قرانت وال: لأن الوفاة الطبيعية تحدث في قطر أيضًا

يمكننا رؤية وال الذي كان مصممًا على اتهام قطر بقتل العمال، كما يمكننا رؤية وال المخلص لحقوق الإنسان الذي لم يتسن له معرفة الثقافة العربية.

تعد لحظة تسجيل الهولندي فيقورست هدف منتخب بلاده الثاني، الذي عادل به النتيجة أمام الأرجنتين في الثانية الأخيرة، من أكثر لحظات كأس العالم إثارة دون شك. إلا أن تلك الدراما الكروية باتت لا تساوي شيئًا بعد دقائق؛ فقد سقط الصحفي الأمريكي قرانت وال منهارًا تمامًا داخل المنطقة الإعلامية الخاصة بملعب لوسيل. تدخَّل الفريق الطبي في الملعب سريعًا، ثم نُقل إلى المستشفى حيث أُعلن عن خبر وفاته في اليوم التالي.

صرّح قرانت قبل أيام من هذا الحادث بأنه يشعر بالتعب، نتيجة ضغط العمل المتواصل وقلة النوم، كما ظنَّ أنه يعاني من التهاب في الشعب الهوائية. لكن الأمر لم يكن كذلك؛ بل تمدد شريانه الأبهر ببطء دون أن يكتشفه حتى تمزق مسببًا وفاته.

يبدو الأمر طبيعيًا ومتكررًا ولا شيء فيه، حتى أن المؤسسة الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها تؤكد أن هذا تمامًا سبب وفاة عشرة آلاف شخص في عام 2019، كان نصيب الرجال منهم 59%. لكن المختلف هنا أن المُتوفَّى هو الصحفي الأمريكي وال قرانت، صاحب الآراء اللاذعة الذي يمكننا تناول قصته بأكثر من زاوية؛ وهذا تحديدًا هو بيت القصيد.

يبدو وجه وال قرانت مألوفًا للكثير من الجماهير العربية، فهو الصحفي الأمريكي الذي حاول حضور مباراة أمريكا ضد ويلز يرتدي قميصًا يحمل شعار دعم المثليين، وهو ما رفضه أمن الملعب، وتناقلت وكالات الأنباء العالمية الخبر حينئذ في نطاق الصحفي الشجاع والأمن المستبد.

ليس هذا فحسب، بل إن قرانت قبل وفاته بيوم واحد نشر في مدونته اتهامًا صريحًا للجنة العليا المسؤولة عن كأس العالم في قطر، بأنها لا تهتم بحياة العاملين، بقدر ما تهتم بنجاح كأس العالم، في إشارة إلى تقرير ذا أثلتيك عن وفاة عامل فلبيني نتيجة لوقوع حادث في منتجع التدريب الذي نزل به المنتخب السعودي خلال دور المجموعات، وكان قرانت قد تناول بتوسعٍ من قبل مسألة وفاة العاملين في أثناء بناء ملاعب كأس العالم في قطر.

هل يضع  ذكر تلك القصص وال قرانت في سياق الرجل الشرير الذي لا يستحق التعاطف؟ بالعكس تمامًا، قصة قرانت وال تحديدًا هي القصة المثالية حقًا لتناول فكرة الاختلاف. لم يكن قرانت وال شريرًا بل كان مخلصًا بصدق لأفكاره، لكنه لم يفهم أنه في طريقه إلى ذلك أهمل بعض الحقائق البسيطة التي ربما تغير دائمًا زاوية تناول الأحداث.

عاد جثمان وال إلى وطنه حيث جرى تشريحه وتأكيد أنه تُوفي إثر تمزق في الشريان الأبهر كما ذكرنا، وأكدت زوجته الطبيبة أن وفاته كانت وفاةً طبيعية، وتفهمها أنه كان من الصعب إنقاذه. كل ما في الأمر أن تلك الوفاة حدثت في قلب الملعب لأن هذا هو محيط عمله. لِمَ لا يفكر البعض أن هذا ما حدث لبعض العاملين في أثناء بناء الملاعب. نحن هنا لا نقر واقعًا من عدمه، لكننا نشير إلى أن اتهام منظمة العمل الدولية قطر أنَّها لا تحتسب الوفيات الناجمة عن النوبات القلبية والفشل التنفسي للعاملين في بناء الملاعب على أنها مرتبطة بالعمل، شيءٌ غير منطقي والدليل قرانت وال.

أكد الصحفي كير رادنيدق، الذي كان مجاورًا لوال في أثناء سقوطه في ملعب لوسيل، أن الفرق الطبية بالملعب حاولت فورًا إسعافه، وامتد الأمر إلى مدة نصف ساعة كاملة قبل نقله إلى المستشفى، حتى تقرير ذا أثلتيك الذي تناول وفاة العامل الفلبيني أكد أن الخبر تسرّب بسبب توجه طائرات مروحية طبية لمحاولة إنقاذ الرجل. لكن لا شيء من تلك التصرفات الإيجابية يجري تداوله على نطاق واسع.

يمكننا الإشارة إلى وال في أكثر من قصة، لكن الأهم هو زاوية تناول تلك القصص؛ يمكننا رؤية وال الذي كان مصممًا على اتهام قطر بقتل العمال، كما يمكننا رؤية وال المخلص لحقوق الإنسان الذي لم يتسن له معرفة الثقافة العربية، التي تضمن للأجير حقة من جانب ديني وأخلاقي وثقافي.

ولا يمكن أن نغفل -بين وجهتي النظر- قرانت وال الصحفي المميز للغاية، بل والاسم الأشهر في مجال صحافة كرة القدم في الولايات المتحدة. استطاع وال تغطية جميع الأحداث الكروية لأكثر من عقدين بما في ذلك ست بطولات كأس عالم، بل وخارج كرة القدم، فهو أوّل من ألقى الضوء على أسطورة السلة ليبرون جيمس عبر قصة صحفية أجراها في مسقط رأس ليبرون عام 2002.

الإنسانقطركأس العالمكرة القدم
مقالات حرةمقالات حرة