العاديون .. الوباء الدائم!

حين تغادر الحياة أيها العادي فلن تكون مسكونًا حينها بمن رافقك في الرحلة. وسواء كانت الرحلة جماعية أم ذهبتَ وحيدًا، فلكل إنسان قيامته الخاصة!

يقول رئيس منظمة الصحة العالمية في آخر تجلياته: استعدوا للوباء القادم. ولم يحدد ما هذا الوباء ولا كيف سيقع، لكنه بدا واثقًا من أن الأمر سيحدث، ثم استطرد وقال ما معناه إنه لا يمكن تفادي هذا الخطر ما لم توقع دول العالم على اتفاقية يُخصَّص من خلالها 5% من ميزانية الصحة لكل دولة لمصلحة المنظمة. 

هذا يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن الوباء القادم هو منظمة الصحة العالمية شخصيًا. والحقيقة أيها الناس أني لا أثق بأي منظمة دولية، قبل تصريح رئيس منظمة الصحة وبعده؛ لأنها جميعها موجهة وغير مستقلة وركوبها والتحكم فيها أسهل بكثير من التحكم في دراجة هوائية على طريق منبسط. لكني مثلكم جميعًا، أو ككثير منكم، لا أميل إلى العبارات الصريحة الواضحة في الابتزاز، ولو تعرضت للخداع فإني أريد ذلك بطريقة تبدو مقنعة ومحكمة حتى أسوّغ لنفسي لاحقًا وأقنعها بأن طيبتي هي التي دفعت الآخرين إلى خداعي. أما الذي يبتزني مباشرة بوضوح ولا مشكلة لديه في أن أعرف وأتيقن أن هدفه هو خداعي فإنه يقتل لدي لذة التسويغ. وحين أتذكر خداعه لا يمكنني العثور على سبب غير غبائي وسذاجتي. وهي أمور يصعب علينا الاعتراف بوجودها ولو كانت أبرز صفاتنا. 

من مشكلات هذا العصر أن خللًا حدث في مفهوم الزمن، إلى درجة أن الماضي السحيق البعيد لدى كثير من البشر هذه الأيام قد يكون قبل عام أو عامين. ولذلك تجد مثلًا أن الحديث عن الوباء القديم «كورونا» يبدو كأنه عن جائحة وقعت في القرون الوسطى. وليس عن أمر حدث قبل ثلاثة أعوام، مع أن الطفل الذي ولد في الجائحة لم يتعلم كيف ينطق الكلمات بطريقة صحيحة حتى الآن. وكثير من الأشياء التي اقتنيناها في أيام الجائحة لم تنته صلاحية استخدامها بعد. لكننا نتحدث عن الأمر كأنه من ذكريات الطفولة البائسة التي لا نتذكرها إلا لمامًا. 

يبدو أن منظمة الصحة العالمية هي التي لم تتأثر ذاكرتها ولم تنس أنها من أكثر المستفيدين من الوباء القديم؛ ولذلك لا تجد حرجًا في التسويق الآن لوباء مقبل. ونحن وإن اختلفنا مع توجهات المنظمة أو أسلوبها في التعامل مع الجوائح القديمة أو في التبشير بجوائح قادمة فإن هذا لا يعني أن نبخسها حقها في الإشادة بقدرتها على التسويق والبحث عن مصادر جديدة. وكون منتجها الذي تروج له الآن هو مرض قد يقضي على ملايين البشر ليس مشكلتها بالطبع.

Giphy 76
الازدحام البشري / Giphy

من باب الإنصاف نقول إن مخاوف المنظمات الدولية المتعلقة بزيادة عدد سكان الأرض في مكانها، البشر يتزايدون بوتيرة غير مسبوقة؛ وهذا يجعل منظمات العالم المتقدم وحكوماته أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول هو الوصول إلى طريقة تمكن كل سكان الكوكب من الاستفادة من الموارد الطبيعية بعدالة. ومشكلة هذه الطريقة أنها مثالية أكثر مما ينبغي، ولا يمكن تطبيقها في الواقع. أما الطريقة الأخرى فهي تقليل عدد سكان الأرض إلى أدنى عدد ممكن. وهذه طريقة سهلة التنفيذ ولها آليات يمكن أن تثمر نتائج على المدى الطويل، مثل الترويج للشذوذ الجنسي وسحق مفاهيم الأسرة والعائلة؛ وهذا يؤدي إلى انقراض الكائنات البشرية على المدى البعيد. أما الطرائق الفعالة في المديين المتوسط والقريب فهي التي تعتمد على الأوبئة والأمراض الفتاكة ونشر الصراعات والحروب بين البشر حتى يفني بعضهم بعضًا. 

الشذوذ والانحلال يمكن الترويج له بسهولة وتبنيه من المنظمات الدولية والدول القوية، والأمر لا يحتاج سوى مزيج من الوقاحة والدياثة وسعة الوجه وانعدام المرجعية الأخلاقية، وهذه أمور متوافرة والعرض فيها أكثر من الطلب. 

أما القتل المباشر فلا يزال من الصعب التصريح به والدعوة إليه علنًا. يصعب أن تدعو الأمم المتحدة إلى أن يفتك الناس ببعضهم وأن يقتل الإنسان الإنسان حيث ثقفه وإن كانت السياسات التي تتبعها تلك المنظمات تؤدي إلى هذا الغرض في نهاية المطاف. 

وربما يزول الحرج حين تخفق الطريقة الناعمة غير المباشرة، ويُشرع في الدعوة العلنية إلى الطريقة الخشنة المباشرة، ويقدم صندوق النقد الدولي قروضًا ميسرة للبشر تساعدهم على الاقتتال وإفناء العدد الزائد من سكان الكوكب.

الجميل في حفلة القبح هذه الذي يبعث على الطمأنينة في قلوبنا نحن البشر العاديين الذين نشكل أزمة للبشر غير العاديين أننا نعلم أن الأرض قادرة على الدفاع عن نفسها بالطريقة التي تختارها، وكما تخلصت من الديناصورات وغيرها من الكائنات الزائدة على حاجتها فإنها تستطيع أن تفعل ذلك وحدها دون إسهام من منظمة الصحة أو غيرها من المنظمات. ولذلك لا تقلقوا معاشر العاديين، كلنا سنغادر يومًا ما، وحين تغادر الحياة أيها العادي فلن تكون مسكونًا حينها بمن رافقك في الرحلة. وسواء عليك أكانت الرحلة جماعية أم ذهبتَ وحيدًا، فلكل إنسان قيامته الخاصة!

الإنسانالصحةكوروناالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!