لماذا نسينا كورونا بهذه السرعة؟

بين إصابتي المتأخرة بكورونا وعدم نيلي التعاطف المتوقع، وبين مرور خبر منظمة الصحة العالمية دون اهتمام، تنبَّهت أننا نسينا كورونا بسرعة!

لا تزال محفورة في ذاكرتي منذ كنتُ طفلًا بداية المسلسل الكرتوني «عدنان ولينا»، حيث يصف لنا مؤلف العمل -بصوت جد عدنان- صور الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثالثة، وكيف كانت الأرض قبلها. وارتبطت في ذهني بذكريات استماعي في مطلع التسعينيات إلى تفاصيل أحداث حرب الخليج الثانية من والدي ووالدتي، حيث انقسم الزمن أيضًا إلى «ما قبل الغزو» و«ما بعد الغزو». 

ولا أدري، لماذا حين كبرت، تشكَّلت لديَّ حالة من الخوف غير المبرر بأنَّي لن أمرَّ في حياتي بتجربة تقلب العالم الذي نعيش فيه، وتقسم الزمن إلى «ما قبل» و«ما بعد»، وأنَّي سأصبح جدًّا عجوزًا بلا قصص أحكيها لأحفادي بصفتي شاهدًا على التاريخ.

ثم عصفت بنا جائحة كورونا في مطلع 2020!

حماني الله من الإصابة بالفيروس منذ بداية الجائحة، ولم أصب به إلا قبل أسابيع قليلة مما جعلني أضحوكة بين أصدقائي. فأنا أصبت به بعد زوال الخطر، وكأنَّما منظمة الصحة العالمية كانت تنتظرني لكي أخوض التجربة كاملة لتعلن بعدها أننا نحن البشر قد تجاوزنا ما حدث، ولم تعد كورونا خطرًا على البشرية

بين إصابتي المتأخرة جدًا بكورونا وعدم نيلي التعاطف المتوقَّع، وبين مرور خبر منظمة الصحة العالمية دون احتفاء أو حتى أدنى اهتمام، تنبَّهت أننا في الواقع نسينا كورونا بمنتهى السرعة!

 كيف نسينا كل هذه الأحداث والتفاصيل الكثيرة التي كنا نتابعها ساعة بساعة ويومًا بيوم؟ بداية انتشار أخبار المرض، ذعرنا من التلامس والاقتراب، هوس تعقيم كل شيء، منع السفر وإغلاق الحدود، منع التجمعات والاحتفالات، حظر التجول، حالات الوفاة، عجزنا عن زيارة أقاربنا في رمضان والعيد، المؤتمر الصحفي اليومي لوزارة الصحة، تطبيق توكلنا، الخروج من المنزل بتصريح من أجل شراء الطعام والشراب، التعليم أونلاين والعمل من المنزل. 

لستُ الوحيد من يتساءل عن هذا النسيان. في مقال قرأته في واشنطن بوست في أثناء مرضي «لماذا بدأنا نفقد ذكرياتنا مع الجائحة» (Why We’re Already Losing Our Pandemic Memories)، تقول أستاذة علم النفس سوبارنا راجارام أنَّ السبب الأساسي يكمن في كثرة تفاصيل كورونا. «نسيان مرور الجائحة على حياتنا ظاهرة أساسية معروفة في وظيفة الذاكرة. فرغم أنَّ كورونا صاحبتها أحداث يومية بارزة مهددة للحياة وذات ثقل عاطفي علينا، إلا أنَّ كثرتها على مدار الساعة صعَّب على الذاكرة أداء وظيفتها في التقاطها وتحليلها وتخزينها.» 

كذلك، فإنَّ سيطرة كورونا على تفاصيل يومنا حينذاك وقلقنا منها، أدى إلى حبسنا في حالة من التوتر طويل الأمد، والتوتر يؤثر سلبًا على عملية الذاكرة.

حبسنا في المنزل لعب دورًا أيضًا. إذ كما تشير أستاذة علم النفس دورث بيرنستن، أدَّى قضاؤنا ما يناهز عامًا وأكثر حبيسي البيت دون خوضنا تنوُّع الحياة خارجًا إلى تشابه الأيام علينا، ما يجعل الذاكرة تتعامل معها على أنها أقرب إلى «كتلة» واحدة. لهذا نتذكَّر أننا قضينا وقتًا طويلًا في بيوتنا، لكن الكثير منَّا سيجد صعوبة في تذكُّر تفاصيل تلك الأيام والتمييز بينها. 

وهل تتذكَّر حين كنَّا في عمق جائحة كورونا؟ ظننا أنَّ الحياة لن تعود إلى ما كانت عليه قبلًا، كنَّا نتكلم حينذاك عن «ما قبل كورونا» و«ما بعد كورونا» وظننا أن «ما بعد كورونا» باقٍ معنا. لكن ما حدث، أنَّ كل شيء عاد تقريبًا كما كان عليه قبل كورونا، التغييرات اقتصرت فقط على اعتمادنا الدفع الإلكتروني وتطبيقات المعاملات الحكومية والتجارة الإلكترونية وتطبيقات التوصيل. لكن هذه التغييرات الباقية مجرد تسهيلات لحياتنا اليومية سرعان ما اعتدناها. 

وهذا ما تفتقر إليه قصتي عن «كورونا» حين سأسردها على أحفادي، أنَّ لا شيء تقريبًا تغيَّر. هذا طبعًا على افتراض أنَّي سأظل أتذكر كورونا! 

الإنسانالجائحةالصحةكوروناالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.