هل ينتهي مهرجان «كان» قريبًا؟

السؤال عن مستقبل المهرجانات السينمائية هو أحد الهموم التي تشغل الصناعة حاليًّا، بوضوح تعاظَمَ بعد جائحة «كورونا» وما أسفرت عنه من حلول.

فلم: «إنسايد لوين ديفيز» (Inside Llewyn Davis)
فلم: «إنسايد لوين ديفيز» (Inside Llewyn Davis)

أنا منهك، اعتقدت أنني أحتاج إلى نوم ليلة هانئة فقط، لكن الأمر أعقد من ذلك.


لقطة للمصوّرين الصحافيين في مهرجان «كان» السينمائي / Getty Images
لقطة للمصوّرين الصحافيين في مهرجان «كان» السينمائي / Getty Images

هل ينتهي مهرجان «كان» قريبًا؟

أحمد شوقي

روى لي ناقد من جيل الرواد طريقة عمله عندما بدأ تغطية مهرجان «كان» قبل عقود. كان الناقد الكبير يصل إلى المدينة الفرنسية قبل عدة أيام من المهرجان، يشتري ثلاث نسخ من المجلات المتاحة كافة، يرسل اثنتين منها بالبريد السريع إلى صحيفته ويُبقي الثالثة معه. ومع بدء المهرجان، يُملي مقالته اليومية هاتفيًا على موظف في الجريدة (تحوّل لاحقًا إلى إرسال المقالة عبر الفاكس عند ظهوره)، ثُم يحدد الصور المرافقة للمقالة من المجلات التي أرسلها، وهنا يكمن سر إرسال نسختين؛ تحسبًا لضرورة استخدام صورة طُبعت على ظهر صورةٍ سبق استخدامها!

تعكس تلك الآلية صعوبة عمل الصحافي في عصر ما قبل الإنترنت، فكل هذه العملية اللوجستية يؤديها الكمبيوتر الآن في ثوانٍ. لكنها تُعبّر في الوقت نفسه عن أهمية الأمر لوسيلة الإعلام. هذه صحيفة تتحمل تكاليف سفر الصحافي وإقامته وأجره، وتتكبد عناء كل هذه الخطوات لقناعتها بأن وجود مراسل مباشر سيضمن لها تغطية خاصة تُميزها مِن منافسيها في أهم مهرجانات السينما في العالم.

اليوم لم يعد الأمر بالأهمية نفسها لوسائل الإعلام. لا يزال المهرجان مهمًّا لكن ليس إلى درجة تحمل كل تلك التعقيدات. الوكالات والمواقع العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي تأتي بأدق التفاصيل لحظة بلحظة بوفرة تتجاوز قدرات أي صحافي ولو بلغت مهارته على التغطية ما بلغت، والرحلة ذاتها صارت مكلفة بما يفوق ناتجها، ولاسيما في عصر تقويم المواد بعدد النقرات لا بقيمة المحتوى.

النتيجة الآتي: عندما زرت مهرجان «كان» لأغطيه صحافيًا لأول مرة عام 2016 كنت أحد أصغر الصحافيين سنًّا، واليوم بعد قرابة عقد لا أزال مِن أصغرهم على رغم مناهزتي الأربعين. كثير من وسائل الإعلام صارت تُحجِم عن إرسال مندوبيها إلى «كان»، ومعظم الحاضرين من الأجيال الجديدة يتحملون معظم تكاليف الرحلة، إما أملًا في إرساء صورة مهنية أفضل عن أنفسهم، وإما بجمع التكاليف عبر نشر مقالات متناثرة في وسائل إعلام عدّة يُقبض أجرها بـ«القطعة»، أو تلبية حلم قديم بحضور المهرجان، يتحول بمجرد تحقيقه إلى فعل إدماني نكرره ولو اضطر بعضنا إلى الاقتراض من أجله.

