أين يذهب ما نقرؤه وننساه

إن ما ننساه لا يذهب هباءً، ولكنه جزء من نسيج حياتنا، كامن في سلوكنا. يظهر في مفردات جديدة، وفي تحليل نقديّ لم نخطّط للحصول عليه.

امرأة تختار كتابًا من أحد الأرفف في مكتبة قطر الوطنية / Getty Images
امرأة تختار كتابًا من أحد الأرفف في مكتبة قطر الوطنية / Getty Images

أين يذهب ما نقرؤه وننساه

نوال القصيّر

لا أذكر عدد المرات التي حاكمت فيها نفسي عندما أدرك أني أنسى ما أقرؤه: هل أحب القراءة حقًّا؟ هل يوجد خلل في ذاكرتي للدرجة التي يتسرب منها جُلّ ما أقرأ؟ ويتجدّد هذا السؤال مع كل نقاش أخوضه مع الأصدقاء والزملاء، وأجد أني غير قادرة على استرجاع ما قرأته في هذه الكتب التي تملأ مكتبتي. 

أسأل نفسي: ما نفع كل هذه الصفحات إذا كنت أنسى ما كتب فيها، ولا أستطيع استرجاع خلاصتها؟ ما فائدة أن أقرأ في موضوع يهمّني، وحين حاجتي للاستشهاد بوجهة نظر من كتاب ما أجدني عاجزة عن التذكر، وكأن كل ما قرأته من الجمل والكلمات حبات غبار نثرتها الرياح. 

هل نحن فعلًا ننسى ما نقرأ أم أن هذا الأمر من صميم عمل الذاكرة؟ أين يذهب ما نقرؤه وننساه؟ لطالما شغلتني هذه الأسئلة واعتقدت أني بالبحث عن أجوبتها سأتغلب تماماً على نسيان ما أقرؤه، ولكني أدركت ما ينطوي عليه هذا الأمر أكثر من قبل. 

منحنى النسيان / هيرمان إبنقهاوس
منحنى النسيان / هيرمان إبنقهاوس

مثّل عالم النفس الألماني هيرمان إبنقهاوس (Hermann Ebbinghaus) عملية النسيان في منحنى رسومي سمّاه منحنى النسيان في كتابه «الذاكرة: إسهام في علم النفس التجريبي» (Memory: A Contribution to Experimental Psychology) يوضح المنحنى الأسي مدى السرعة التي نميل بها إلى نسيان المعلومات التي تعّمناها إذا لم نبذُل جهدًا لتذكرها. 

وجد إبنقهاوس أن منحنى النسيان يكون أكثر حدة خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى بعد تعلّم شيء ما أو قراءته. وبعد يوم أو يومين، عادة ما ننسى نحو 75% مما تعلمناه. إن نسيان ما قرأناه لا يعني بالضرورة أن المعلومات لم تكن مفيدة، أو أن ذاكرتنا سيئة، ولكن أدمغتنا ببساطة لم تُصمَّم لتذكر كل ما نقرؤه ونتعلمه، وإلا لكنا جميعنا عباقرة وموسوعات. وإذا كان هذا المعدّل في القرن التاسع عشر قبل ثورة تدفق المعلومات وتركيز السمكة الحمراء وتخمة المحتوى المقروء والمسموع فكيف سيكون الآن؟ 

إن للذاكرة العاملة سعة محدودة، وإذا تجاوزنا هذه السعة فإن الدماغ يحاول تفريغ بعض هذا الفائض إلى خارجها. وإذا توقعنا أن تكون المعلومات دائمًا في متناول أيدينا (أي أن تكون مكتوبة أو موجودة في محركات البحث)، فإن أدمغتنا لن تعمل على تخزين المعلومات في أذهاننا بعناية شديدة. يقول جاريد هورفاث عالم الأعصاب التربوي: إن الطريقة التي يستهلك بها الناس الآن المعلومات غيّرت نوع الذاكرة. ففي عصر الإنترنت، أصبحت ذاكرة الاسترجاع،القدرة على استدعاء المعلومات تلقائيًا، غير حتمية. فما دمتَ تعرف مكان هذه المعلومات وكيفية الوصول إليها ، فلن تحتاج حقًا إلى تذكّرها. أصبح الإنترنت يعمل كنوع من الذاكرة الخارجية. فما الحاجة إلى تذكر اقتباس من كتاب إذا كان بإمكانك البحث عنه فقط؟

النسيان كجزء من ماهية القراءة

يتحدث خالد بلقاسم في كتابه: «ظلال القراءة واختطاف المعنى» عن نسيان المقروء قائلًا:

إن النسيان في القراءة ليس فجوةً أو نقصًا في إنجازها، بل هو محدِّد من محدّداتها. إنه ملازم لها، إذ لا يمكنها أن تتحقق إلا باحتفاظ النسيان دوماً على حصته فيها. إن حصة النسيان مصونة في كل قراءة.

