صندوق بريدك المزدحم دليل على بؤسك الوظيفي

يُعَدُّ الحق في قطع الاتصال البريدي إحدى أولويات بعض دول العالم لحماية الصحة الجسدية والعقلية ورفاهية العاملين وتحصينهم من المخاطر النفسية.

من أغرب الأشياء التي اغتبطتُ بها مؤخرًا عدم دخولي نادي الـ«مئة رسالة بريد إلكترونية غير مقروءة في اليوم الواحد»، والتي ينتمي إليها المدراء والتنفيذيون. وفقًا لمعايير أحد زملائي في العمل، فهذا يعني أني ما زلت أمتلك الوقت الكافي لأعيش حياة مُرضية وخالية من التعاسة الوظيفية التي يمليها العمل الإداري.

ثمة صحة في هذا الافتراض. فالبريد الإلكتروني لا يكفُّ عن الحاجة المستمرة إلى الاهتمام والطلبات، ومهما لبَّينا المهمات فلن تتوقف عن الظهور في قائمة أعمالنا، وإن رددنا على رسالة ستحلُّ محلها أخرى، وبمرور الوقت يقلُّ الإحساس بالإنجاز الفعَّال ويتفاقم البؤس الوظيفي. 

وتزداد المعضلة سوءًا عندما تلاحق الرسائل غير المقروءة الموظفين في غير أوقات العمل وفي الإجازات الرسمية، عندها يكون ذلك كفيلًا برفع مستويات القلق وتدمير الاسترخاء المحتمل لإجازة أي شخص. 

لذا يقترح بعض المهتمين بالصحة النفسية ورعاية الذات منع الرسائل من الوصول تمامًا، وهي الآلية التي اعتمدتها أريانا هافينقتون في شركتها. فإذا أرسل الموظف بريدًا إلكترونيًا إلى زميل في إجازة، سيتلقى المرسِل ردًّا تلقائيًا يفيد بأن الزميل بعيد وتُحذف الرسالة. ترى هافينقتون أن هذا الأسلوب هو الحلُّ الأمثل للتحرر من القلق المتزايد من وجود كومة متزايدة من رسائل البريد الإلكتروني في انتظار الموظف عند عودته.

توقُّع أصحاب العمل من الموظفين التحقق دائمًا من رسائل البريد الإلكتروني والرد عليها في كل وقت يجعل مرؤوسيهم بائسين. لذلك تؤكد دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا أن الانقطاع عن البريد الإلكتروني الخاص بالعمل يقلِّل بالفعل من التوتر، ويساعد الموظفين على التركيز بشكل أفضل. وتوصي الدراسة بالاعتماد على وسائل التواصل التقليدية مثل الزيارات المكتبية قدر الإمكان، وتجربة إجازات البريد الإلكتروني التي تتيح الانقطاع عن التواصل الرسمي.

اليوم، يُعَدُّ الحق في قطع الاتصال البريدي إحدى أولويات بعض دول العالم لحماية الصحة الجسدية والعقلية ورفاهية العاملين وتحصينهم من المخاطر النفسية. وقد أدخلت فرنسا الحق القانوني للموظف في عدم استخدام البريد الإلكتروني خارج ساعات العمل الرسمية ضمن قانون العمل الخاص بها، وفعّلته منذ 2017. 

ويسعى الاتحاد الأوربي إلى تمرير مقترح قانوني «حق الانقطاع عن التواصل» (Right to Disconnect) يضفي الطابع الرسمي على حق الموظف في الانسحاب من العمل والامتناع عن الاتصالات الإلكترونية المتعلقة بالعمل في غير ساعات العمل. وفي كندا، تطلب مقاطعة أونتاريو من أصحاب الأعمال أن تكون لديهم سياسة مكتوبة توضِّح أساليب التعامل مع الموظفين خارج ساعات العمل الرسمية.

أمَّا في منطقتنا العربية، فقد تكون المطالبة بمثل هذا النوع من التشريعات أمرًا غير عملي؛ لأنَّ ذلك يُفقد الموظف فرصًا وظيفية مهمة، لاسيما في بداية مشواره المهني. لكن من الضروري أن يعي أصحاب الأعمال قيمة الصحة النفسية ورعاية الذات، فالتسلط البريدي قادرٌ على أن يبقينا عبيدًا لهواتفنا وأجهزة الكمبيوتر، وفي حالة تأهب دائم لتسلُّم رسالة جديدة والتعامل معها بأسرع ما يمكن، ما لم نتدخَّل للتحكُّم في الأداة قبل أن تتحكم فينا.

البريدالصحة النفسيةالوظائفالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.