قطر 2022: كأس العالم يتحدث العربية

لا يوجد أفضل من كأس العالم كونه مناسبة عالمية يتابعها الملايين حول العالم، ويحضر مبارياتها أناس يحملون 32 جنسية مختلفة لكي تقدم ثقافتك.

يقول «سعد الصويان» إن المرء في الجزيرة العربية لا يمكنه فهم الثقافات الأخرى، دون أن يعي جيدًا موروثه وثقافته وتاريخه، دون أن يؤمن أن الصحراء أنتجت أعظم ثقافات الأرض وليس العكس.

بعد سنوات من حديث الصويان، تنتشر في العالم كله صورة تُظهِر أفراد المنتخب الإنقليزي لكرة القدم في مطار حمد الدولي في الدوحة، حيث يتم الترحيب بهم بتقديم القهوة العربية والتمر. مشهد وحيد يختصر أحاديث الصويان ويبرهن على صحتها.

تستضيف قطر فعاليات كأس العالم بدءًا من اليوم ولمدة 28 يومًا، ولا يوجد أفضل من كأس العالم كونه مناسبة عالمية يتابعها الملايين حول العالم، ويحضر مبارياتها أناس يحملون 32 جنسية مختلفة لكي تقدم ثقافتك إلى العالم.

ينتظر كل هؤلاء الجماهير «لعيب»، هذا هو اسم تميمة كأس العالم الجديدة؛ تميمة تشير في شكلها إلى شخص الخليج، وتتمتع بقدرة خاصة تؤكد حديثنا، أنَّها تفتح بوابات السفر عبر الزمن.

ربما قرر أحد محبي كرة القدم أن يبحث عن علاقة القهوة والتمر بالمطارات؛ يومها سيفهم كيف أن تقديم التمر والقهوة يعبر عن حسن الضيافة عند العرب منذ قرون. وإذا كان من الحاضرين لمباريات فريقه في قطر، فلا مانع من زيارة خاطفة إلى مدينة «الزبارة» حيث أمثلة حية على معاصر التمور.

من المؤكد أن أحدهم سيتذوق القهوة العربية، ولن يبرح «سوق واقف» إلا وهو معه ما يكفيه. بينما سيعود شخص آخر إلى النصف الثاني من العالم واضعًا في ركن ذكرياته دلة وفناجين ومحماس ومبرد وهاون، مؤكدًا لكل زائريه أنه قضى أيامًا جميلة في قطر. هناك من لن يعرفه أصدقاؤه المنتظرون في المطار، فقد عاد مرتديًا الزي الخليجي سعيدًا بالثوب والعقال وثقافة تعرف عليها وأحبها.

ستبقي بعض الكلمات العربية في ذاكرة الكثيرين لبقية أعمارهم، ولن تُمحى ابتسامة الشعب القطري بسهولة عند الحديث عنهم بعد العودة إلى الديار، فلا أحد يمكنه نسيان رائحة العود بسهولة؛ وإن نسي البعض فصورة بجوار «اللنجات» ستذكرهم.

الأمر لم يتوقف عند الثقافة والتاريخ فقط، بل إن الحاضر كان أكثر إبهارًا وتكاملًا. قدمت قطر إلى العالم ثمانية ملاعب مثالية للعب كرة القدم. بدايةً من «استاد البيت» الذي استوحى تصميمه من بيت الشعر الذي سكنه أهل البادية، حيث ستُلعب مباراة الافتتاح، وصولًا إلى ملعب النهائي «استاد لوسيل» الذي استوحى تصميمه من تداخل الضوء والظل الذي يميّز الفنار العربي التقليدي أو الفانوس.

سيلعب منتخب قطر اليوم مباراته الأولى حاملًا هو الآخر ملامح تشبه كثيرًا قطر ذاتها. في أكتوبر 2014 فاز منتخب قطر للناشئين ببطولة آسيا لكرة القدم تحت 19 عامًا. معظم اللاعبين الشباب من هذا الفريق هم حاليًا جزء من المنتخب الوطني الأول الذي عاد وكرر الانجاز وفاز ببطولة آسيا 2019. أسماء عرفها الجميع مع الوقت وخلف كل اسم حكاية.

لاعبون تعود أصولهم إلى السودان وتنزانيا ومصر والجزائر والعراق وقطر، يحملون ألوان المنتخب القطري، ويدافعون عنه بإيمان وصدق. كل هؤلاء اللاعبين قطريون تمامًا، إذ أعطت قطر إلى كل هؤلاء الفرصة في التحقق وتحقيق الحلم. تمامًا مثلما فعلت فرنسا مع عدد من اللاعبين أصحاب الأصول المختلفة.

يلعب الفريق تحت قيادة المدرب الإسباني «فليكس سانشيز» الذي قدم إلى قطر مباشرة من اللاماسيا الكتالونية «أكاديمية برشلونة لتفريغ الناشئين» عام 2006 لتحقيق هدف واضح، صنع لاماسيا قطرية خالصة.

بدأ الأمر في «أكاديمية أسباير» حيث ظهر معظم لاعبين المنتخب الحالي، ثم تدرج سانشيز رفقة لاعبيه؛ إذ كان مدرب منتخبات الناشئين بمختلف أعمارهم قبل أن يتولى تدريب المنتخب الأول. سانشيز هو الأب الروحي لكل هؤلاء اللاعبين، والرجل الأكثر دراية بهم وتصديقًا في قدراتهم.

نشاهد اليوم «المعز علي» الوحيد في العالم الذي سجل في ثلاث بطولات قارية مختلفة، ونشاهد «أكرم عفيف» القطري الذي احترف في دوريات بلجيكا وإسبانيا من قبل، ونشاهد «الهيدوس» قائد العنابي وأقدم لاعبيه. وإذا دققنا النظر سنشاهد في الخلفية مشجع إنقليزي يصرخ في المدرجات: «لقد وضعها المعز وين يسكن الشيطان.» نعم ما سمعناه كان حقيقيًا، فكأس العالم اليوم بصبغة عربية خالصة.

الثقافة المحليةقطركأس العالمكرة القدم
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية