عالج الإيجابية السامَّة بالتفاؤل المأساوي

قمع المشاعر السلبية وكبتها من باب التحلي بالإيجابية يجعلك تفكّر أكثر بتلك المشاعر ويُضعِف قوة تحملك لها.

في لقاء جمعني بصديقاتي لقضاء وقت ممتع ومرح، فجأة انفجرت صديقة في البكاء وسط ذهولنا وهي تعترف بحجم الضغط الذي تشعر به بعد زواجها. كانت المرة الأولى التي نراها بها هكذا، فهي تتصرف دومًا بمنتهى الإيجابية. ولأنها مدركة لهذه الصورة لدينا عنها، خشت الإفصاح عن مشاعرها السلبية لنا، بل خشت حتى التحدث بها بينها وبين نفسها. 

يومها أدركت أنني، مثل صديقتي، قد لا أُدير مشاعري في الفترات الصعبة على النحو الصحيح كما أتخيَّل. وأنني في الواقع أمارس «الإيجابية السَّامة» (toxic positivity) كلما أجبرت نفسي على التفاؤل والإيجابية أمام حدث يستدعي الحزن وكأنَّه لم يحدث. وأدركت أننا نعيش اليوم تحت ضغط تصنيف إظهار المشاعر السلبية على أنها وصمة هشاشة، وليست ردة فعل بشرية عادية تجاه المواقف السيئة.

فإن كنت مثلي تتصفح تويتر وإنستقرام وتك توك في الصباح، فأول ما يصادفك مقولات الإيجابيين المتفائلة التي قد تمنح بعضنا الإلهام، لكن قد تدفع بعضنا نحو المزيد من كتمان مشاعر سلبية عابرة. فتغذي هذه الجرعة من «الإيجابية» صراعنا الداخلي مع أنفسنا، وبدل محاولة معرفة أسباب مشاعرنا السلبية والتعامل معها، نستغرق في مشاعر العار والتأنيب الداخلي عندما نجد أننا لا تستطيع التفاؤل وسط هؤلاء المتفائلين؛ فكل شيء يبدو لنا كأنه يتداعى. 

يزداد الأمر سوءًا إذا كنت محاطًا بعلاقات شخصية لا يستطيع أفرادها فهم حزنك؛ فتكون محاولة تعبيرك عن الألم بالنسبة إليهم دلع وعدم رضا. هنا تأتي مواساتهم لك ممزوجة بعبارات مثل «احمد ربك، ارضَ» و«شوف غيرك كيف عايش»، مما يعزز شعورك بالذنب تجاه ألمك. فيكون كتمانك هو السبيل الوحيد للنجاة من أحكامهم، أو حتى اقتناعًا بكلامهم أنَّ إحساسك بالألم غير مبرَّر.

تشير إحدى التجارب في دراسات العلم السلوكي حول «تأثير كبت الإحساس بالألم على قدرة المرء التعامل معه» إلى أن قمع المشاعر السلبية وكبتها من باب التحلي بالإيجابية يجعلك تفكّر أكثر بتلك المشاعر ويُضعِف قوة تحملك لها. في حين قبولك المشاعر السلبية وتعبيرك عنها يقلل من معدل تفكيرك بها، مما يخفف من ضغطها عليك ويخفف شعورك بالانزعاج والحزن.

تأخذنا هذه النتيجة إلى البديل الصحي الذي يُروَّج له بصفته مقابلًا للإيجابية السامة: «التفاؤل المأساوي» (tragic optimism). هذا المصطلح أطلقه عالم النفس الناجي من «الهولوكوست» فكتور فرانكل (بعد فقد أمه وأبيه وأخيه الأصغر) في كتابه «الإنسان والبحث عن المعنى» (Man’s Search of Meaning). 

يصف فرانكل بهذا المصطلح شعور الإنسان بالأمل حتى في أحلك الأوقات، وبوجود قيمة كبرى للحياة مع اعترافه التام وإحساسه الكامل والحقيقي بالمأساة والألم. أنَّ التجربة السيئة وجودها ضرورة كما التجربة الجيدة حتى ننضج كبشر وتتناغم تجربتك الفريدة في هذه الحياة، ولن يصح هذا النضج في إنكار مشاعرنا السلبية أمام أنفسنا أو غيرنا. 

وأتصوَّر الآن صديقتي وهي تبكي، أنَّها لم تكن تذرف الدموع فحسب، بل السُّم الذي راكمناه فيها بـ«إيجابيتنا». 

الإنسانالعلاقات الإنسانيةالمشاعرالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.