المعماريون الجدد!

يرى الأصدقاء المعماريون أن أسوار المنازل أحد الأسباب، إن لم تكن السبب الوحيد، في ارتفاع معدلات الجريمة والاكتئاب والسمنة والأمراض المزمنة. 

يرى الأصدقاء المعماريون الجدد أن أسوار المنازل أحد الأسباب، إن لم تكن السبب الوحيد، في ارتفاع معدلات الجريمة والاكتئاب والسمنة والأمراض المزمنة. 

وأنت تسهم أيها القارئ المسكين في هذه الكارثة التي تحل بالكوكب الأزرق إن كنت ممن بنى منزلًا ووضع له سورًا خارجيًا وفناءً خاصًا بك. وقد تُعذر إن كان إسهامك في الكارثة عن جهل، أما بعد أن كشف لك المعماريون الجدد هذه الحقيقة التي لا تقبل الشك ولا الجدال فإن بناء سور حول منزلك مشاركة في الجريمة عن سبق إصرار وتعمد وترصد وبنيّة مكشوفة لإيقاع الأذى بالبشرية. لا عذر لك وقد اكتشفت أنه يمكن أن يكون جزء من أرضك مشاعًا، وهذا لا يمنعك من أن تخرج بسلاحك الناري كما تفعل العجائز في الأفلام الأمريكية حين تشاهد أحدًا يضع قدمه على الجزء الذي تبرعت به للشارع وتصرخ فيه قائلًا: تبًا لك، أخرج من ملكيتي قبل أن أطلق النار على قدميك.

صحيح أنه لم يأت أحد من هؤلاء المعماريون بأرقام تبين عدد الجرائم التي ارتكبت بسبب السور، والتي كان يمكن تجنبها لو أنك تنازلت عن جزء من الأرض التي اشتريتها بعد أن «سفيت» التراب حتى تؤمّن قيمتها، ووضعتها تحت تصرف الشارع حتى يشعر المارّة بالأمان والمجرمون بالخوف ويكفّون عن إجرامهم. لكن الأرقام ليست مهمة، والإحصاءات مضيعة للوقت، يكفي أنهم متخصصون ولديهم باقة إنترنت ومتصفح يمكّنهم من الحصول على صور شوارع في هولندا وبلجيكا وإسكندنافيا وغيرها من بلدان أعالي البحار.

هم أعلم منك باحتياجاتك أيها البائس الجاهل المسكين، فقد تكون ممن أضاع حياته وبدد سنوات عمره في تخصص لا علاقة له بالمعمار والتخطيط العمراني، وهذا يجعلك عاجزًا عن فهم احتياجاتك وأهدافك في الحياة. فقد أثبتت الدراسات «خاصتهم» أنك إن لم تكن معماريًا فإنك قاصر بالضرورة عن تحديد ما تريده من منزلك. أنت لست كفؤًا حتى لإبداء رأيك في شكل المنزل الذي تريد أن تسكن فيه. 

وقد تظن، لفرط جهلك، أن الأمر يتعلق بالبناء والبيوت والأسوار فقط، ولكن الحقيقة أن المعماري الجديد يحق له أن يتدخل حتى في اختيارك شريك حياتك ونوع سيارتك وعلاقتك بوالديك وأبنائك، فقد يكون أحد هؤلاء ممن يؤيد وجود الأسوار حول المنازل، وأنت دون أدنى إحساس بالمسؤولية «تدربي راسك» وتجعله جزءًا من حياتك دون أن تعي أي خطر يحيق بالمجتمع لوجود هؤلاء الأشرار في الحياة. 

يقول هؤلاء الخبراء إن منازل السعوديين قديمًا كانت بلا أسوار، وإن الأسوار بدعة مستحدثة، ولكنهم لفرط تسامحهم وتقبلهم تعدد الآراء اختلفوا فيمن أتى بهذه البدعة وأدخلها علينا وأضلنا بعد إذ كنا مهتدين. فمنهم من قال إن السور الذي يحيط بمنزلك أيها الإنسان الجاهل هو أحد مخلفات زمن «الصحوة» البائد، وآخرون قالوا إن أرامكو والأمريكان هم من أدخلوا السور إلى ثقافتنا، وهذا يجعل الأمر أقرب إلى مؤامرة ماسونية لقتل الجمال في شوارعنا. 

