع إلى كل ما ألهمني في السابق في مشاريع التصوير. 

قد يتخيل البعض أنَّ الفنان والمبدع يجب أن يكون فوضويًا وعفويًا بشكل كامل حتى يتحرّك إبداعه. وهذا ما لا أتفق معه. نعم، لا يجب أن يمشي كل شيء بالمسطرة على النظام، ولكن لا فائدة تُرجى من الفوضى العارمة. وأقول في النهاية: لا إفراط ولا تفريط، ويقينًا أنت بحاجة إلى دماغٍ ثانٍ.

الإنتاجيةالإنسانالتطبيقاتالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.