كيف تجاوزت ألم الفقد بكتابين

ألم الفقد من أصعب ما قد يمرّ الإنسان به، هذه تجربتي معه وكيف استطعت تجاوزه بالقراءة.

ألم الفقد / Getty Images
ألم الفقد / Getty Images

كيف تجاوزت ألم الفقد بكتابين

نوال القصيّر

وجدتُ بهجتي ومرحي في القراءة والكتب، وعشت من خلالها أوج استمتاعي وشعوري بلذة مختلفة ليست كلذة الطعام والشراب. كانت العزاء والملجأ والمنبع، ولكني لم أختبرها لمواجهة المخاوف الخاصة مِن قبل، لم أعرفها حين تكون مؤلمة، ولم أكن أدرك أنّ ألم القراءة ضروري والتعرض له شفاء في الوقت نفسه. 

كيف تجاوزت ألم الفقد؟

عشت مع إدراك مبكر بحتمية الموت، ممزوجًا بخوف نائم يستيقظ مع كل فَقد . نعرف في داخلنا أننا كلّنا إلى الموت نمضي، وأنه النهاية المتوقعة للرحلة في هذه الدنيا، ولكني كنت أهرب من كل فكرة بحتمية هذه النهاية لأحبابي، وحتمية التعايش مع الفقد واستحالة تجاوزه. هربتُ بسذاجة صريحة من الكتب التي تتحدث عن فقد الأم والأب والشريك وأفراد العائلة، إذ لم أكن مستعدة بعدُ لمواجهة هذا الخوف، ولا لعيش الألم من خلال الكتب. وانتهى ذلك الهرب عندما خرج والدي من المستشفى بعد نوبة دماغية جعلته طريح الفراش، وخرج ليذبل ببطء في السنتين الأخيرتين من حياته حتى مات.

تجاسرتُ على ألمي بالكتب، وتناولت بكل ثقلي كتاب سيمون دو بوفوار: «موت عذب جدًا»، ومن هنا عرفت ألم القراءة. 

في صفحات لا تتجاوز المائة، وبشفافية عالية، تروي سيمون الأسابيع الأخيرة في حياة أمها حينما أدخلها المستشفى كسرٌ في فخذها، غير أن الفاجعة لم تكن في الكسر، بل في فحوصاتٍ أظهرت إصابتها بسرطان الأمعاء الدقيقة، ومن هنا تبدأ رحلة عذاب من يحتضر ومَن يشاهد هذا الاحتضار.

لم أكن أعلم أني أعيش أسابيع أبي الأخيرة أيضًا وأنا أقرأ هذا الكتاب، وكأنه بطريقةٍ ما يحضّرني لعيش هذه المشاعر المؤلمة كل يوم وكل لحظة، وأني سأعيد اكتشاف تفاصيل حياة والدي وأثرها الممتد فيّ، وهذه هي المفارقة في موت من نحب: أنه يجعلنا نعيد تعريف وجودهم في حياتنا ومن دون وعي نستبدل بالزاوية التي كنا نراهم منها أخرى أشدّ شمولًا ورحمة وقبولًا وفهمًا، فتصبح ولادة جديدة للعلاقة نفسها.

عندما يختفي شخص عزيز، ندفع ثمن ألف ندم مؤلم لخطأ البقاء على قيد الحياة، ويكشف لنا موته عن خصوصيته الفريدة؛ ويبدو لنا أنه كان يجب أن يحتل مساحة أكبر في حياتنا.

يتقاطع وصف سيمون النقي للاحتضار الطويل والبطيء مع وقائع نعيشها جميعًا عند احتضار من نحبّ، العجز الواضح في نظرتهم، ومساءلة الماضي المشترك بجماله وعلّاته، والندم على الأوقات التي كان من الممكن أن نقضيها معًا، وهاجس إفلات كل اللحظات الحية التي تقاسمناها مع مَن نحب، بكل حمولتها من الهناء والمشكلات والاختلافات والغياب والحضور والذكريات الثمينة التي شكلت هذه العلاقة الحميمية. 

لقد تناولت سيمون في مذكراتها هذه، بكل الشفافية الممكنة، جذوة الحب في طفولة الإنسان مع والديه كتعبير عن حاجته الماسة إلى هذا الحب، وحين اشتد العود تخلينا عن الحب بشكله الطفوليّ، واستحال عِنادًا واعتيادًا، حتى يعود بعدما نكبر إلى هشاشته الأولى، وتكتسب العلاقة شكلها الجديد حينما يكبرون، فنصبح آباءً لهم، نرعاهم ونحيطهم بعطفٍ يشبه العطف الأول الذي منحونا إياه. 

