أدب قلة الأدب!

تصدر المشهد الشعري العربي شعراء لا يكادون يفقهون حديثًا. ولست أحمقًا بما يكفي لكي أعمم هذا، فالشعراء المبدعون في كل مكان في العالم العربي.

أحد أحلامي الموغلة في العبط حين كنت صغيرًا وجميلًا، هو حلمي بأن أكون شاعرًا عظيمًا، يتلذذ الثقلان بسماع قصائده وترديدها، قصائد تسير بها الركبان حتى تتقرح أقدامها. انتظرت تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسان من نومه، ويجد نفسه أصبح يتحدث شعرًا، ويفكر بطريقة موزونة ومقفاة. ولكن انتظاري طال ولم تأت تلك اللحظة. أصحو من النوم وأتحدث مع أهلي كي أجرب نفسي فأجدني أقول كلامًا عاديًا، مثل الذي يقوله سائر الناس من العامة والدهماء. ومع أنه لم يكن في الأفق ما يشي بأن شيئًا ما سيحدث، وأن الشعر سيداهمني فجأة؛ فإنَّ الإحباط لم يتسلل إلى مخزن أحلامي

كنت أسلي نفسي بأني سأصبح النابغة الجديد الذي لن يصبح شاعرًا إلا بعد أن تخشوشن أظافره. ثم سئمت الانتظار، وخشيت على الناس أن يتوفاني الله قبل أن يسمعوا معلقاتي، وقبل أن يصبح الدهر من رواة قصائدي، ينتظرني حتى أفرغ من قصيدتي ليصبح منشدًا. ولذلك قررت أن أصبح شاعرًا بالقوة؛ أحضرت دفترًا أبيضًا نقيًّا كقلب فتاة لم تعرف العشق، ثم بدأت أكتب فيه قصائدي التي كان أغلبها تغزلًا في فتاة «ظالمة الحسن شهية الكبرياء» على حد وصف زميلي الراحل إبراهيم ناجي. ومع أني لا أعرفها لأنه لم يكن لها وجود حقيقي من الأساس، فإنَّ علاقتي بها امتدت إلى سنوات، أكتب متغزلًا تارة، ومشتاقًا شاكيًا من ألم الفراق تارة أخرى. 

وبعد فترة ليست باليسيرة استيقظ ضميري فجأة دون سابق إنذار، وصارحت نفسي بأن ما أكتبه لا علاقة له بالشعر ولا بالأدب. وأنّي محظوظ لأن الناس لم تقرأ تلك القصائد، وأكثر حظًّا لأن حبيبتي لا وجود لها، لأنها لو كانت موجودة وقرأت شيئًا مما كتبته عنها، فإن هجرها لي والفرار مني فرارها من المجذوم هو أقل ما كانت ستفعله.

وقد كتب الله النجاة للبشرية جمعاء لأنّي لم أكن حينها -ولا في أي وقت آخر- ثريًّا فاحش الثراء، لو كان الأمر كذلك فالله وحده يعلم ما الذي كان سيحدث. أتخيل أني كنت سأقيم أمسيات مدفوعة يصفق فيها الناس لي بعد كل بيت ألقيه على مسامعهم، وسأغري المطربين والمطربات بغناء قصائدي، وأستميل النقاد ليتحدثوا عن قصائدي بصفتها ثورة في عالم الشعر والأدب. ومجرد تخيل هذا الوضع المأساوي الكارثي يجعلني أحمد الله أن العالم لم يتعرض لهذه المأساة.

Giphy 51
أمسية شعرية / Giphy

صحيح أنه لم يتفق على ماهية الشعر، وهل المعني بالمصطلح هو الكلام المبني وفق قواعد العروض أيًا كانت فحواه. وهل الشعر القبيح الذي لا معنى له ولا فائدة فيه ولا فصاحة، ولكنه ملتزم بقواعد العروض واللغة أكثر «شاعرية» من الكلام الفصيح الجميل الذي لا يلتزم بقواعد بناء القصيدة. إلا أنه لم يكن لي علاقة بالأمرين.

وعلاقة القصائد بالشعر تشبه الحديث عن علاقة الأدب بالأدب، وهل يوجد ما يمكن تسميته «أدب قلّة الأدب». وهذا حديث لا يخلو من ترف نخبوي، فالمشكلة الآن هي في الكلام التافه الذي لا يلتزم بقواعد بناء القصيدة. وهذا يمكن تصنيفه تحت باب أدب «الحشف وسوء الكيلة»، وهو مشكلة لأنه أصبح السائد الذي يتبناه الإعلام. ولكن هذا يحدث للأسف بعد أن تبت وقبل أن أصبح ثريًّا. 

ولعلي قد نسيت إخباركم أني أتحدث عن نفسي وعن الشعر، لأن المملكة العربية السعودية قررت ممثلة في وزارة الثقافة تسمية عام 2023 بـ «عام الشعر العربي». والحق أنّي سعدت بهذا مع أني لم أُعلَّم الشعر -ولا ينبغي لي-. وسبب سعادتي أدامها الله أن الجزيرة العربية ظُلمت كثيرًا في الخطاب النخبوي الثقافي العربي، مع أنها موطن الشعر والشعراء، ومنها وفيها قيلت عيون الشعر ومعلقاته. وتصدر المشهد الشعري العربي شعراء لا يكادون يفقهون حديثًا. ولست أحمقًا بما يكفي لكي أعمم هذا، فالشعراء المبدعون في كل مكان في العالم العربي. لكني أتحدث عن الأساس، وأن هذه الأرض هي مطلع كل حديث عن الشعر والشعراء. 

والمشكلة ليست في تجاهلنا من قبل الآخرين، ولكنها في أننا صدقنا ذلك وآمنا بأنه الحقيقة. وتبنى هذا التجاهل أقوام يفترض أنهم هم مثقفونا ونخبتنا. وبدأنا دون تفكير نؤمن أننا كائنات طارئة على هذه الأرض، ولسنا الامتداد الحقيقي، لكل أولئك الذين كانوا عليها، وحملوا مشاعل الضياء إلى كل ركن في هذا الكوكب. 

أتمنى أن يكون عامًا سعيدًا للشعر والشعراء، وألَّا تتحقق مخاوفي، لأني لم أتخلص من الدفتر الذي كتبت فيه قصائدي ولكني أضعته. ومع أني أزعم أني شخص لا يمكن ابتزازه، فليس لدي ما أخفيه، فإنَّ ذلك الدفتر المشؤوم نقطة ضعفي القاتلة، فقد أتخلى عن كل شيء في سبيل منع ظهوره، وقد أضحي بنفسي من أجل إنقاذ العالم.

الثقافةالسعوديةالشعراءالمجتمعالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!