سير أعلام الثقلاء!

حمقى هذا العصر مصنوعون بعناية، ويتقاضون أموالاً طائلة نظير ما يقدمونه للعالم وللبشرية من تفاهة. أما الحمقى السابقون، فحماقتهم شأنٌ شخصي.

يُروى عن عمر بن الخطاب قوله: «اللهم إني أعوذ بك من جَلَد الفاجر وعجز الثقة.» أما الثالثة التي لم يلحق بها ابن الخطاب رضي الله عنه، ولم يتسنَّ له الاستعاذة منها، فهي «ثقة التافه».

وقد روي عن راسل قوله: «مشكلة العالم الحديث أنَّ الأغبياء واثقون من أنفسهم، بينما الحكماء تملؤهم الشكوك.»

وأعترف بالعجز في العثور على حكمة تجعلني ضمن ركب الحكماء، وتساعد في وصف العالم «ما بعد الحديث» الذي نعيشه الآن. وفكرة التفاهة هنا لا تتعلق بصراع الأجيال -إن صحَّت التسمية- ونظرة كل جيل إلى الجيل الذي يليه أنهم مجموعة من الحمقى والتافهين.

الأمر مختلف تمامًا، فالحمقى والمغفلون في العصر الحالي ليسوا كالحمقى والمغفلين في العصور التي سبقتهم. حمقى هذا العصر مصنوعون بعناية، ويتقاضون أموالاً طائلة نظير ما يقدمونه للعالم وللبشرية من تفاهة، وبات الأمر مغريًا حتى أنَّ العاقل يفكر في التحامق حتى يجد له موطئ قدم في سماء مواقع التواصل الاجتماعي التي تمطر ذهبًا وفضة وإعلانات. أما الحمقى السابقون، فحماقتهم شأنٌ شخصي، ومنتجٌ خاص بهم، لا يتعدى أثره محيطهم القريب.

ومع ذلك، فلو أنَّ الذين وردت أخبارهم في كتاب «أخبار الحمقى والمغفلين» كانوا في العصر الحالي، لجرى تصنيفهم ضمن أصحاب المحتوى الجاد والهادف في وسائل التواصل الاجتماعي مقارنةً بزملائهم من الحمقى اللاحقين.

الحمقى والتافهون موجودون في كل عصر وزمان، لكن السلف الأحمق كانوا يعرفون بأنهم حمقى، ويُعاملون على أنهم كذلك. أما الخلف اليوم، فيقدمون أنفسهم للناس على أنهم «المؤثرون» وأصحاب الرأي المسموع في كل قضية، يخبرونك كيف تتعامل مع الحياة، وما معيار الصواب والخطأ، ثم يلاحقونك بالإعلانات ليخبروك ماذا تلبس وماذا تأكل وتشرب وكيف تتنفس.

ثم إنك أيها الإنسان إن فكَّرت في الدفاع عن عقلك ومقاومة هذا الطوفان، ستكون من المغرقين في بحر لجّي من الاتهامات بالحسد والغيرة، وأنك ما وصفت التافه بأنه تافه إلا لأنك عاجز عن الوصول إلى ما وصل إليه.

Giphy 2 1
جني الأموال / Giphy

وقد قلت سابقًا -في مكان نسيته- إنَّ مما عمَّ به البلاء في هذا العصر أن معايير النجاح والفشل أصبحت مرتبطة بالمال. فأنت ناجح ما دمت تجني الأموال، وفاشل فشلًا ذريعًا مريعًا مهما فعلت ما دامت أفعالك وأقوالك لا تتحول إلى أموال في نهاية المطاف. وأنَّ الحظ العظيم الذي نتخيله في أمنياتنا يجب أن يكون وفق المنهج القاروني: «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم». وأي نجاحات في الحياة لا تتحول إلى رصيد بنكي لا يُعتد بها، ولا تسمى نجاحات من الأساس.

ثم إن مما يزيد الأمر سوءًا وقبحًا، لجوء التافهين إلى «غسيل السمعة» من خلال تغليف التفاهة بغلاف الدين أو القبيلة، ومما يؤسف له أن الأمر ينجح. فتافه القبيلة يحصل على حصانة قبيلته، وحين يسأم الخلق من تصرفاته وأقواله الحمقاء، فسيجد الكثير ممن يدافع عنه من باب أنَّ «سفيه قبيلتنا خير من عاقلكم».

وحين يزيد على ذلك شيء من العبارات ذات الطابع الديني، ويصور لنا فواصل إعلانية لتبرعاته وبرّه بوالديه، فقد اجتاز صراط النقد. وسيصبح التعرض للسخافة التي ينتجها ويروّجها بابًا من أبواب كراهية الخير، وضربًا من ضروب محاربة الصالحين في نظر مريديه وأتباعه.

وعلى ذكر الأتباع والمريدين، فالحقيقة أنَّ المشهور لم يصبح مشهورًا إلا لأن كثيرًا من الخلق اتبعوا خطواته، وجعلوا منه شيئًا مذكورًا. لكن الحقيقة الأخرى تقول: إن كان يتابعه مليونًا أو مليونان من البشر الذي اختاروا طواعية أن يسلموا عقولهم لمن لا عقل له، فإن عشرات أضعاف هذا الرقم قد ضاقوا ذرعًا به وبحماقاته. 

أما الحقيقة الثالثة المحبطة فهي أنه سعيد بالفريقين. لأنه يهمه أن يكون محل حديث الناس أيًا كان ذلك الحديث، ولو اجتمع الخلق كل يوم لشتمه لكان سعيدًا فرحًا بذلك.

وأنا هنا لا أتحدث عن أحد بعينه، ولا أعمم، فالمشاهير التافهون ولله الحمد لا يتجاوزون 99% فقط. ولن تكون هذه المرة الأخيرة التي أتحدث فيها عن الموضوع نفسه. ومن يدري، فربما أصبح مشهورًا أحمقًا تافهًا يومًا ما، وأتوقف عن الحديث عن الزملاء الحمقى، وأتفرَّغ لنهيكم أيها الدهماء عن الفحشاء والمنكر وفق الضوابط الإعلانية.

الإنسانالشهرةوسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!