أنهيتُ الكتاب وأنهَت معاناة المرض أبي، ولكن بدأت معاناة أخرى تخصني: الفقد. وعلى رغم سيل العزاءات تبقى للفقد هيبته وذاتيته وغموضه واستكشاف أَوْجُهِه مع الوقت، ومن خلال تجارب الآخرين المعيشة. لذلك كان كتاب «مسألة موت وحياة» للطبيب النفسي إرفين يالوم ومارلين مالوم هو اختياري. كنت أعرف أن كثيرًا من الألم والعزاء أيضًا ينتظرني بين هذه الصفحات.

يتضمن الكتاب 35 فصلًا، وتناوب إرفين يالوم وزوجته مارلين كتابة معظم الفصول قبل وفاتها، ثم أتمّ كتابة بقية الفصول. كانت هذه الطريقة البديعة في الكتابة تشير إلى مدى عمق تواصلهما واعتماد أحدهما على الآخر، كما تصف علاقتهما المتينة. 

يروي الزوجان حكايات عمر مشترك، وعلاقة استمرت أكثر من 60 عامًا، عبر حوارات يستحضران فيها الماضي بكل مافيه، والقيم التي تقاسماها، وكيف كُوِّنت هذه العلاقة الجميلة، على رغم ما يشوب كل العلاقات من تنافر واختلافات.

لا يوجد علاج للحقيقة البسيطة التي تقول إنّ أحدنا يجب أن يترك الآخر.

يعدّ الكتاب مشروع الزوجين الأخير، وتوثيقًا لتجربة مواجهة المرض مع الشريك والشخص الذي تتكئ عليه إلى الحد الذي لا يمكنك تخيّل الحياة بعده، كانت فكرة ثقيلة جدًا ومؤلمة، ولكنها ضرورية، والتماس معها أمر حتميّ.

لقد خاضا اضطرابات هذه الرحلة معًا، وواجها كل هذا الألم عبر الكتابة والتدوين، فكانت مارلين أشدّ هدوءًا واستسلامًا، أما أرفين فقد عبّر عن قلقه الدائم من فقدان زوجته واستحالة الحياة بعد موتها. 

إن حقيقة أني لم أعمل كثيرًا لمعالجة خوفي الشديد أثناء علاجي تدهشني.

تقاربت في هذا السطر مع إرفين، فعلى رغم أنه طبيب نفسي فإن لديه مخاوفه التي يهرب منها، وأشعرني ذلك بعزاء كبير، وبأن مثل هذه المشاعر ليس من السهل الاقتراب منها ومواجهتها. 

إن عملية انفصال الأزواج الذين عاشوا حياة زوجية سعيدة تكون أسهل بكثير من الذين عاشوا حياة زوجية أقل سعادة؛ لأنهم لا يحزنون على سنواتهم الضائعة.

في فصول الكتاب الأخيرة دوّن إرفين وحيدًا حياته بعد موت زوجِته، وكيف يقضي الحياة وحيدًا في منزله بعد 60 سنة من زواج رائع وفصول حياة عامِرة، كيف تعامل مع هذا الفراغ المنتظر في روحه وبيته، حتى مقتنيات زوجته. ويكتب إرفين فصلًا بعد وفاة زوجته يعبّر فيه عن امتنانه لزوجته؛ لإصرارها على خوض التجربة المشتركة في كتابة الفصول، كاشفًا أن استكماله هذه الفصول بعد وفاتها كان ما أعانه على تجاوز هذا الفقد والتعايش معه.

بعبء الفقد وبحمولة الخوف من خسارة من نحب وجدتُني متجسّدةً على السطور، وفي خوف إرفين من الفقد، وفي اضطراب المرحلة، وفي انتظار أن تعبر الأيام وتمر الفصول ونعتاد. لقد تعلمت كثيرًا كما تعلّم إرفين، أن الحياة لا بدّ أن تمضي، وأن علينا أن نجد في زوايا أيامنا تفاصيل جديدة تربطنا بمن نحب بعد موتهم، وأن نعرف أن الاعتياد وإن بدا بعيدًا فإنه آتٍ في نهاية المطاف.

أنهيت الكتابين بثقل لا أزال أحس به في صدري، ولكني لن أنسى الخفّة التي عشت بها لأن هناك من يشاطرني هذه المعاناة. 

