مارس الصيام عن تخمة المحتوى

إن قِصَر ساعات العمل وبُعد الأكل عن متناول الشخص في مدّة تعادل نصف اليوم تقريبًا يزيد مِن ترسيخ مواقع التواصل الاجتماعي.

يرى كثيرون أن شهر رمضان هو الموسم الأمثل للخلوة إلى النفس وقضاء وقت منفرد للتعبّد والراحة، لكنّ «رمضان» في نظَري أحد مسببات التوتّر والقلق الموسمي. وأزعم أن ذلك يعود إلى المشتِّتات الإلكترونية التي أتعرض لها عادة في هذا الشهر، بدءًا من هجمات تبريكات حلول الشهر عبر الواتساب، ووسوم آخر لقطات المسلسلات والمقابلات الفنية في تويتر، وصولًا إلى مقاطع فيديو طهي أشهى مأكولات المائدة الرمضانية التي تتصيّدني عبر الإنستقرام. 

وعلى رغم انتشار الحميات الغذائية التي تراقب مؤشرات الصحة الجسدية في موسم رمضان، فإنه لا «حِمية» مخصصة لِصَون الصحة النفسية وتقليل «تخمة المحتوى» التي نتلقاها من مواقع التواصل الاجتماعي.

إذ إن قِصَر ساعات العمل وبُعد الأكل عن متناول الشخص في مدّة تعادل نصف اليوم تقريبًا يزيد مِن ترسيخ مواقع التواصل الاجتماعي وجعلها من أهم طقوس رمضان المستجدة.

فوفقًا للإحصاءات، أنفق المستهلك السعودي في موسم رمضان 2022 عبر الإنترنت ما يزيد على إنفاقه في الشهور الأخرى بنحو 78%، حيث توفر تطبيقات الشراء قسائم خصومات الأسعار بمناسبة رمضان واسترداد النقود. كما تُطلِق معظم مواقع التواصل الاجتماعي استراتيجيات مدروسة للترويج لسِلَع بعينها عبر ربطها بموسم رمضان بطريقة أو بأخرى.

ففي تويتر على سبيل المثال زادت نسبة التغريدات المستندة إلى وسوم الإعلانات التجارية التي تظهر بين باقات البرامج والمسلسلات بنسبة 18% خلال موسم رمضان 2019، مقارنةً ببقية شهور السنة.

على الجانب الآخر، تحفز الأجهزة المحملة بوسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني وتطبيقات الأخبار إحساسًا إجباريًا بالالتزام لدى المستخدِم، وتولّد ضغوطًا نفسية باعثة للتوتر والإجهاد العاطفي. فهناك علاقة مباشرة بين الهواتف ومستويات الكورتيزول في أجساد مستخدميها، ويسبِّب الإدمان على استخدام الهواتف إطلاقَ الكورتيزول استجابةً للضغوط العاطفية، مثل: السعي إلى معرفة ما يجري في الفضاء الإلكتروني، كآخر «سبق» إخباري أو «نميمة» إلكترونية، وهذا يؤدي إلى حدوث تغيّرات فسيولوجية قد تهدّد الصحة، مثل: ارتفاع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب وسكّر الدم.

بل إن هناك دراسات تؤكد أن عادة التحقّق من وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مستمر تُعدّ أشدّ إدمانًا من تدخين السجائر التي يُجبَر الصائم على تركها في نهار رمضان، على عكس «الولَع بالسوشال ميديا».

أتفهّم أن التوقف بالكلية عن متابعة مواقع التواصل الاجتماعي في رمضان مَطمَحٌ صادم وشاقّ على النفس، لكنّ سنعي أهميّة التقليل منها إذا عرفنا أنَّ «التخمة» المعلوماتية التي نستهلكها مِن جرّاء المحتوى الرقمي في يوم واحد قد تساوي ما يعادل قراءة 174 جريدة!

لذا من الأجدر تقسيم أوقات اليوم إلى إدارة كلّ نشاط في رمضان وإعطائه حقه. وإذ أتحدّث عن نفسي، آملُ أن تنجح تقنية تحديد وقت الشاشة لمواقع التواصل الاجتماعي في جعلي أقضي أقل وقت ممكن عليها، ويمنحني شعورًا بمزيد من التحكّم في عنصر الوقت والجهد المبذول. وكلي أمل أن تُسْهِم هذه «الحِمية» في تحسين مستوى صحتي النفسية في رمضان، ومواصلة هذه العادة الحميدة إلى ما بعد رمضان.

رعاية الذاترمضانوسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.