إن نسيان ما نقرأ هو شكل جديد لمعالجة النص، وانتقاله من نص مكتوب إلى جمل ومفاهيم تتطاير في الذاكرة العاملة باحثة عن خلية تستقبلها لوقت قصير أو للأبد. من أجل ذلك كان النسيان مكوّنًا أساسيًّا ومحدّدًا لعملية القراءة. 

لقد تخفّفتُ من عبء التذكّر وجلد ذاتي على نسيان ما أقرؤه، وأدركت أن كل ما نقرؤه لا يذهب عبثاً. إن مجرد التعرف إلى الكلمات والمفاهيم في ما نقرأ من شأنه أن ينشّط شبكات كاملة من مجموعات عصبية محددة في القشرة البصرية، التي بدورها تتفاعل مع شبكات كاملة أخرى من الإدراك، فينشط الدماغ القارئ بكامله.

إن معرفة الجانب الفسيولوجي وآراء الكُتّاب مريحان لتقبّل هذا النسيان ومشاهدته من جانب آخر، جانب ليس معيبًا، بل هو طبيعيّ ووارد جداً، خصوصا لشخص مثلي يقرأ لمجرد القراءة. لقد فهمت بعد كل هذا البحث والتقصي أنه قد يكون علينا أن نعيد توجيه نهم القراءة في كتب جديدة إلى إعادة قراءة الكتب التي تهمّنا حقًّا إذا رغبنا في تذكّر ما نقرأ؛ وهذا ما جعل رولان بارت يؤمن أن على القراءة أن تكون متعددة، وأن إعادة القراءة هي ما يحيي النص من جديد ويحمّله مسؤولية التصدي للنزعة الاستهلاكية في القراءة. لقد وجدتُ أن التدوين والتحدث عن الكتب باستمرار والتقاط ما يعجبنا وتقييده أمور تُساعِد كثيراً على الاحتفاظ بها في الذاكرة الطويلة الأمد. 

يظل ما نقرؤه معنا، حتى لو لم نكن قادرين على تذكّره، إن الأفكار والمفاهيم ستبقى معك وستستمر في التأثير في طريقة تفكيرك ورؤيتك للأشياء. إن ما ننساه لا يذهب هباءً، ولكنه جزء من نسيج حياتنا، كامن في سلوكنا. يظهر في مفردات جديدة، وفي تحليل نقديّ لم نخطّط للحصول عليه. إنه موجود في حياتنا اليومية وفي أحاديثنا مع الأصدقاء وفي العمل وفي نظرتنا إلى الأمور. في تعقّلنا حين يكون الجنون أسهل، وفي تعاطفنا مع من حولنا حين يكون الحكم عليهم أقرب. إنه يظهر كمواساة وعزاء في عصيب أوقاتنا، وعلى شكل قصيدة تهنئة في سرور أيامنا. في التماهي مع المتعة الخالصة في استكشاف الكتب والغوص في الروايات والتعرض إلى عوالم وآراء جديدة لم نكن لنعرفها لولا فعل القراءة نفسه. إن المتعة التي نتحصّل عليها عندما نقرأ كفيلة بقلب العلاقة مع النسيان دون انتظار منفعة آنيّة أو شهادة مصدّقة لإنهاء كتاب واستذكاره .إن جوهر القراءة هو اكتشاف حكمتنا الخاصة عبر ما نقرأ، وليس بالضرورة حفظه. يقول الكاتب الأمريكي رالف إميرسون:

لا أستطيع تذكّر كل الكتب التي قرأتها، ولا الوجبات التي تناولتها، ومع ذلك فقد شكلّت ما أنا عليه اليوم.