لطالما آمنت أن أجزاء منا توجد في الكتب، في التجارب المكتوبة، في شجاعة الكاتب حين يعرّي شعوره ويتجلّى بضعفه ورخاوته، حين يسرد تجربته الخاصة. وفي هذين الكتابين وجدت أجزائي التي كنت أهرب منها.


  1. بعد ست سنوات من رواية الكاتب الياباني هاروكي موراكامي الأخيرة «مقتل الكومينداتور»، أصدر الأسبوع الماضي روايته الجديدة «المدينة وأسوارها الغامضة» (the City and Its Uncertain Walls). وفي رسالة هاروكي إلى القراء تحدّث عن المدينة وأسوارها الغامضة، التي بدأ كتابتها في مارس 2020 حين كانت الجائحة في أوجها في اليابان، واستغرقت منه زهاء ثلاث سنوات لإكمالها، وأنها تشبه حكاية «حالم يقرأ حُلْمًا قديمًا في المكتبة».  

  2. تعتزم شركة «وارنر بروذرز» الأمريكية تحويل سلسلة «هاري بوتر» الشهيرة إلى مسلسل تلفزيوني. سيعرض المسلسل على منصّة «أتش بي أو ماكس» بواقع جزء واحد على الأقل لكل مجلّد من أجزاء السلسلة السبعة. وحسب أحد المصادر، فإنّ ج. ك. رولينق ستشرف على العمل بحيث يكون مخلصًا للرواية وعالمها الذي فتَن ملايين القراء والمشاهدين.

  3. نُقِل نحو ثلاثة آلاف كتاب من شقة الكاتب التشيكي-الفرنسي ميلان كونديرا في باريس إلى مكتبة شُيِّدَت له في مدينة برنو التشيكية، حيث وُلد وترعرع. وتحتوي المكتبة، إضافة إلى كتبه، عددًا من رسومه ولوحاته ويومياته، وكذلك النسخة الأصلية لمقالات «مونتاني» تعود إلى القرن السادس عشر. المكتبة متاحة للزيارة منذ مطلع شهر من أبريل الجاري.

  4. فازت الكاتبة الجزائرية كوثر عظيمي بجائزة «مونتلوك غيزيستونس إي ليبرغتي» (Montluc Résistance et Liberté) عن روايتها «نذير شؤم» (Au vent mauvias) الصادرة عن «منشورات البرزخ» الجزائرية و(Seuil) بباريس. ومن خلال المصائر المتشابكة لشخصيات الرواية، ترسم عظيمي بورتريهًا خلابًا للجزائر، على مدى قرن من تاريخها، من الاستعمار إلى النضال من أجل الاستقلال، حتى صيف عام 1992، عندما انزلقَت البلاد في حرب أهلية.


  1. موت عذب جدًا، سيمون دو بوفوار
    تروي سيمون الأسابيع الأخيرة في حياة أمها حينما أدخلها المستشفى كسرٌ في فخذها، غير أن الفاجعة لم تكن في الكسر، بل في فحوصاتٍ أظهرت إصابتها بسرطان الأمعاء الدقيقة، ومن هنا تبدأ رحلة عذاب من يحتضر ومَن يشاهد هذا الاحتضار.

  2. مسألة موت وحياة، إرفين يالوم ومارلين مالوم
    يتضمن الكتاب 35 فصلًا، وتناوب إرفين يالوم وزوجته مارلين كتابة معظم الفصول قبل وفاتها، ثم أتمّ كتابة بقية الفصول. يروي الزوجان حكايات عمر مشترك، وعلاقة استمرت أكثر من 60 عامًا، عبر حوارات يستحضران فيها الماضي بكل ما فيه، والقيم التي تقاسماها، وكيف كُوِّنت هذه العلاقة الجميلة، على رغم ما يشوب كل العلاقات من تنافر واختلافات.

  3. عام التفكير السحري، جوان ديديون
    تأخذنا جوان ديديون في سرد حزين ومشوّش عن العزاء والحزن خلال عام واحد بعد وفاة زوجها وابنتها. كانت الكتابة أول خطواتها للتعافي من ألم هذا الفقد.

  4. كفاحي: موت في العائلة، كارل أُوفِه كناوسقارد

    يكتب كارل سداسية تبدأ من طفولته بتركيز ووصف دقيق للأحداث الصغيرة والحميمية وأثرها الباقي. يمر في سيرته على وفاة والده، ويناقش فلسفة الموت والحياة والخوف والذكريات التي تجتاحنا بعد موت ذوي قرابتنا.

الثقافةالقراءةالموتالكتب
نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.