صحيح أن معادلة تصميم البيوت قديمًا تدخل فيها معطيات أخرى، مثل وسائل النقل وعدم وجود شوارع ولا سيارات، وكذلك نوعية الساكنين والعلاقة الاجتماعية التي تربط أصحاب تلك المنازل بعضهم ببعض، والتركيبة السكانية، وأنه لا وجود للغرباء، فالكل يعرف الكل وتفاصيل حياته، وكذا الشكل المختلف للحياة الاجتماعية آنذاك عمومًا. لكن هذه المعطيات غير ذات أهمية عند المصلحين الاجتماعيين من المعماريين الجدد.

فمثل هذه المعطيات لا يحتاجها سوى العامة والدهماء ممن يريدون بناء منازلهم، أما المعماريون الجدد فقد عبروا القنطرة ورفعت عنهم الحُجب ولم يعودوا بحاجة لأي معارف إضافية. وصحيح أيضًا أن من بنى تلك البيوت ليسوا متخصصين ولم يدرسوا المعمار وراء البحار. لكن فكرة استدعاء التخصص خاضعة في الأساس لمزاج المعماريين الجدد، هم وحدهم من يحدد أهمية التخصص أو عدمها في أي نقاش حول بيوت العالمين. 

Giphy 72 1
من تظن نفسك؟ / Giphy

وإن من أعجب ما رأيت في الأيام الفائتة بعض العامة وهم يناقشون المعماريين ويقولون بكل وقاحة إنهم يفضلون أن تكون الارتدادات التي دفعوا ثمنها تحت تصرفهم داخل أسوار منازلهم يستفيدون منها بالطريقة التي يفضلونها. وهذا لعمري شيء عجيب غريب. فمن أنت أيها المالك حتى تبدي رأيك فيما تُحب وتكره؟! ومن أنت حتى تقول: أفضّل ولا أفضّل وأريد ولا أريد؟! هل وصل الأمر بالناس إلى درجة أنهم يحبون أشياء ويكرهونها في منازلهم التي يبنونها بأموالهم وفق الأنظمة والقوانين والتشريعات دون أن يعيروا اهتمامًا للباحثين والعلماء الأفذاذ الذين أفنوا حياتهم في تصوير منازل أمستردام وبروكسل؟! هكذا بكل صفاقة، يظن الإنسان أنه بمجرد أن امتلك أرضًا يصبح من حقه أن يحب ويكره ويقبل ويرفض دون أن يكون ممن ثنى ركبتيه عند صور قوقل!

وقد يقول قائل إن الذين خططوا وصمموا ونفذوا البيوت ذات الأسوار هم معماريون متخصصون أيضًا، وهذا جهل عظيم، فليس كل المعماريين سواء، فهؤلاء مفسدون وليسوا مصلحين اجتماعيين كالمعماريين الجدد، وقد تكون الطعنة الغادرة من أقرب الناس.

وإني من هذا المنبر أعلن تعاطفي مع المعماريين الجدد، ووقوفي في صفهم في حربهم ضد الدهماء، وأتفهّم حرقتهم التي تجعلهم يدافعون عن قضية السور كما يدافعون عن شرفهم، وأدرك تمامًا أن العالم بعد تغريداتهم والصور التي نشروها عن ضرر السور قد انقسم إلى فسطاطين، فسطاط الحق الذي يريد هدم الأسوار وفسطاط الباطل الظلامي المتخلف الذي يريد أن تكون له حياة خاصة داخل سور منزله. والحياد في هذه القضية خيانة، ولتسأل نفسك أيها المتردد بين الفسطاطين، لماذا قد يرغب أحدهم أن يبني سورًا حول منزله؟ لماذا يريد أن يخفي حياته عن العابرين في الشوارع إذا لم يكن يفعل شيئًا خاطئًا مريبًا؟! لا بد أن وراء دفاعهم عن الأسوار أسرارًا ستبديها الأيام، وكل من فضّل السور ودافع عن وجوده مجرم محتمل ولو ثبت العكس.

فاختر لنفسك النجاة، فأنت إما معنا وإما ضدنا. تحرّك الآن وانتقل من ظلمات الأسوار إلى نور الشوارع. فالفرصة قد لا تتكرر مرتين. 

السعوديةالعمارة والتصميمالمجتمعالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!