  1. فاز الكاتب العماني زهران القاسمي بـ«الجائزة العالمية للرواية العربية» في دورتها السادسة عشرة عن روايته «تغريبة القافر»، وهي الرواية الرابعة في مسيرته، ووصفتها الجائزة بأنها «رواية محكمة البناء، ذات لغة شفافة وشاعرية وموضوع جديد في الكتابة الروائية الحديثة». وقد اختير العمل من أصل 124 رواية. وتبلغ قيمة الجائزة 50 ألف دولار أمريكي، إضافة إلى دعم معنوي يتمثل في ترجمة العمل الفائز إلى اللغتين الإنقليزية والفرنسية.

  2. أعلنت جامعة «كولومبيا» الأمريكية عن الفائزين بجائزة «بوليتزر» العريقة لعام 2023 في مختلف الفئات التي تمنح فيها. وقد مُنحت في الأدب للكاتب التشيلي- الأمريكي هرنان دياز عن روايته «ثقة» والكاتبة الأمريكية باربرا كينقسولفر عن روايتها «ديمون كوبرهيد». وهذه هي المرة الأولى منذ تأسيس الجائزة التي تمنح فيها مناصفة بين كاتبين.

  3. ستنشر دار «قاليمار» الفرنسية الأسبوع المقبل ضمن سلسلة «فوليو كلاسيك» كتاب «قصص الشباب» (Récits de jeunesse) لقوستاف فلوبير، وهي مجموعة من النصوص كتبها فلوبير بين الثامنة عشرة والرابعة والعشرين من عمره، وعُثر عليها مؤخرًا ضمن مخطوطات أخرى له. تضم هذه الطبعة أربعة نصوص أصلية ومصححة وهي: «ذكريات مجنون» و«رحلة في إيطاليا» و«نوفمبر» و«رحلة في بيريني وألكورس».

  4. ضمت قائمة مجلة «التايم» الشهيرة لأكثر 100 شخصية تأثيرًا في العالم أربعة روائيين هم كاتب الفانتازيا الأمريكي نيل قايمان والكاتب الهندي- البريطاني سلمان رشدي والكاتبتان الأمريكيتان كولين هووفر وجودي بلوم. كما اختيرت كاتبة المسرح سوزان لوري باركس وبائعة الكتب ترايسي د. هال ضمن القائمة أيضًا.


  1. الذاكرة: إسهام في علم النفس التجريبي، هيرمان إبنقهاوس
    نشر هيرمان إبنقهاوس كتابه «الذاكرة: إسهام في علم النفس التجريبي» (Memory: A Contribution to Experimental Psychology) في عام 1885 لوصف التجارب التي أجراها على نفسه لفهم عمليات التعلم والنسيان. وقدم إبنقهاوس عددًا من النتائج التي لا تزال فاعلة حتى يومنا هذا عبر أكثر اكتشافاته شهرة: «منحنى النسيان».

  2. ظلال القراءة واختطاف المعنى، خالد بلقاسم

    تأمّل خالد بلقاسم في ممارسة القراءة، وحيوية الفعل القرائي ومعناه وانتسابه إلى اللانهائي وكشفه الدائم عن غموض الأشياء. تجمع فصول الكتاب ما يمس ممارسة فعل القراءة من اللغة والترجمة وانقطاع القراءة والذاكرة وتذوق الأدب وارتباطه بالفلسفة.

  3. من الظل، خوان خوسيه مياس

    رواية أسبانية تحكي قصة رجل وجد نفسه داخل خزانة ملابس دون أن تلحظ العائلة ذلك، ومن خلال فجوات الخزانة يتلصص على حياة العائلة، وفي غيابهم يغير بعض تفاصيل المنزل للتأثير فيهم. ومن طريق القدرة على التحكم في مصائر العائلة من الظل يمرر مياس أفكاره الاجتماعية والسياسية ويجسدها في شخصياته المرئية وشخصيات الظل.

  4. لماذا ننام: اكتشف طاقة النوم والأحلام، ماثيو ووكر

    خلاصة بحث استمر أكثر من عشرين سنة لأحد أساتذة الطب النفسي في جامعة هارفارد سابقًا، يتحدث فيه عن النوم ولماذا يجب أن ننام 8 ساعات كل يوم، وماذا يحدث لأفكارنا وقراءاتنا التي تلقيناها خلال اليوم إذا نمنا، والتأثير السلبي لنقص النوم في استيعابنا. الكتاب مصوغ بلغة واضحة، واستشهد فيه المؤلف بالأمثلة من تجارب مختبرية كثيرة في هذا المجال.

الأفكارالإنسانالثقافةالقراءةالكتب
نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.