لاحِظ أننا نتحدث عن عصر تغيرت فيه آلية الوصول إلى الأفلام؛ فإذا كانت الأعمال التي تُعرض في «كان» خلال القرن العشرين امتيازًا يحتفظ به الحضور أشهرًا طويلة حتى حين عرض الفِلم في بلادهم، وأحيانًا يغدو أبديًّا مع الأفلام التي يصعب عرضها محليًّا، فإن هذه «الحصرية» صارت اليوم ضربًا من الخيال؛ فلا تمر أسابيع من ختام المهرجان إلا يجد الجميع بعدها الأفلام متوافرة على المنصات الرقمية والمهرجانات السينمائية المحلية، حتى بالطرائق غير المشروعة لمن يرتضي استخدامها.

وإذا غابت قيمة حضور المهرجان الإعلامية، وتضاءل امتياز مشاهدة أفلامٍ لا يراها سوى الحضور، وتغيرت أشكال العرض بما يلائم سلوك مستهلكي عصر «اللوقاريثم» ورغباتهم، فما جدوى استمرار مهرجان مثل «كان»؟ وهل يأتي يوم قريب تختفي فيه مهرجانات السينما أو تغدو نشاطًا غرائبيًا يُمارس لأغراض الحنين إلى الماضي، كـ«سينما السيارات» و«أكشاك الموسيقى» وغيرها من أشكال العرض التي تجاوزها الزمن؟

السؤال عن مستقبل المهرجانات السينمائية هو أحد الهموم التي تشغل الصناعة حاليًّا، بوضوح تعاظَمَ بعد جائحة «كورونا» وما أسفرت عنه من حلول أُجبرت عليها المهرجانات، كإقامة نسخ افتراضية ونسخ هجينة وقياس مدى تفاعل الجمهور ومقارنته بالنمط الكلاسيكي. في العام الحالي كان «مستقبل المهرجانات» موضوعًا لجلسات نقاشية حافلة نظّمتها مهرجانات مثل «روتردام» في هولندا و«ساوث باي ساوثويست» في الولايات المتحدة، كما كان موضوعًا لدراسة استطلاعية أجراها معهد الفنون الكندي وأطلقها ضمن مهرجان «ويستلر» عام 2021.

الدراسة تخرج بنتائج تُثني على إقامة المهرجانات افتراضيًا، أو بنسخ هجينة تجمع بين تنظيم عروض جماهيرية وإتاحة الأفلام إلكترونيًا، وتضع صعوبة التفاعل الإنساني عائقًا أكبر لهذا الاتجاه، سواءٌ أتمثّل في صعوبة اندماج الجمهور في مناقشات الأفلام أم في قلة الفرص المتاحة للمواهب الشابة لـ«التشبيك» مع الأسماء المؤثرة من منتجين وموزعين. 71% من المشاركين في الدراسة ثمّنوا ما تتيحه التجربة من وصول أسهل للأفلام.

قد تختلف النتائج إذا أعيدت الدراسة بعد انجلاء الجائحة، لكن الشاهد أن التقنية تقود العالم بتسارع نحو تيسير تجربة الاستهلاك الفردي للمنتجات الإبداعية أكثر من المشاهدة الجماعية بأشكالها، ومنها المهرجانات القائمة بالأساس على اجتماع آلاف البشر عدة أيام وتعليقهم معظم أنشطة حياتهم من أجل الأفلام، وهذا أمر يصبح يومًا بعد يوم رفاهية يصعب أن يمارسها قطاع عريض من البشر، بمن فيهم الصحافيون والشبّان من صنّاع الأفلام. فالعالم الذي أقيم فيه أول مهرجان سينمائي في البندقية عام 1932 يختلف كليًّا عن عالم المنصات الرقمية والهواتف الفائقة الذكاء.

إلى أن تحين اللحظة، ويسفر الحراك العالمي عن شكل جديد للمهرجانات السينمائية، سيستمر المحظوظون منّا، ممن طاولتهم تجربة مهرجان «كان» الإدمانية، في توفير المال على مدار العام، من أجل الانغماس مدة أسبوعين في أكبر حدث عرفه الفن السابع.


أخبار سينمائية

  • بدأ أمس العرس السينمائي الأهم مهرجان «كان» السينمائي، الذي يعد الحدث السنوي الأبرز في عالم صناعة السينما. تكمن أهمية المهرجان في أنه قبلة أهم المخرجين في العالم ، وكذلك أهميته لبقية المهرجانات السينمائية، فهي تأخذ أبرز الأفلام التي تعرض فيه لتعرضها لديها، وهنا نتذكر أن العام الماضي شهد حضور فِلم «مثلث الحزن» (Triangle of Sadness) الذي نال «السعفة الذهبية» وشاهدناه كجمهور سعودي في مهرجان «البحر الأحمر» السينمائي.

  • الممثل العالمي جوني ديب، يعود إلى «السجادة الحمراء» في «كان»، بعد عام من المحاكمة الشهيرة بينه وبين زوجته السابقة أمبر هيرد، ويعود جوني من خلال فِلم «جان دو باري» (Jeanne du Barry) للمخرجة الفرنسية مايوين، في تعاون إنتاجي بين السعودية وفرنسا، ويتناول الفِلم حياة «جان دو باري» محظية الملك لويس الـخامس عشر وقصة صعودها وسقوطها.

  • أعلن الممثل العالمي توم هانكس عن روايته الجديدة «ذا ميكينق أوف أنذر ميجور موشن بيكتشر ماستربيس» (The Making of Another Major Motion Picture Masterpiece) التي تحكي قصة صناعة فِلم «أكشن»، وهو ليس أول عمل أدبي للنجم العالمي، حيث أطلق روايته الأولى «أنكومن تايب» (Uncommon Type) عام 2017.

  • جرى إطلاق أول مشهد من الفِلم المنتظر «إنديانا جونز أند ذا دايل أوف ديستني» (Indiana Jones and the Dial of Destiny)، وينتظر عشاق هذه السلسلة فلمهم المنتظر الذي يأتي بعد 15 عامًا تقريبًا من الفِلم الأخير. يذكر أن الجزء الأول من هذه السلسلة «ليدرز أوف ذا لوست آرك» (Raiders of the Lost Ark) عُرض في 1981.


توصيات سينمائية

نظرة على الأفلام العربية في الدورة الـ76 بمهرجان «كان»

فِلم «بنات ألفة»

المشاركة العربية الوحيدة في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان» هذا العام تتمثل في الفلم التونسي «بنات ألفة» (Four Daughters) للمخرجة كوثر بن هنية، التي سبق لها المشاركة في قسم «نظرة ما» بمهرجان «كان» بفِلمها «على كف عفريت» (2017)، كما وصل فِلمها «الرجل الذي باع ظهره» إلى القائمة النهائية لترشيحات جائزة «أوسكار» عام 2021. فِلم «بنات ألفة» من بطولة النجمة هند صبري، وهو أحد الأفلام الأربعة التي حصلت على دعم من «صندوق البحر الأحمر».

أفلام مسابقة «نظرة ما»

تضم مسابقة «نظرة ما» لهذا العام 23 فِلمًا بينها ثلاثة أفلام عربية، الفِلم السوداني «وداعًا جوليا» (Goodbye Julia) للمخرج محمد كردفاني، من إنتاج المخرج والمنتج السوداني أمجد أبو العلا صاحب فِلم «ستموت في العشرين» الذي سبق أن فاز بجائزة «أسد المستقبل» من مهرجان «فينيسيا» السينمائي الدولي، ويشارك في الإنتاج المنتج السعودي فيصل بالطيور. ثاني الأفلام المشاركة في «نظرة ما» هو الفِلم الروائي الطويل «الحزم» (Les Meutes) للمخرج المغربي كمال لزرق، أما الثالث فهو الفِلم الوثائقي «ذا ماذر أوف أول لايز» (The Mother of All Lies) للمخرجة المغربية أسماء المدير. وقد حصلت الأفلام الثلاثة على دعم من «صندوق البحر الأحمر».

فِلم «إنشالله ولد»

يشارك في مسابقة أسبوع النقاد الفِلم الروائي الطويل «إنشالله ولد» للمخرج والمنتج الأردني أمجد الرشيد، وهو أول فِلم روائي طويل أردني ينافس في أحد أقسام مهرجان «كان». وقد حصل مشروع الفِلم على عدد من الجوائز ومنح الدعم من بينها دعم «صندوق البحر الأحمر» لعمليات ما بعد الإنتاج في دورته الأولى. كما يشارك في مسابقة أسبوع النقاد للأفلام القصيرة الفِلم المصري «عيسى» (I promise You Paradise) للمخرج مراد مصطفى.

أفلام «نصف شهر المخرجين» و«منتصف الليل»

يشارك المخرج المغربي فوزي بنسعيدي بفِلمه الروائي الطويل «صحاري» (Deserts) في قسم «نصف شهر المخرجين». وقد سبق لبنسعيدي المشاركة في مهرجان «كان» مرتين؛ الأولى في عام 2000 بفِلمه «الجدار» (Le mur) وفاز بجائزة «قراس سافوي» (Gras Savoye Award)، والثانية عام 2003 بفِلمه «ألف شهر» (Mille mois) الذي شارك في مسابقة «نظرة ما» وفاز بجائزتي «الشباب » (Award of the Youth)، و«النظرة الأولى» (Le Premier Regard Award). كما يشارك في قسم «نصف شهر المخرجين» الفِلم الأردني القصير «البحر الأحمر يبكي» للمخرج فارس الرجوب، وكذلك الفِلم القصير «البيت يحترق، وقد يصبح دافئًا» (The House Is On Fire, Might as well get warm) للمخرج الجزائري مولود آيت ليوتنا . وفي قسم «منتصف الليل» يشارك المخرج الجزائري إلياس بلقادر بفِلمه «عمر الفراولة» (Omar La Fraise).

أفلام مسابقة «سينيف»

يشارك في مسابقة «سينيف» اثنان من الأفلام العربية القصيرة هما فِلم «القمر» (AYYUR) للمخرجة المغربية زينب كريم، وفِلم «الترعة» (The Call Of The Brook) للمخرج المصري جاد شاهين.

أفلام «أسيد» و«ريزيدانس»

إضافة إلى المشاركة في المسابقة الرسمية والأقسام الموازية، يشارك فِلمان عربيان في برنامج «أسيد» (ACID) وهو مبادرة تنظمها مؤسسة «أسيد»، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى دعم صانعي الأفلام المستقلين وتعزيز توزيع أفلامهم دوليًا، حيث تختار مجموعة من الأفلام المستقلة لترويجها بين مبرمجي السينما والموزعين خلال فعاليات المهرجان في أكثر من 400 دار عرض. من بين الأفلام المختارة ببرنامج «أسيد» لدورة هذا العام، فِلم «Machtat» للمخرجة التونسية سونيا بن سلامة. أما برنامج «ريزيدانس» (Résidence) فهو عبارة عن منحة إقامة مقدمة لستة مخرجين أجانب يتلقّون لمدة أربعة أشهر ونصف دعمًا شخصيًّا في كتابة السيناريو للفِلم الطويل الأول أو الثاني. ويشارك ضمن برنامج الإقامة بمهرجان «كان» هذا العام المخرج المصري مراد مصطفى.


يعرض الآن

  • يبدأ اليوم في صالات السينما في السعودية  عرض الفِلم السعودي «أغنية الغراب» للمخرج محمد السلمان، وهو الفِلم الذي اختارته السعودية مرشحًا لها في مسابقة «أوسكار » لعام 2023، الفِلم يروي قصته بشكل كوميدي ساخر، وتكمن أهميته في أنه يستعرض حقبة تاريخية ثقافية مهمة في  السعودية في بداية الألفية، إذ يعرض الصراعات الأيديولوجية والثقافية في تلك المرحلة.

  • يُعرض في صالات السينما السعودية فِلم «هواء» (Air) من إخراج وبطولة  النجم الهوليودي بين أفلك، ويشاركه البطولة مات ديمون، الفِلم  عن حياة مؤسس شركة «نايكي» (فيل نايت)، ويروي رحلة شركة «نايكي» للأحذية وسعيها إلى عقد اتفاقية مع الرياضي الكبير لاعب السلة مايكل جوردن.

  • يُعرض على «نتفلكس» مسلسل  «هيئة الدبلوماسية» (The Diplomat)، ويحكي قصة السفيرة الأمريكية التي جرى تعيينها أخيرًا سفيرة للولايات المتحدة في المملكة المتحدة. وسط أزمة سياسية تبدأ من مياه الخليج العربي. تدور القصة في أروقة وزارتي الخارجية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

الأفلامالسينما
النشرة السينمائيةالنشرة السينمائيةمقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.